السينما والأدب.. أي علاقة؟

كان عشاق الفن السينمائي صباح يوم السبت 26 فبراير المنصرم مع ندوة تحت عنوان: “السينما والأدب.. أي علاقة”، أطرها باقتدار الأستاذ محمد مهداوي، وذلك في اليوم الثاني من مهرجان السعيدية “سينما بلا حدود”، في نسخته السادسة، الذي نظمته جمعية الأمل للتعايش والتنمية من 25 الى 27 فبراير 2022.

وجاءت مداخلة الأستاذ محمد مهداوي التي تتبعها الحضور باهتمام بالغ كالتالي:

قبل الدخول في صلب الموضوع، يجب علينا التعرف على بعض ميكانيزمات السينما التي بدونها لا تقوم لها قائمة:

1- ركائز العمل السينمائي:

أ- السيناريو:

وهو عملية إعادة صياغة النص المقروء وتحويله من مجرد كلمات وحروف إلى صور متحركة، والسيناريست يضع أمام عينيه الكاميرا وهو يكتب النص السينمائي، ويعمل على مراعاة تسلسل الأحداث وتراتبيتها.

ب- المخرج:

المخرج هو بمثابة ربان السفينة، هو الذي يدير العمل الفني والإداري، ملتزما بتوفير وسائل نجاحه من ديكور وصوت وتصوير وتجسيد السيناريو ومونطاج. والمخرج هو الذي يحول الأعمال الورقية إلى صور تفاعلية، ذات دينامية وحركية، مليئة بالمتعة والإثارة.

الممثلون:

هم أبطال وشخصيات يتقمصون أدوارا تمثيلية متعددة، في السينما أو المسرح أو الإذاعة، سواء تراجيدية أو كوميدية، والممثل الكفء هو الذي يتقمص جميع الأدوار، ويلبس شخصيتها الداخلية والخارجية، سواء كانت شريرة أو خيرة…
كما يمكن للسينما الاعتماد على دعائم أخرى منها: الديكور والإضاءة والتصوير والمونتاج، هي أدوات أساسية تتطلبها الصناعة السينمائية، خاصة في عصرنا الحالي.

2- السينما والأدب.. أية علاقة؟

أعتقد أن العلاقة بين الأدب والسينما علاقة تبادلية، كل واحد يحتاج للآخر، فهما متكاملان متلازمان، لأن مسارهما مشترك، ماداما كلاهما يسعيان لتوفير المتعة والتشويق والإثارة للمريدين، قراء كانوا أو مشاهدين…

إذا كان الأدب يعتمد على الفضاءات اللغوية، فإن السينما تلتجئ إلى استعمال الفضاءات الصوتية وتسخير الصورة كأداة فعالة للتعبير.. لذا نستطيع أن نؤكد أن الأدب والفن
السابع كلاهما يخدم الجانب الجمالي، ويهدف إلى تقديم المتعة للمتلقي، والعمل على تصوير مختلف المشاعر الإنسانية، ولعل ما يوحدهما ويقربهما أكثر هو الجانب الحكائي والسردي.

من بين المبدعين العرب الذين برعوا في الكتابة الروائية وتحولت إبداعاتهم إلى سيناريوهات سينمائية صاحب جائزة نوبل للآداب نجيب محفوظ، الذي لم يكن يتطفل على الميدان، بل كان يعهد لمختصين لإعادة تشكيل العالم، حيث لم يتجرأ على كتابة السيناريوهات إلا خلال تجربة واحدة ووحيدة، وذلك في فيلم “الأخيار” الذي أخرجه يوسف شاهين.

أما عدا ذلك فجميع روايات نجيب محفوظ التي تم تحويلها إلى أفلام تمت من خلال حرفيين في الصناعة السينمائية، ويمكننا الاستدلال بالروايات التالية: الثلاثية: (قصر الشوق – السكرية – بين القصرين) ثم البؤساء – اللص والكلاب – القاهرة 30 – ميرامار – الكرنك – الحب فوق هضبة الهرم – خان الخليلي – السراب – الحرافيش – ثرثرة فوق النيل – الطريق المسدود – الفتوة… ولقد عرفت أشرطته ذيوعا وانتشارا منقطع النظير، وشاركت بعضها في مهرجانات سينمائية عالمية، وحصلت على مجموعة من الجوائز القيمة…

ولعل أكبر عدد من الروايات لروائي عربي تحولت إلى أشرطة تلفزيونية أو سينمائية تنتمي لنجيب محفوظ وعددها 146 عمل فني، وتضمنت قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية…

لكن من عجائب الأمور وغرائبها أن روايات واسعة ورائعة تم تحويلها إلى أفلام فخف بريقها، وذبلت جماليتها، والعكس صحيح، فقد رفعت السينما من القيمة الإبداعية والتسويقية لمؤلفات عادية جدا، وخير مثال رواية “مع الريح” التي جسدت على الشاشة الكبيرة…

ونلاحظ أيضا أن الأوسكار أصبح يمنح جائزتين للسيناريوهات الجادة، بدل جائزة واحدة تكريما لمقام الكتابة السينمائية، جائزة لأفضل سيناريو أصيل، وجائزة لأفضل سيناريو مقتبس. وهذا دليل آخر على مدى تقدير أهل الاختصاص وتثمين الكتابات السردية وخدمتها للفن السابع…

ما يميز السينما العالمية، خاصة المصرية، هو نهلها من معين الروايات الأدبية الكبيرة لروائيين عظام، علاوة على نجيب محفوظ، فقد نهلت السينما الكثير من أشرطتها السينمائية من مبدعين كبار أمثال: طه حسين في روايته (الأيام – دعاء الكروان – الحب الضائع)، ومحمد حسين هيكل من خلال روايته “زينب” التي حولت إلى فيلم صامت 1930، وتم إعادة تجسيدها إلى فيلم ناطق 1952، ويعتبرها النقاد أول تجربة روائية سينمائية في الوطن العربي…

كما أغنى إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي وعلاء الأسواني المكتبة السينمائية المصرية بروايات تم تجسيدها على الشاشة الكبيرة…

خلاصة القول، فمن خلال هذه النجاحات المتكررة التي منحتها الرواية للسينما، لا يسعنا إلا أن نثمن مثل هذه الأعمال والمبادرات الفكرية، فهي ترقى بالصناعة السينمائية، وتجعلها في مستوى احترافي مرموق، أكاد أجزم أنه كلما تداخلت المهام وتجمعت في يد واحدة إلا واضمحلت المتعة ونقصت الحرفية والجودة…

يقول المجري السيناريست بيلا بالاش عن كيفية كتابة السيناريوهات، وهو صاحب كتاب “نظرية الفيلم”: “السيناريو هو شكل أدبي مستقل، ومن نوع خاص، مثلما هو الحال بالنسبة للمسرحية المكتوبة”، من هنا نستنتج من خلال قولة باشلار أن الاستقلالية لكل عمل على حدة يمكن أن يضمن لنا الجودة والإتقان …

أما في معظم بلداننا العربية، فلا زالت الأمور لم تصل إلى المستوى الذي نرغب فيه لتداخل المهام وتعقدها، حيث يستحوذ الكثير من المخرجين على عمليات الإدارة والتأليف والسيناريو والتمثيل أحيانا، وهذا يضر بالسينما كفن يحتاج للتكامل بين مجموعة من المتدخلين، وليس هذا فحسب، بل الأدهى والأمر أن التمثيل قد يقوم به أبطال، لا تكوين ولا ثقافة أكاديمية لهم…

أخيرا تم الاستماع لمنطق العقل في بعض الأعمال السينمائية، من خلال اقتباس بعض الإبداعات الأدبية وتحويلها إلى أفلام سينمائية، نذكر على سبيل المثال “شمس الربيع” التي حولها لطيف لحلو إلى فيلم سينمائي، والمؤلف من إبداع الروائي المغربي عبد الكريم غلاب، وفيلم “الزفت” للمسرحي الطيب الصديقي، والمستنبط من مسرحية “سيدي ياسين في الطريق”، وفيلم “درب حلاق الفقراء” لمحمد الركاب، المقتبس عن مسرحية تحمل نفس العنوان، للكاتب يوسف فاضل، وفيلم “جارات أبي موسى” لمحمد عبد الرحمان التازي، وهي مأخوذة من رواية لأحمد التوفيق، وفيلم مولاي علي الشريف لحسن بنجلون المستنبط من رواية للكاتب جواد مديديش، ورواية “الصلاة على الغائب” للطاهر بنجلون، هي أيضا تحولت إلى فيلم من طرف حميد بناني، وغيرها من الروايات المختلفة، التي كان لها الحظ في لبس أحلى صورة وأجمل ديكور وأ روح إضاءة…

أما على المستوى العالمي، فمن منا لا يتذكر فيلم «ذهب مع الريح» المقتبس عن رواية الكاتبة الأمريكية مارغريت متشيل، ومن إنتاج دايفيد سيلزينغ وإخراج فيكتور فليمنغ. وفيلم «العجوز والبحر» المقتبس عن الرواية الشهيرة للإيرنيست هيمنغواي، وفيلم «مدام بوفاري» المقتبس عن رواية بنفس الاسم لغوستون فلوبير.

خاتمة:

من خلال اطلاعي المتواضع على العلاقة الروحية بين الأدب والسينما، تبين لي أن الأخيرة استنبطت الكثير من الأشياء من الرواية، حيث استفادت من العمل السردي واغتنت بتقنية لفلاش باك، واستعملت تقنية تداخل الزمان والمكان، وعملية تكسير الأحداث، حيث لم تعد الأحداث تسير بطريقة دياكرونية، وإنما تحولت في بعض الأحيان إلى تسلسل سانكروني متداخل… كما امتاحت السينما بالمخيال الأدبي، والصورة الرومانسية وغير ذلك من تقنيات الكتابة، خاصة وأن الأدب كان سباقا لطرق مواضيع اجتماعية وفلسفية وسياسية ورومانسية… وبالتالي نستطيع أن نقول بأن سينما جديدة رأت النور وهي “سينما المؤلف”، ولو بشكل محدود لطغيان وهيمنة العقلية الشاملة التي تنتج كل شيء بصفة فردانية، وذلك لانغلاق بعض المخرجين والمنتجين على الأعمال الأدبية الوطنية، وانفتاحهم على الأعمال الغربية، نتيجة ثقافتهم المزدوجة، وتأثرهم بكل ماله علاقة بالآخر، وكأن الجمال لا ياتي إلا من الغرب.

كفانا استهتارا بثقافتنا، إنها تنتظر انطلاقة جديدة من طرف أناس يقدرون العمل الفني، ويحترمون تراث الأجداد، وأعتقد أن المواضيع السينمائية التي لا تغرف من باطن الأرض مضامينها، ولا تهتم بمبدعيها، سينما فاشلة ومستلبة، تحتاج إلى ركائز تاريخية وتراثية تعيد لها توازنها واستقامتها…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يا ابن اختي

بعد غضب الدُّبِّ الروسي: الجزائر مرعوبة تتراجع عن اقتراحها تعويض الغاز الروسي لأوروبا