وجاء العيد…

د. سليمة فريندي

غادرنا الشهر الفضيل وامتطى الصوم جواده، وأقبل العيد بالأفراح منتشيا لنهدي بعضنا البعض جميل التهنئات ولطائف المجاملات، ونبارك للناس العيد ونصنع لهم من اللقاء سرورا يغمر القلوب، ويسعد النفوس، ويبهج الأرواح، ليتطاير الهم ويتلاشى الحزن ولو ليوم واحد.
في يوم العيد لا نعاتب ولا نشاحن ولا نخاصم، ولا نجعله يوم نكد ونفور ولوم وعتاب وسوء وتنغيص.
في يوم العيد نهدي الود والإحسان والعفو والصفو، ونمحو ببسمة الترحاب الهموم والآلام والشكوى. يأتي العيد بالسلوى و تعانق أنفسنا الوصل من جديد.
في يوم العيد نظهر الفرح لأنه عبادة، ونكثر من الثناء؛ نثني على رمضان شهر الصوم والإيمان والتقوى، ونثني على جمال الملابس، وعلى حسن صنع الحلويات، ونثني على الناس، ونفسح للضيوف المجالس ونقبل الأطفال ونقدم لهم الإكراميات. المهم أننا نحلي لساننا بأطايب الكلمات وجميل العبارات.
وفي سياق فرحة العيد لازلت أذكر أنني يومه كنت أصحو باكرا وأساعد أمي في إعداد مائدة العيد حيث تجهز فطور الصباح، وتختار أواني أنيقة خاصة بيوم العيد، وتضع أطباقا من الحلويات المنزلية، كنا نخصص لها أسبوعا كاملا لإعدادها، كما كانت تضع على صينية نحاسية مصنوعة من النحاس الخالص كؤوسا ذهبية لشرب الشاي يتوسطها ملك المائدة: إبريق الشاي. كنا نتحلق حول المائدة وكلنا إعجاب لها ننتظر عودة أبي من الصلاة ليشاركنا الفطور. وكم كانت فرحتنا لا توصف عندما يفتح الباب فنستقبله بلهفة وشوق، نعانقه ونلثم يده ثم يخرج من جيبه إكرامية العيد، فنتقافز سعادة ورضا وننعم بفطور ملوكي معه.
وكم كنت أحب تلك اللحظة ولا زلت، لأنها من اللحظات القليلة العزيزة على قلبي، التي كنت أرى فيها أبي مبتسما، وهو في كامل أناقته، محافظا على هدوئه يتحدث معنا برفق وحنان، ويثني علينا ويغمرنا بعطفه ووده، فتنشرح صدورنا، وتنبض قلوبنا الصغيرة حبا وفرحا.
وما هي إلا سويعات حتى يتوافد علينا الأهل والأحباب، وتسري روح المحبة في شرايين العائلة، ويذوب جليد الخلافات، وتصفو القلوب، وتعلو الضحكات الوجوه ويرفرف السلام، وتشرق شمس المودة من جديد، وتزهر براعم الوصل والتواد فواحة، فتتقوى اللحمة بين الأهل. إنها صلة الرحم وهي ليست خيارا كالصداقات والعلاقات المصلحية، بل هي صنف من صنوف البر، وفرض على كل مسلم ومسلمة.
حتى أمواتنا كانوا حاضرين بقوة في ذاكرتنا وفي قلوبنا يوم العيد، ونحرص كثيرا على زيارة قبورهم، نحدثهم سرا، ونبوح لهم بالحب والفقد بعد فراقهم، ونتلو سورا من القرآن الكريم على أرواحهم الطاهرة، ونجدد الرحمات عليهم، كنا سعداء جدا ونحن نزورهم ولومع مسحة من الحزن…
كم كنا في السابق نحرص بكل عفوية وتلقائية على الترابط والتلاحم مع الأهل، وكان ذلك هو سر سعادتنا البسيطة التي تلاشت مع تلاشي قداسة آصرة القرابة، ومع تقدم الزمن، وتعقد إيقاع الحياة هذه الأيام.
اليوم، أجدني مشفقة على أحوالنا كيف غدت بئيسة، ومشاعرنا كيف أمست جافة، وقلوبنا كيف باتت فارغة من الفرح والحبور والسرور رغم أن حياتنا وظروفنا تحسنت وأضحت أكثر رفاها.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

بوعرفة: بناء سكنيات وظيفية لفائدة الأطر الصحية

زيارة إلى رواق أليكا بالهرهورة عبر معرض الفنانة ومهندسة الديكور عائشة القباج