مدرسة الثلاثين يوما

د. سليمة فريندي

أهلكتنا ذنوب السنة، فأتى الرحيم بشهر التوبة والمغفرة، شهر رمضان، حيث تخضع الأمة الإسلامية لنظام حياة سليم وصحيح، تشمل منفعته الجسم والروح.
فنحن نلبي رغبات بطوننا أحد عشر شهرا في السنة ونهمل نفوسنا وأرواحنا تعاني ذبولا أقرب منه إلى الجفاف، ونضوبا في ينابيع المشاعر الإيمانية في دواخلنا، وتبلدا في الأحاسيس والمشاعر نحو الخالق.
و منذ اقتراب دخول شهر رمضان، مدرسة الثلاثين يوما يتعين على المسلم أن يروض نفسه للصيام والقيام وصالح الأعمال؛ فيكتب الأجر بهذه النية الصالحة، وكذلك فيه إعداد وتهيئة للنفس لتطهيرها من الرذائل والمعاصي، بالعزم على اجتنابها والبعد عنها، والالتزام بسلوك الاستقامة فيه.
يحل رمضان، فيقبل الصائم على النفس يرممها ويسقيها بماء المكرمات، ويغذيها بقراءة القرآن والطاعات والعبادات، يتعهدها بالرعاية، فتربو الفضائل حتى تصبح عادة للمرء، وطبعا ثانيا له. وتسمو الحياة لتفهم على وجه آخر أرقى وأطهر حيث تحمل كل معاني الخير والصفاء والنقاء، وترادف كل مرادفات الطهر والفضيلة والجمال. إن رمضان هو شهر الارتكان إلى الذات والرجوع إلى النفس بقصد تنقيتها من شوائبها وأدرانها، وبنية تهذيبها من رعونتها، وبغرض كبح جماحها وضبط زمامها. إنه فرصة يعمد فيها الصائم إلى مجاهدة النفس وترويضها على الصبر والجلادة، ويسعى إلى تزكيتها وتطهيرها من كل ما علق بها من ذنوب ومعاصي وعيوب. قال الله تعالى “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وّقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” سورة الشمس، الآية 9 و10.
إِنَّ الصوم جُنَّة، أي وقاية من الطباع الفاسدة والسلوكات المشينة، ومن كل توابع الرذيلة، إنه اتقاء ضرر لجلب منفعة، واتقاء رذيلة لجلب فضيلة، بفضله يلجم المسلم شهواته ويتحكم في أعصابه، ويعصم نفسه من الزلل والزيغ، ويسيج لسانه بسياج الحصافة والدماثة، فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يعامل بالمثل، ويجزئ السيئة بالسيئة، بل يقول “إني صائم”.
إن الصوم مدرسة يخضع فيها المسلم إلى التهذيب والتأديب، فيتعفف ويبتعد عن الشهوات والمعاصي والرذائل، فيبقى طاهر القلب، نقي النفس، يجدد صلته بخالقه علما أن تلك الصلة هي جوهر التدين و لُباب العبادة فيصل بذلك إلى المقصد الأسمى والغاية الأسنى من تزكية النفس لينال عظيم الجزاء، ويقطف حلو ثمار الفلاح.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

وجدة: شاب يقتل شقيقه ويصيب والده بجروح

وجدة: نقابة أطباء الأسنان تعطي انطلاق عملية التكفل بالعلاج لفائدة نزلاء دار المسنين