محمد عابد الجابري… ابتدأ حياته بمطاردة الجن وانتهى بأكبر مدافع عن العقل في العالم

سعيد سونا: باحث في الفكر المعاصر

لعل من أكثر المواضيع التي اشتغل عليها فقيد الفكر الكوني الحر محمد عابد الجابري، هو موضوع التراث، وكيفية التعامل معه ابستمولوجيا، بحيث نتمكن من الأخذ بالجانب الحي و الإيجابي فيه، وتوظيفه بطريقة تمكنه عبر المساهمة في بناء ماض معقلن يدفع إلى الحداثة، ولايعيقها، سواء كان هذا التراث شفويا أو ثقافة عالمة، والغاية كل الغاية الأخد بالجزء الحي، وطرح كل ماهو ميت ومتخشب من داخل بنية التراث، وهو الذي عرفه فقهاء الحداثة من محمد عابر الجابري، إلى عبد الله العروي، إلى محمد سبيلا و صولا إلى أركون ” رغم الاختلافات الموجودة بين هاته الأسماء ” …. فهو ذلك الجزء الحي من الماضي الذي لازال يؤرق الحاضر، أو كل شيء من الماضي لازال موجودا ويؤثر بطريقة سلبية في الحاضر .

وهناك طرحين في هذا المجال:

طرح محمد عابد الجابري المعتدل والعقلاني، الذي يدعو كما قلنا إلى تمحيص التراث،،، عبر خلخلته ، ليظهر الجزء الحي منه ونأخذ به ، ونقوم فيما بعد بترك الجزء الميت وتبيئة مايصلح للتحيين ، باعتباره أساس بنية العقل العربي.
وبين رأي راديكالي يتقدمه الأستاذ عبد الله العروي الذي يدعو إلى القطيعة التامة مع التراث باعتباره معيقا للحداثة ؟؟؟

ففي كتابه “نحن و التراث” هاته المعلمة الفكرية التي قسمت ظهر الفكر العربي و العالمي ،،، و خلقت مفاهيم جديدة وأليات للتعاطي مع الماضي، يتجلى بوضوح شغف المرحوم بالإشتغال على التراث والماضي.

حقائق مثيرة تروى لأول مرة عن محمد عابد الجابري :

فدعونا اذن نرحل معكم،،، ونبدأ بماضي الرجل لنمدكم بحقائق وروايات حميمية تنشر لأول مرة عن فقيد الأمة و الفكر العالمي الأسطورة محمد عابد الجابري،الذي ابتدأ حافظا للقران وانتهى بترتيبه ،،، وتوفي رحمة الله عليه فوق كتبه وفي قلبه تلك الغصة … التي لم تتقبل تقدم الغرب وتقهقر العرب بسبب عدم فهمهم للتراث بما في ذلك الديني منه !!!

أستسمح من القراء الكرام أن أسرد إليكم هاته الوقائع التي تحمل الذاتي والموضوعي :

فأما الذاتي فعبد ربه من تلامذة هذا الاستاذ ، ونقتسم معا الانتماء للهامش الذي ينتج الإبداع كما تواضع على ذلك كل علماء الاجتماع …انها قارة إقليم فكيك … أو عندما كان يقال من مدينة فكيك إلى قرية فاس …

وأما الجانب الموضوعي فسأترك المجال لمن هم أغزر مني علما ومعرفة ، فشرف الباحث هو الفناء في مقولة ” لا يجوز أن يفتى ومالك في المدينة ” … فالمشروع إذن يحتاج إلى بحث سرمدي لادراك ماهيته .

في بداية الأمر لابد أن نشير أن هناك مغالطات كثيرة ، نشرت بعد وفاة الرجل، تلتها قراءات متسرعة لبعض الجهات الفكرية والإعلامية ، التي سارعت إلى السبق متناسية المثل الشعبي القائل: “بطا وجيب الكامل ” ،،، ولهذا كان من الأمانة العلمية، التوجه لمسقط المرحوم الواحة الجميلة فكيك… وما أدراك ما فكيك بلاد العلم و الزهد ، البلاد التي أعطت دروسا في الإنسانية عبر التضامن الاجتماعي و ماشئتم من القيم الإنسانية النبيلة .
ينتسب محمد الجابري إلى “ولاد جابر” وبالضبط إلى
قصر “أجدير” وكانوا يلقبون انذاك بالجبابرة ،،،،ولهذا خاضوا حربا ضروسا ، ضد باقي قبائل فكيك ، الذين كانوا يسكنون فيما يسمى بالقصور ، وكانت تلك الحروب تدور رحاها ، على الماء وكذا محصول التمر ، السبب الذي أدى الى تفكك قبيلة ولاد جابر أو الجبابرة ،،، نظرا لأنهم كانوا قوة عظمى جعلت باقي القبائل تتربص بهم بغية تفتك بهم..

وهو ما حصل فعلا بعدما قامت بعض قبائل فكيك ، بنسف قصرهم بالديناميت… ليستقر اجداد مفكرنا الكبير ، بقصر “ازناكة” الشهير…

حمو أو سيدي عابد كما كان يلقب عند أهل فكيك ، دليل وحجة لايهال عليها التراب، أن قبيلة ولاد جابر هم من أدخلوا العلم لفكيك، كما سمعت من شيوخ الواحة … وكان السواد الأعظم منهم من حفظة القران ، لكنهم حسب بعض الروايات ، اخذتهم العزة بالعلم والمال ، والجاهل ، والصيت ، عند القبائل المجاورة لمحاولة الريادة عليها …

حفظ محمد عابد الجابري القرآن وهو في سن مبكرة ، وتلقى الفقه على يد عتاه العلم و المعرفة أنذاك ، وهذا ما غاب عن الذين استهجنوا على فقيدنا الكبير اشتغاله على القران الكريم قبل وفاته …
عاش الجابري في أول الأمر عند أمه بعد طلاقها من أبيه ، وتنتمي أمه كذلك الى قبيلة لها ما لها من جاه وحضور قوي في الإقليم آنذاك وهي قبيلة “ولاد سيدي عبد الجبار” التي لن تصل في جميع الأحوال إلى شدة و بأس “الجبابرة” لينتقل بعد ذلك مع أبوه إلى وجدة لإتمام دراسته الإعدادية ، نظرا لعدم تواجد إعدادية في مدينة فكيك آنذاك ،وبعد ذلك انتقل مع أبيه إلى مدينة الدار البيضاء لأن والده كان تاجرا كبيرا.
وفي مدينة الدار البيضاء رسم محمد عابد الجابري ملحمة فكرية اجتمع عليها العلماني والإسلامي و العروبي مع الفرنكوفوني و الأمازيغي ” ،،، لترسم لنا ملامح فيلسوف يذكرنا بجهابذة الفكر في غابر التاريخ…

ورغم أنه من أصول أمازيغية إلا أنه كان عروبيا حتى النخاع،،،، مهموما بالعرب ونكبتهم العقلية ،
ولا بد من الإشارة كذلك أن قبيلته كانت تتلقى هبات ملكية لأنها تنحدر من نسب شريف وكان يتخرج على أيديها كبار العلماء أنداك ،،، ويحكى أنه كل من يزور تلك القبيلة يصبح غزير العلم ، لتصنع القبيلة جيلا من العلماء ، تفوقوا على خريجي جامعة القرويين كما سمعت من أحد المسنين.

ومن الطرائف التي سمعتها من ابن عمة المرحوم المدعو “الريصاني” أن الفقيد كان مولوعا بمطاردة الجن في صغره ،،، فكان يخرج ليلا برباطة جأش غريبة، يبحث في واحة فكيك الكبيرة ،،،، ليرى الجن و يتحدث إليهم، ويعود إلى المنزل و هو في غاية الإنشراح ،يسرد عليهم ما رأى ببرودة دم غريبة كما جاء على لسان ذات المتحدث
… نعم الأمر ليس غريبا عندما يتعلق الأمر بالجابري الذي انشغل بالأسئلة الكبرى منذ صغره …

ويحكى أيضا أن معلم الفصل في أحد الأيام ،،، سأل تلامذته عن هواياتهم المفضلة ، فكان جواب ” حمو ” صاعقا لصاحب الفصل …هوايتي هي مطاردة الجن …

وهي من المفارقات العجيبة فمن كان يطارد الجن يوما ما ،،، أصبح من كبار المدافعين عن العقل ومات على ذلك.
إن ما سردناه جزء يسير من عوامل ، ساهمت في تكوين مسار رجل غير عادي…

ومن خلال الوقوف على المعطيات السابق ذكرها ،،، عرف السبب و بطل العجب من اهتمام الجابري بالتراث إلى حد الوله.

وأنا أسمع ما سمعت من عائلته الكبيرة في فكيك ، وأصدقائه و المقربين منه ، أيقنت أن الجانب الذاتي كان له نصيب في كل كتب الراحل… حتى أنه قالها بعظمة لسانه ، أن طفولته في واحة فكيك مكنته من معرفة واقع المجتمع المكي المبني أساسا على المعطى القبلي ،،،
لكن دعونا الان نطرح السؤال الذي لازال يؤرق المتتبعين بإقليم فكيك… ما حقيقة تغلل حزب الاتحاد الاشتراكي بإقليم فكيك ؟ انه فعلا طابوا من طابوهات التاريخ السياسي للمغرب المعاصر ،،، فقد كان حزب الاتحاد الاشتراكي الوجهة المفضلة الأولى لساكنة  فكيك ، حيث تزعم ساكنة قصر زناكة أنهم من مؤسسي و مناضلي الحزب ، وفاء لمحمد عابد الجابري … حيث يضيف مصدرنا ، أن مناضلي الاتحاد الاشتراكي انذاك ، تحملوا كل أشكال التضييق السلطوية ، بما فيها الاعتقال و التعذيب بمعتقل تازمامارت.

ألم يكن محمد عابد الجابري من مؤسسي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ،،، و محررا لتقريره الأيديولوجي … فهاته بتلك فالأمور تبدأ بالفرد لتنتقل إلى القبيلة …
ومن الأشياء التي تؤكد هاته الوقائع أحيلكم على الرسالة القنبلة ، التي بعث بها الفقيه البصري القيادي السابق في الحزب المذكور ، متهما قيادته بالتواطؤ مع الجنرال أفقير في الانقلاب المعروف…. فالشيء من معدنه لايستبشع ، فأوفقير ينتمي كذلك لإقليم فكيك … وبالضبط واحة عين الشعير ،.. نحن نتسائل فقط ؟؟؟ والا لماذا ظلت رئاسة المجلس البلدي لفجيج ، منذ الاستقلال حكرا على حزب الاتحاد الاشتراكي ؟ بل أن أول مجلس قروي لواحة عين الشعير ترأسه ابن عم الجنيرال ، مولاي ادريس اوفقير باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية..

فهل صدق الفقيه البصري في روايته التي جعلت اليوسفي يخرج عن صوابه ،،، ويوقف ثلاثة جرائد أنذاك دفعة واحدة… مستخدما الفصل 61 الذي يتيح له ذلك …
نتسائل فقط ؟؟؟ لكن المؤكد أنه لا يوجد دخان بدون نار…

كان هذا غيض من فيض حقائق لم تروى من قبل عن احد أهم أركان الفكر العربي ،،، وعن رجل اعتنق الصمت وكفر بالكلام . فدعونا نترحم عليه، عبر غزارة الكلام عنه حتى تعرف الاجيال القادمة ،،، مصداقية اطروحة عبد الله كنون ” النبوغ المغربي ” … فلاتستغربوا من جبابرة فكيك أن يخرج من صلبهم رجلا قال عنه الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي ” محمد عابد الجابري كبرياء العرب أمام العالم ”

سيدي وأستاذي محمد عابد الجابري على روحك الرحمة، وعلى ذكراك السلام.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاتحاد النقابي للموظفين/ت يختتم أشغال مؤتمره الجهوي وينتخب سليمان قلعي كاتبا جهويا

بحي ولد الشريف:جريمة قتل بشعة ضحيتها شاب في مقتبل العمر