مشهد النكسة!

بقلم الدكتور فريد بوجيدة

كان حزب العدالة والتنمية يتباهى في الولايتين السابقتين بـ”شعبيته” العددية، ويعتبر ذلك ولاء لا ينقطع ، وبنرجسية سافلة كان زعيمه يحاجج المنافسين بالمنطق العددي ويقول: “بيننا الشعب”، ولا يتوانى في استعماله كبعبع ضد الأساتذة. وهذا التفكير في الحقيقة لا يؤمن بالديمقراطية إلا إذا كانت “ولاء” دائما، وهو نفس التفكير الذي صنع الديكتاتوريات بكل أصنافها… ولذلك حاول الحزب بكل الطرق أن يبرر قرارات لاشعبية ولا اجتماعية باسم الشعب. ولأننا منتخبون ونمثل الأغلبية فمعنا الشعب. هكذا كان يبرر الحزب انبطاحه للرأسمالية المتوحشة، ولم يعط اعتبارا لا للمعارضة السياسية ولا النقابية.

ولأنه حزب ذو مرجعية دينية كما يقدم نفسه دائما، كان يعتبر التصويت لصالحه ولاء بالدرجة الأولى لمرجعيته، وبالتالي فإن معارضته لا يمكن أن تكون إلا علمانية وتضرب في الصميم مشروعه “الاسلامي”.

لا يمكن أن يستسيغ الحزب الآن هزيمته النكراء، ولايتفهم النتائج المعلنة، ولم يستطع أن يتقبل سقوط قلاعه في يد المنافسين. كيف تهاوت كل المدن “الاسلامية” والمحررة سياسيا، وسلمت مفاتيحها للخصوم؟

بالرغم مما هو موجود كمعطيات تتعلق باستعمال الأموال، وهو ما صرحت به العديد من الأحزاب، فإن الهزيمة “الديمقراطية”، جعلت أعضاء الحزب والمتعاطفين معه مندهشين لسقوط مرشحيهم كأوراق الخريف، ولسان الزعيم يقول مع محمود درويش “أين شعبي؟”

إذا حاولنا فهم هذه الصدمة، علينا فهم منطق التفكير لدى العدالة والتنمية، والذي عبر عنه الزعيم عدة مرات في خطاباته لحظات القوة والعنفوان، والذي كان يعتبر تصويت الشعب ولاء كليا، وأن صناديق الاقتراع هي الفيصل، وأن شرعية قراراته، لا يمكن التشكيك فيها!

ها هو المارد يخرج من الصناديق مرة أخرى ليمزق وشائج الود، ويبين أن السياسة علاقة تبنى على وفاق محدد في الزمن، وتعاقد لا يمتد إلا بموجب المصلحة المؤكدة (خدمة الشعب)، وأن الفاعل الذي جعل الحزب ينتشي في السابق، هو نفسه الذي جعله منبوذا وعرضة للسخرية هذه المرة.

إن التصويت ممارسة ديموقراطية، وليس ولاء دائما لمرجعية فكرية معينة، والسياسة مجال للمنافسة الحرة، وفق قواعد اللعب، إذا قبلتها تقبل تبعاتها. والتقييم الحقيقي للهزيمة هو قبول منطق الزمن والقيم المتحولة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

”خلص بالتسبيق عاد نديرولك العملية”!

عزيز أخنوش… رئيس الحكومة الـ19 في تاريخ المغرب المعاصر