زيارة وزير خارجية فرنسا للجزائر للتذكير ب”إتفاقية إيفيان” وبأحقية فرنسا في الغاز والبترول

عبد القادر كتــرة

شهد فاتح يوليوز 1962 استفتاء الجزائر لتقرير المصير وهو استفتاء على استقلال الجزائر عن فرنسا أو تمسكها بالتبعية لها، وفقًا ل”اتفاقية إيفيان” التي وضعت حداً للنزاع المسلح بين المتحاربين الرئيسيين في الحرب الجزائرية في 19 مارس 1962، مع الإشارة إلى أنه “استفتاء لتقرير المصير” وليس “منح استقلال لدولة” بحكم أن الجزائر لم تكن دولة ولا أمة وكانت مجرّد مقاطعة فرنسية على غرار مستعمرات فرنسا التي تسميها ” المقاطعات والأراضي وراء البحار” (DOM-TOM Départements Outre-mer et Terre Outre-mer) والتي لا زالت بعضها فرنسية إلى يومنا هذا مثل “الدومينيك” و”غوادلوب” و”لاريينيون” و “كاليدونيا الجديدة” و”بولينيزيا” و”كوييانا” و”مايوت”…
و”اتفاقية إيفيان” هي اتفاقية موقعة بين جمهورية الجزائر وجمهورية فرنسا بغرض إنهاء حقبة الاستعمار الفرنسي التي خيمت على البلاد لمدة 132 سنة، وعليه نالت الجزائر استقلالها وحريتها، وتذكر أنها تمخضت عن مفاوضات بين الطرفين اضطرت فرنسا للقبول بها جرّاء الخسائر التي تكبدتها عقب اندلاع ثورة التحريري في مطلع شهر تشرين الثاني نوفمبر عام 1954 وذلك نتيجة ضغوطات من الرأي العام الداخلي، والأزمة المالية الاقتصادية التي مرّ بها البلد المستعمِر.
من سلبيات “اتفاقية إيفيان” (نورد بعضها في هذا المقال) أنها دافعت عن حق مستوطني فرنسا في الجزائر ووفرت لهم امتيازات حماية فيما لم تتطرق للحديث عن وضع الجزائريين في فرنسا، مع أنه من المفروض معالجة مشكلة المهاجرين وتقرير حقوقهم؛ لأن ذلك سيعرضهم لمشاكل خطيرة دون حماية قانونية؛
وحصلت فرنسا على امتيازات عدة في ميدان المعادن والبترول والغاز، مع العلم أن هناك اتفاقيات سرية اخري لم يعلن عنها الى اليوم منها أنبوب الغاز؛
وحصلت فرنسا على امتيازات عدة، إذ قضت الاتفاقية بمنح الجزائر فرنسا حق استخدام الميناء البحري والجوي في المرسى الكبير في وهران لمدة 15 سنة قابلة للتجديد على سبيل الاستئجار، وكذلك استخدام المواقع التي تحتوي على منشآت عين أكر وورقان ومنشآت بشار وحمام وغيرها لمدة 5 سنوات بترخيص جزائري، ناهيك عن تسهيلات مطارات بوفاريك وعنابة، في حين لم تحفظ حق الجزائريين الضحايا جرّاء التجارب النوورية الفرنسية في الصحراء؛
وسمحت لفرنسا بمواصلة التجارب الذرية في قاعدة رقان جنوبي ادرار، وهو أمر سلبي له انعكاسات خطيرة على سكان المنطقة، وعليه فقد دفعت فرنسا تعويضا ماديا للمتضررين في السنوات الأخيرة. صياغة بنود الاتفاقية باللغة الفرنسية دون اللغة العربية، علمًا بأن اللغة مظهر من مظاهر السيادة؛
والعفو الشامل من الجهتين والذي أفرز أشخاصًا داعمين للوجود الفرنسي، وقد استمروا بنشر وتعزيز ثقافة فرنسا، فلم تتخلى هذه الفئة عن أهدافها الاستعمارية، كما سمح العفو الشامل بحماية الناس الذين يعملون مع فرنسا منذ الثورة ثم اندمجوا مع الثوار كمجاهدين مزيفين وقادوا نضالًا وهميًا….
مناسبة هذا المقدمة هو محاولة لفهم سياق زيارة وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، الخاطفة ومن دون إعلان مسبق لا من دائرته الوزارية ومن الجزائر (كما أن الجزائر لا تزال مقاطعة فرنسية ومثل ما وقع ذلك خلال حرائق غابات القبائل حين أرسلت فرنسا طائراتها لإخماد النيران دون استشارة النظام العسكري الجزائري)، مساء الأربعاء 13 أبريل 2022، وهي الزيارة والتي جاءت في ظرف غير عادي، طبعه زيارة رئيس الوزراء الإيطالي، “ماريو دراغي”، وتوقيعه مع الرئيس عبد المجيد تبون، على اتفاق استراتيجي في مجال الطاقة.
كما تأتي زيارة الوزير الفرنسي للجزائر بعد تلقّى رئيس مجلس الأمة الجزائري، “صالح ڨوجيل”، في نفس اليوم، اتصالاً هاتفياً من رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، “جيرار لارشير”، حيث بحث الجانبان “إعادة بعث العلاقات البرلمانية البينية من خلال مباشرة التحضيرات ذات الصلة بتنظيم الطبعة الثانية للمنتدى البرلماني الثنائي الرفيع المستوى، بين مجلس الأمة ومجلس الشيوخ الفرنسي، بالجزائر”.
وحسب بيان مجلس الأمة، تناول الطرفان سُبل تنسيق الجهود والتشاور والتعاون البرلماني بين الجزائر وفرنسا حيال مختلف الملفات ذات الاهتمام المتبادل، ناهيك عن السعي من أجل علاقات دولية تحكمها القيم والعدالة والمساواة.
الاتصال الهاتفي بين رئيس مجلس الأمة الجزائري ورئيس مجلس الشيوخ الفرنسي وزيارة وزير الخارجي الفرنسي التي تلتها تأتي مباشرة بعد نهاية زيارة رئيس الوزراء الإيطالي، “ماريو دراغي”، اليوم الإثنين 11 أبريل 2022، وتوقيع اتفاقية بين شركتي سوناطراك وإيني لتعزيز تزويد إيطاليا بالغاز الطبيعي الجزائري.


وقال دراغي عقب استقباله من طرف الرئيس تبون “العلاقات الجزائرية-الإيطالية عميقة، فالجزائر أول شريك تجاري لإيطاليا في القارة الإفريقية والتبادل التجاري في تطور مستمر .. سبق للرئيس الإيطالي أن زار الجزائر شهر نونبر الماضي ونسعى اليوم لتقوية العلاقات وتعزيزها بين البلدين وقد تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين بلدينا في مجال الطاقة”.
وأعلن دراغي توقيع اتفاقية بين سوناطراك وإيني لزيادة تزويد إيطاليا بالغاز الجزائري، قائلا “بعد الأزمة في أوكرانيا تسعى إيطاليا إلى تعزيز قدراتها في مجال الغاز الطبيعي من أجل تقليل التبعية للغاز الروسي والاتفاق الذي توصلنا إليه اليوم يدخل في هذا الإطار”، وأضاف “الحكومة الإيطالية تسعى لحماية مواطنيها حتى لا تبقى متعلقة بهذه الأزمة”.وأكد نفس المتحدث أن إيطاليا مستعدة للتعاون مع الجزائر في مجال الطاقات المتجددة والمساهمة في دعم سوق الشغل في الجزائر إضافة على مجالات أخرى، حيث سيكون لقاء اليوم متبوع بلقاء القمة بين الحكومتين شهر جويلية المقبل.

لا شك أن فرنسا تضايقت كثيرا من هذه الزيارة وما تمخض عنها من اتفاقيات خاصة منها فيما يتعلق بتزويد إيطاليا بالغاز الطبيعي الجزائري وما تسرب من أن باريس تبحث عن بديل للغاز الروسي في الجزائر، غي الوقت الذي يحاول النظام الجزائري الضغط على كل من فرنسا وإسبانيا بالارتماء كليا في أحضان إيطاليا وذلك خوفا من حذو إيطاليا حذو إسبانيا فيما يخص موقفها الجديد بالاعتراف بالسيادة المغربية على صحرائه، ويحذر في نفس الوقت فرنسا من مواصلة دعمها للمغرب في وحدته الترابية ومحاولة تعكير الأجواء والتشويش على العلاقات المغربة الفرنسية…
لكن فرنسا التي لا تهاب شطحات النظام العسكري الجزائري ومن يدور في فلكه وكم مرة أدّبته ووبخته وعاقبته لأن ليس هناك بلد يعرف الجزائر والجزائريين مثل فرنسا كما تعرف من أين “تأكلهم”، فرنسا تحركت عبر قنواتها الرسمية على أعلى مستوى، مباشرة، بدءا بالاتصال الهاتفي لتذكير شيخ النظام العسكري الجزائري “قوجيل” البالغ من العمر 91 سنة، بقايا الثورة والحرب الاستعمارية ربما الوحيد، الذي قد يتذكر إن بقيت له ذاكرة، لتذكيره ب”اتفاقية إيفيان” التي تحمي مصالح فرنسا وتمنحا الامتيازات في أحقيتها في الحصول، وحدها، على بترول وغاز الجزائر بأسعار تفضيلية ، إن أراد جنرالات ثكنة بن عكنون وأزلامهم من المسؤولين السابقين واللاحقين وجنرالات العشرية السوداء الدموية الحاكمون في الجزائر الفارون من محكمة العدل الدولية، الحفاظ على مصالحهم ومصالح أبنائهم وأسرهم في فرنسا…
قبل أن يغادر الجزائر، شدّد وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، بعد زيارته الخاطفة ومن دون إعلان مسبق لا من دائرته الوزارية ومن الجزائر، على ما وصفها “العلاقات التي لا غنى عنها” للتعاون بين فرنسا والجزائر من أجل استقرار المنطقة، كما لاشكّ أنه أصدر أوامره للحكام الجاثمين على صدر الشعب الجزائري الذين تعرفهم فرنسا جيدا، باحترام بنود “اتفاقية إفيان” كما سطرتها وضخ مزيد من الغاز والبترول في أنابيب ومحطات فرنسا، دون مناقشة، وذلك لحماية النظام العسكري الجزائري العجوز والمترهل، وفي ما سبق من تصريحات للرئيس الفرنسي خير دليل وأصدق برهان..
وقال لودريان عقب زيارته التي تعتبر الثانية من نوعها في ظرف خمسة أشهر، والتي جاءت على بعد إلغاء أكثر من مرة لزيارة رئيس الوزراء الفرنسي، “جون كاستاكس”، في تصريحات عقب محادثات مع نظيره الجزائري رمطان لعمامرة ولقائه بالرئيس عبد المجيد تبون لقائه بالرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، “إن فرنسا تتقاسم مع الجزائر تحديات كبرى في وقت يواجه فيه العالم تبعات الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على أمن أوروبا والاستقرار في العالم، وتسعى فيه الدول الأوروبية لتنويع مواردها من الطاقة.”
وأضاف وزير الخارجية الفرنسي “لقد واصلنا العمل الذي بدأناه بشأن إعادة الإطلاق الجارية لعلاقاتنا الثنائية الضرورية لكل من بلدينا التي نرغب في أن تستمر في إطار الاجتماع القادم للجنة الوزارية العليا المشتركة”.
كما أشار إلى حرب روسيا في أوكرانيا، مؤكدا أن هذا النزاع كانت له “تداعيات كبرى على صعيد تنويع إمدادات الطاقة للدول الأوروبية، وكذلك من ناحية أمن الإمدادات الغذائية، بما في ذلك للجزائر”.، مع التذكير أن الجزائر تورد نحو 11% من الغاز المستهلك في أوروبا، في حين تورد روسيا 47%.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

“طاجين مغربي” يفضح لصوص التراث المغربي بانفجاره في وجه مقدمة برنامج للطبخ الجزائري

فضيحة مُدوّية للجوية الجزائرية: رشوة بـ25 مليونا مقابل تهريب سبائك ذهبية إلى الإمارات