أكد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بوجدة الأستاذ مصطفى يرتاوي، في مداخلة له خلال الندوة العلمية المنظمة من طرف المجلس الجهوي للهيئة الوطنية لأطباء جهة الشرق، بشراكة مع محكمة الاستئناف بوجدة، أن اختيار موضوع :”الطب في عصر الذكاء الاصطناعي: التحديات والمسؤوليات القانونية والأخلاقية”، يعكس وعياً عميقاً بالتحولات النوعية التي يشهدها الطب الحديث.
وأبرز في هذا السياق، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أضحى شريكاً فعلياً في تشخيص الأمراض واقتراح الخطط العلاجية وتدبير المعطيات الصحية.
وأضاف خلال هذه الندوة التي احتضنها مقر الهيئة “دار الحكيم، أن هذا التطور، رغم ما يتيحه من فرص واعدة لتحسين جودة الخدمات الصحية، وتيسير ولوج المواطنين إلى العلاج، يطرح في المقابل أسئلة دقيقة تتعلق بتحديد حدود مسؤولية الطبيب عند الاعتماد على الأنظمة الذكية في التشخيص أو العلاج، فضلاً عن التحديات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، وضمان سرية المعلومات الطبية، في ظل الانتشار المتزايد للمنصات الرقمية، وحوسبة الملفات الصحية. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى وضع ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة تؤطر استخدام هذه التقنيات، بما يحفظ ثقة المجتمع في المنظومة الصحية.
وانطلاقاً من هذا الطرح، شدد المتحدث على أهمية البعد التشاركي في عمل كل من النيابة العامة والمجلس الجهوي للأطباء، مبرزاً أن هيئات الأطباء تضطلع بدور محوري في تأطير الممارسة الطبية، والحفاظ على شرف المهنة وكرامة الطبيب، في حين تضطلع النيابة العامة، في نطاق اختصاصها، بحماية النظام العام وصون الحقوق والحريات، وعلى رأسها حق المريض في السلامة الجسدية والمعنوية، وحقه في الولوج إلى خدمات صحية آمنة تحترم كرامته ومعطياته الشخصية.
وفي هذا الإطار، أوضح أن العلاقة بين المؤسستين لا تقوم على منطق المراقبة، بل على شراكة قائمة على الثقة المتبادلة والتكامل في الأدوار، هدفها الأسمى تعزيز الأمن الصحي والأمن القضائي معاً، كما أكد أن تدبير القضايا ذات البعد الطبي، خاصة تلك المرتبطة بالتقنيات الحديثة، لا يمكن أن يتم بمعزل عن خبرة الأطباء وهيئاتهم المهنية.
وبناءً على ذلك، اعتبر الوكيل العام للملك، أن مثل هذه اللقاءات العلمية تشكل فرصة مهمة لتقريب وجهات النظر، وفهم الإكراهات العملية التي يواجهها مهنيّو الصحة، فضلاً عن بحث السبل الكفيلة بالوقاية من النزاعات قبل وقوعها، من خلال ترسيخ ثقافة الجودة والتوثيق، واحترام المساطر والأخلاقيات في الممارسة اليومية.
ومواكبةً للتطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، دعا المتحدث إلى ضرورة الإسهام الجماعي في بلورة تصور وطني متكامل يؤطر الاستخدام القانوني لهذه التقنيات في مجالي التشخيص والعلاج، بما يضمن تشجيع الابتكار دون المساس بحقوق المرضى، ويكفل في الآن ذاته ضمانات المحاكمة العادلة عند نشوء نزاعات مرتبطة بالأخطاء الطبية، أو بسلامة التجهيزات الطبية.

وفي ختام مداخلته، جدد الأستاذ يرتاوي التأكيد على استعداد النيابة العامة لمواصلة تعزيز التعاون مع المجلس الجهوي للأطباء، من خلال تنظيم ندوات ودورات تكوينية مشتركة لفائدة القضاة والأطباء، وتبادل الرأي حول الإشكالات العملية التي يفرزها التطبيق اليومي للقانون في المجال الطبي، فضلاً عن الإسهام في اقتراح الإصلاحات التشريعية والتنظيمية الكفيلة بمواكبة هذه التحولات.





