صناع التفاهة وسفاهة المحتوى

الطيب الشكري

كنت دائما أنأى عن الدخول في سجالات حول ما تعج به مواقع التواصل الإجتماعي المختلفة، لأنها في الأصل عنوان كبير وعريض إسمه التفاهة في أدنى توصيفاتها، ولم أكن أتوقع أن نكون أكبر مستهلك ومتتبع لهذه التفاهات التي غزت الفضاء الأزرق، كائنات من مختلف الأعمار والأجناس تأخذ مساحات مهمة وبالساعات ليل نهار تنفث سمومها وكلامها السوقي وبإيحاءات لا أخلاقية تعدت كل الخطوط وأفسدت الذوق العام وأصبح لها، وللأسف الشديد، مئات الآلاف من المتتبعين والمعجبين الذين انساقوا مع هذه الموجة التي ابتدأت عندما تخلى المثقفين والقنوات التلفزية العمومية عن دورهم الحقيقي في التوعية، وزرع تقافة الحوار والاختلاف، وتوارت عن المشهد العام، تاركة المجال والفضاء لإمعات أتت على الأخضر واليابس، وتجاوزت حدود التفاهة إلى نعت المغاربة بنعوت قدحية طمعا في “لايكات” تزيد من رصيدهم المالي العائد لهم من نشر فديوهات تفتقد لكل ما هو أخلاقي وأدبي.
اليوم، نحن أمام ظاهرة لم نألفها فيما سبق من السنوات، ظاهرة تنتشر بسرعة وبمحتويات تافهة وبوجوه متعددة وأعمار مختلفة يجب أن نقف عندها بشيء من الاستغراب والتسائل أيضا، ما الذي دفع المواطن إلى تتبع أمثال هؤلاء؟ وهل أصبحت التفاهة بديلا عن المحتوى الأخلاقي والثقافي الجاد والهادف؟ وأي أدوار رقابية يمكن ممارستها على هكذا محتوى؟ وما هو موقف النخب الثقافية من انتشار هذا العفن؟ أسئلة وغيرها تنتصب أمامنا في تعاطينا مع ظاهرة ابتدأت بشكل محتشم قبل أن تتحول إلى ورم خبيث وجب إستئصاله حماية للذوق العام والتعامل معه بجدية ومسؤولية، لأن الأمر خرج عن السيطرة، وأخذ أبعادا خطيرة ارتفعت معه آلاف الأصوات تدين وتحذر من تنامي الظاهرة وخروجها عن السيطرة، فلا يكاد يخلوا موقع من مواقع التواصل الإجتماعي من أمثال هؤلاء، بل تجد أحيان كثيرة أسرة بكاملها تمارس هوايتها في استحمار عقول آلاف المتتبعين، بل والاعتراف المباشر بأن ما يقومون به هو ضحك على الذقون ومن أجل المال لا يغير الشيء الذي يوضح إلى أي مستوى وصلنا إليه من أشخاص تافهين وجدوا في هذا الفضاء الأزرق ضالتهم لنفث سمومهم دون خجل أو حياء، بل الأكثر من هذا الذهاب بعيدا في عملهم هذا.
إن استمرار تفاهة هؤلاء أمر غير مقبول بالمرة، وجب التعامل معه بكثير من الحزم من منطلق الضرر المعنوي الذي يخلفه، خاصة وأن استعمال وسائل التواصل الإجتماعي لم يعد مقتصرا على فئة عمرية محددة، حيث تجد الطفل والشاب والشيخ، الرجل والمرأة، كما أن استعمالها يكون بالساعات، وبالتالي تأثيرها يكون مباشرا الشيء الذي يبرز حجم الضرر الذي يتعرض له المتتبع لهؤلاء اليوتوبرات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

في سابقة: صحيفة “هآرتس” تنشر صور 67 طفلا من غزة قتلتهم الطائرات الإسرائيلية

العمل الإنساني في جنح الظلام