شكل المؤتمر الجهوي الخامس للإعاقة بجهة الشرق، المنظم بكلية الطب والصيدلة بوجدة تحت شعار “مأسسة العمل في مجال الإعاقة: بين الالتزامات الدولية والدستورية للمملكة المغربية”، مناسبة لتجديد الدعوة إلى الانتقال من مرحلة إقرار الحقوق وسن التشريعات إلى مرحلة تفعيلها على أرض الواقع، عبر إرساء حكامة مؤسساتية دامجة تضمن الإدماج الكامل للأشخاص في وضعية إعاقة في مختلف مناحي الحياة.
وعرف المؤتمر، الذي نظم بشراكة بين مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، وولاية جهة الشرق، وجامعة محمد الأول بوجدة، مشاركة مسؤولين وخبراء وأكاديميين وفاعلين مدنيين ومهنيين، ناقشوا واقع السياسات العمومية الخاصة بالإعاقة وآفاق تطويرها بما ينسجم مع الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة.
واكتست هذه الدورة طابعاً خاصاً لتزامنها مع الذكرى الخامسة عشرة لتدشين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، للمركز الجهوي بوجدة سنة 2011، وهي محطة اعتبرها المتدخلون تجسيداً للعناية الملكية المتواصلة بالأشخاص في وضعية إعاقة، وللرؤية التي جعلت من الكرامة والعدالة الاجتماعية والإدماج ركائز أساسية لبناء الدولة الاجتماعية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور نبيل قروش، مدير مركز وجدة بمؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة ورئيس اللجنة المنظمة، أن المؤتمر تحول إلى فضاء علمي ومؤسساتي لتقييم السياسات العمومية وتبادل الخبرات، مشيراً إلى أن الدورة الخامسة تطرح سؤالاً محورياً يتعلق بمدى نجاح المنظومة القانونية والمؤسساتية في تحقيق الإدماج الفعلي للأشخاص في وضعية إعاقة، والانتقال من النصوص إلى الأثر الملموس في حياة المواطنين.
وأوضح أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في هذا المجال، سواء من خلال دستور 2011 الذي كرس مبدأ عدم التمييز بسبب الإعاقة، أو عبر التحول المؤسساتي الذي تمثل في إحداث مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، بما يعزز الجهوية المتقدمة ويرفع من فعالية التدخلات الموجهة لهذه الفئة.
من جانبه، أكد الكاتب العام للشؤون الجهوية بولاية جهة الشرق، في كلمة تلاها نيابة عن والي الجهة، أن المملكة راكمت مكتسبات قانونية ومؤسساتية مهمة، غير أن الرهان الحقيقي يتمثل اليوم في تحويل هذه المكتسبات إلى سياسات وبرامج عملية تضمن الولوج المنصف إلى التعليم والصحة والتكوين والتشغيل والخدمات العمومية، وترفع مختلف أشكال الإقصاء والحواجز التي تواجه الأشخاص في وضعية إعاقة.
واعتبر أن مأسسة العمل في هذا المجال تستوجب اعتماد حكامة قائمة على التنسيق والالتقائية بين مختلف المتدخلين، من مؤسسات الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والجامعة والمجتمع المدني، مؤكداً أن الإدماج مسؤولية جماعية تستلزم تعبئة الجميع.
كما سلط الضوء على مساهمة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في دعم الأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال إحداث وتجهيز مراكز متخصصة، وتشجيع التعليم الدامج، وتمويل مشاريع مدرة للدخل، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية وإعادة التأهيل، بما يكرس مقاربة تقوم على التمكين والاستقلالية بدل الاكتفاء بالرعاية الاجتماعية.
وشكلت جلسات المؤتمر فرصة لمناقشة ستة محاور أساسية، همت الحكامة الترابية، والإطار القانوني والمؤسساتي، والحماية الاجتماعية، والصحة الدامجة، والتربية والتعليم الدامجين، والتمكين الاقتصادي، في أفق بلورة توصيات عملية من شأنها الارتقاء بالسياسات العمومية الخاصة بالإعاقة.
كما عبر المنظمون عن تطلعهم إلى أن تتوج أشغال المؤتمر باعتماد “إعلان الشرق لتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة”، باعتباره وثيقة مرجعية تروم توحيد جهود مختلف الفاعلين، وتعزيز التنسيق والالتقائية، ودعم مسار بناء نموذج جهوي رائد في مجال الإدماج.
واختتمت أشغال الجلسة الافتتاحية بالتأكيد على أن بناء مجتمع دامج لا يقاس فقط بسن القوانين، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة الأشخاص في وضعية إعاقة، وتمكينهم من ممارسة حقوقهم كاملة والمساهمة في تحقيق التنمية، باعتبارهم شركاء أساسيين في بناء مغرب الإنصاف وتكافؤ الفرص.

