الطيب الشكري
في التفاتة إنسانية تحمل أكثر من رمزية ودلالة تربط الماضي بالحاضر عبر أجيال متعددة وتخليدا لذكرى عيد العرش، عاشت مدينة عين بني مطهر على مدى يومين حدثا ثقافيا وفكريا متميزا، حيث كان أبناء البلدة المناضلة مع احتفالية بذكرى مرور مائة عام على تأسيس مدرسة عبد الواحد المراكشي، هذا الصرح التعليمي الذي كانت انطلاقته الفعلية سنة 1926.
وتًحْتَ شعار ” مئة سنة من التعايش والتربية على القيم وصون التراث ” انطلقت هذه الإحتفالية بحفل الإفتتاح الذي احتضنته دار الشباب بحضور وازن من أبناء وبنات مدينة عين بني مطهر من مختلف الأعمار الذين كان حضورهم عربون محبة لبلدة لازالت تسكنهم رغم أن السٌبُل فرقتهم، بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم تلاه النشيد الوطني وبعدها كلمة اللجنة التنظيمية، المجلس الجماعي لعين بني مطهر، المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بجرادة وجمعيات جاليتنا المقيمية بفرنسا، والتي أجمعت كلها على أن عين بني مطهر أو بركنت كما يحلوا لأبنائها تسميتها، تعيش لحظة مع التاريخ عبر إحياء هذه المئوية التي جًمَعت كل هذه الوجوه التي جاءت من مدن متعددة، وقطعت المسافات الطويلة لتسجل حضورها في هذا الحدث الأول من نوعه على مستوى إقليم جرادة.
كما شدد المتدخلون على الدور الذي لعبته المدرسة قبل الإستعمار وبعد الإستقلال عبر سنوات وعقود من زمن تعليمي متميز والذي كان من ثماره تخريج أطر عليا هي اليوم في مناصب المسؤولية منها من توفي إلى رحمة الله ومنها من لازالوا على قيد الحياة أطال الله في عمر الجميع، أسماء نقشت حضورها بمداد الفخر والاعتزاز، وظلت عين بني نطهر تسكنها رغم البعد ولم تقطع الصلة بها، لتأتي اللحظة التي كان ينتظرها الجميع.
ومباشرة بعد الجلسة الافتتاحية، توجه الجمع الغفير مُتَرَجلا بخطوات تابثة نحو البيت الذي احتضن السنوات الأولي من تعليمهم، في إتجاه مدرسة عبد الواحد المراكشي يعود الحنين إلى طفولة ليست كباقي الطفولات، طفولة قاسية لكن فيها إصرار كبير على التعلم والتحصيل، العيون كلها صوب المدرسة المُحَتفى بها وكيف غير الزمن ملامحها المعمارية بعد إدخال تعديلات عليها وهدم بعض من بنايتها التي كانت شاهدة على هذا العطاء والتميز، وتعويضها ببنايات حديثة، وعلى مدخل المدرسة تم إسدال الستار على اللوحة التذكارية التي تخلد لقرن من الزمن في خدمة التعليم ونشر قيم التسامح والتعايش الدينين لأن هذه المدرسة احتضنت أعداد كبيرة من أبناء اليهود والمسيحين إلى جانب أبناء عين بني مطهر، فأول اسم تمت تسجيله بهذه المدرسة يهودي، بل أن أحد التلاميذ الذين مروا من هذه المدرسة كان من جنسية برازيلية، لتواصل هذه الجموع البحث في الذاكرة الجماعية بعرض صور قديمة لعدد من رجال التعليم الذين مروا وأبلوا البلاء الحسن، والشهادات التي استقيناها كجريدة من عدد من أبناء المدينة تجمع كلها على أخلاق وصرامة وكفاءة هذه الزمرة من رجال كان همهم الوحيد هو تعليم أبناء البلدة دون فرق أو تميز ومساعدتهم في تجاوز العقبات وضيق ذات اليد، لأن العديد منهم كانت أوضاعهم الإجتماعية ضعيفة جدا، لكن إصرارهم كان كبيرا على كسب الرهان والتطلع إلى أفق مستقبلي يليق بما بذلوه من جهد، في قسم شاهد على عراقة هذه المدرسة التاريخية علقت صور عديدة لأسماء ورجالات بدلت من الجهد الكثير، واستعادها الحاضرون بكل الفخر والإعتزاز، من المغاربة الزبير بنجلون، التهامي بوعياد، المهدي البداوي، الدرقاوي قاسمي، بن عامر راشدي، بوعزة المجدوبي وأخوه سليمان ، المهدي الشكري، محمد ميموني، محمد حساني، الطيب ميموني، حسن عزاوي، عبد الرحمان معزوزي، والعديد من الأطر التعليمية، ومن الجزائر، نذكر المدير الحرشاوي، أحمد كرارمة، الحسناوي وزوجته ماريا، محمد كرومي، عبد الله كوار، وفي القسم المقابل تم عرض مجموعة من الكتب المدرسية القديمة التي أخذ منها التلاميذ والتلميذات الأسس الأولى للتعليم، إضافة إلى بعض الوسائل القديمة التي رافقت تعليم أطفال عين بني مطهر ومن بينها ما كان يعرف لدى كل الأجيال التي عبرت من هذه المدرسة ” الفلقة ” وهي تعبر عن أسلوب عقابي كان يهابه الجميع وهي عبارة عن عصى غليضة بحبل يتم إدخال أرجل التلميذ داخل الحبل وإحكام العصى من طرف تلميذين آخرين ويقوم المعلم بالضرب على أرجل المشاغب، وهنا استخضر جملة قالها أحد ” ضحايا ” الفلقة وهو يستعيد ذكرياته معها ” لو لم تكن هذه لما أصبحت أستاذا جامعيا “.
داخل فضاء مدرسة عبد الواحد المراكشي كانت رحلة مع الماضي، استعاد كل واحد من الحاضرين الذين غصت بهم المدرسة ذكرياته وشده الحنين إلى تلك السنوات الجميلة التي كانت نقية نقاء هواء بركنت الذي نفتقده اليوم في ظل ممارسات خبيثة تقفز على كل المبادرات وتقزم دور المؤسسات وحتى الجمعيات، بعض الأقسام لا تزال هي هي لم تتغير مازال فيها جزء من هذا الماضي الجميل، وفي خضم هذه النوستالجيا التي كانت بحق راقية رقي أبناء وبنات عين بني مطهر لاح في أفق المئوية الجرس الحديدي الذي كان بالزاوية اليمنى للمدخل الرئيسي للمدرسة والذي تمت سرقته وسرقت معه لحظات وطرائف عشناها وعاشها قبلنا كل الأجيال التي مرت من عبد الواحد المراكشي التي لا تذكر إلا وذكر هذا الجرس، لتختتم الليلة بأمسية شعرية من الزجل القى فيها عدد من الشعراء قصائد من الشعر العامي.
اليوم الثاني ابتدأ بتظاهرة رياضية عبر مسابقة في ألعاب القوى لثلاثة فئات شارك فيه أبطال سجلهم حافل بالاتصارات والنتائج الإيجابية التي حققوها على المستوى الوطني والجهوي، ليكون مسك ختام هذه المئوية بعرضين قيمين سافر بنا في الزمن الماضي عبر استحضار مسار مدرسة عبد الواحد المراكشي منذ أول يوم إلى سبعينيات القرن الماضي وكيف كانت إرادة أبناء بركنت في رفع التحدي أمام غطرسة الاحتلال الفرنسي الذي كان يقاوم كل فكرة أو مشروع تعلم عربي إلى جانب الفرنسية، حيث ابتدأت المدرسة بقسم واحد ومع مرور السنوات واقتناع الأسر البركمية بضرورة تعليم أبنائها تمت إضافة أقسام أخرى لستع للعديد من التلاميذ الذين احتضنهم هذا الصرح التعليمي الكبير، ويكفي أن نذكر اسم التلميذ عمر بنجلون وأخوه أحمد بنجلون إضافة إلى عديد الأسماء التي مرت من عبد الواحد المراكشي والتي تبوأت بعد سنوات من التحصيل مكانة مرموقة فكرا وثقافة وعملا.
إلى ذلك، اختتمت هذه الإحتفالية الرائعة والمتيزة بتكريم عدد من رجال التعليم، وكل من ساهم من قريب أو بعيد في أن تستعيد مدرسة عبد الواحد المراكشي مكانتها كصرح تعليمي هو اليوم ذاكرة حية وجب صيانتها والحفاظ على معمارها دون تغيير وإيلائها المكانة التي تستحقها.

