تضع الأزمة التي تعيشها شركة «بروبيست» بالحي الصناعي لجماعة قنفودة، التابعة ترابياً لإقليم جرادة، مستقبل أزيد من 40 عاملاً أمام المجهول، في ظل توقف نشاط الشركة، وتأخر صرف أجور ومستحقات عدد من أجرائها، وسط تساؤلات متزايدة حول الجهات القادرة على التدخل لإيجاد مخرج لهذا الوضع الذي تتفاقم تداعياته الاجتماعية يوماً بعد آخر.
فالأزمة لم تعد تقتصر على الجانب المهني أو التدبيري للشركة، بل امتدت آثارها إلى الوضع المعيشي لعشرات العمال وأسرهم، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة التزامات مالية واجتماعية متراكمة، دون وضوح الرؤية بشأن موعد استئناف النشاط، أو تسوية المستحقات العالقة.
وفي ظل هذا الوضع، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار توقف الشركة إلى تهديد مناصب الشغل، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الاستقرار الاجتماعي بالمنطقة، خاصة أن الأمر يتعلق بمورد رزق لأكثر من 40 أسرة.
وفي مقابل هذه التطورات، تؤكد المعطيات التي قدمتها الشركة أنها تتوفر على مختلف التراخيص والوثائق الإدارية اللازمة لإحداثها ومزاولة نشاطها، بما فيها رخصة البناء والإنشاء، وأن إحداثها تطلب استثماراً مالياً يناهز سبعة ملايين درهم،) كما تشير إلى أنها منخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، وتؤدي الضرائب المباشرة وغير المباشرة المستحقة عليها.
وتوضح الشركة، في معرض دفاعها عن طبيعة نشاطها، أنها تتواجد داخل الحي الصناعي بقنفودة، بعيداً عن التجمعات السكنية، وأن عملياتها تعتمد على التعقيم والطحن، وليس على الحرق، مؤكدة أن نشاطها لا ينتج عنه دخان أو روائح وفق توضيحاتها.
وفي السياق ذاته، تشير إلى أن وزارة الاتقال الطاقي والتنمية المستدامة جددت الترخيص لمدة خمس سنوات، عقب دراسة الملف من طرف لجنة مختصة بتاريخ 31 غشت 2026، وهو معطى تستند إليه في تأكيد سلامة وضعيتها الإدارية والبيئية.
وفي تطور لافت، دخل الملف مرحلة التقاضي، بعدما تقدمت الشركة بشكاية أمام المحكمة الإدارية بوجدة ضد رئيس جماعة قنفودة، حسب مصدر مقرب للموقع، دون أن تشمل هذه الشكاية عامل إقليم جرادة، أو أي جهة أخرى تمثل وزارة البيئة، خلافاً لما يتم تداوله في بعض الأوساط.
كما تفيد المعطيات التي قدمتها الشركة بأن الملف يتضمن اتهامات خطيرة تتعلق بنشر معلومات وصفتها بالمغلوطة، من قبيل الادعاء بحرق أعضاء بشرية، أو جلب مواد مسرطنة، أو معالجة مواد مشعة، فضلاً عن اتهامات تتعلق بالتحريض وتجييش الساكنة، وتهديد الأمن العام، والإضرار بالشركة التي تؤكد أن هذه الادعاءات أصبحت موضوع مسطرة قضائية، وأن الكلمة الفصل بشأنها تبقى للقضاء المختص.
وفيما يتعلق بخلفيات هذه الأزمة، تذهب الشركة المعنية إلى وجود جهات تمارس عليها -بحسب تعبيرها- ضغوطاً ذات طابع مالي، وهي ضغوط يجري توظيفها من خلال إثارة مخاوف أمنية لدى السلطات، عبر التحذير من احتمال اندلاع حراك اجتماعي، كما تشكك في وجاهة هذه المخاوف، مشيرة إلى أن الشركة أُحدثت في فترة حراك جرادة، وأن استمرار تعطيل نشاطها وحرمان عمالها من مورد رزقهم قد يشكل، في نظرها، عاملاً أكثر تأثيراً على الوضع الاجتماعي من استمرار المشروع نفسه.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول مآل الخلاف القائم وانعكاساته على مستقبل الشركة ومناصب الشغل المرتبطة بها، في وقت يظل فيه العمال الطرف الأكثر تضرراً باستمرار الوضع دون تسوية واضحة.
وبين المسار القضائي الذي دخلته القضية، والانتظارات الاجتماعية للأجراء، تبرز الحاجة إلى البحث عن حلول تضمن عدم استمرار العمال في تحمل تبعات الأزمة، سواء من خلال تسوية مستحقاتهم، أو توفير الشروط اللازمة لاستئناف النشاط المهني للشركة.
وأمام تعقد الوضع، تتجه الأنظار إلى والي جهة الشرق، عامل عمالة وجدة أنجاد، ورئيس مجلس جهة الشرق، وعامل إقليم جرادة، ورئيس جماعة قنفودة، كل من موقع اختصاصه، من أجل مواكبة هذا الملف، والبحث عن مخرج يضع حداً لمعاناة العمال، من خلال فتح قنوات الحوار والتواصل بين الأطراف المعنية، واستكشاف إمكانيات التسوية التي تحفظ الحقوق، وتراعي استمرارية المشروع الاقتصادي.
إن الحفاظ على شركة «بروبيست» وضمان استمرارية نشاطها لا ينفصلان عن حماية حقوق العاملين بها، فالمقاولة التي توفر فرص الشغل تمثل رافعة اقتصادية واجتماعية للمنطقة، وأي تعثر في نشاطها ينعكس بصورة مباشرة على الأجراء وأسرهم. ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الأزمة ينبغي أن تقوم على مقاربة متوازنة، تستحضر مصير العمال وحقهم في الأجور والاستقرار المهني، إلى جانب ضرورة الحفاظ على المشروع الاقتصادي، وإعادة تحريك عجلة نشاطه، في إطار احترام القوانين والضوابط البيئية والإدارية المعمول بها.
وبعيداً عن تفاصيل الخلافات والإجراءات القضائية، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحاً أن عشرات العمال يعيشون وضعاً اجتماعياً صعباً، في انتظار حل يعيد إليهم الاستقرار من جديد، ويضع حداً لحالة القلق التي تطبع حياتهم اليومية. فالأجور المتأخرة ليست مجرد مستحقات مالية، بل هي مورد عيش لأسر والتزامات لا يمكن تعليقها إلى أجل غير مسمى، كما أن استمرار الغموض بشأن مستقبل الشركة يضاعف مخاوف الأجراء من فقدان مصدر رزقهم.
ويظل السؤال المشروع مطروحاً: من يمتلك مفاتيح فك هذا الملف؟ وهل تنجح مساعي التدخل والتنسيق بين الجهات المعنية في إنقاذ أزيد من 40 منصب شغل بجماعة قنفودة، قبل أن تتحول الأزمة إلى وضع اجتماعي أكثر تعقيداً؟
هي إذن همسة في أذن كل من يملك سلطة القرار والتدخل، بأن وراء هذا الملف عمالاً وأسرًا ينتظرون الإنصاف، وأن حماية مناصب الشغل، وتسوية الوضعية الاجتماعية للأجراء ينبغي أن تكونا في صلب أي معالجة، بعيداً عن التجاذبات والخلافات، وقبل أن تتحول معاناة اليوم إلى أزمة اجتماعية يصعب احتواء تداعياتها غداً.



