تتجه قضية مشروع «الفارابي» السكني بالسعيدية نحو محطة قضائية جديدة، مع اقتراب جلسة 04 نونبر 2026، في ملف يستأثر باهتمام المساهمين المتضررين، ولا سيما مغاربة العالم، الذين وثقوا في المشروع باعتباره مبادرة اجتماعية واعدة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام ورش متوقف ونزاع عقاري مفتوح.
ويشمل الملف متابعات قضائية تطال رئيسة جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي الصحة بوجدة وأمين مالها والمقاول المكلف بالإنجاز، بشأن وقائع تتصل، وفق المعطيات المتاحة، بالأموال والوثائق والثقة العامة، وتتداخل فيها أبعاد مالية وتعاقدية وعقارية وتنظيمية.
وتعود جذور مشروع «الفارابي» السكني بالسعيدية إلى سنة 2004، حين روّجت جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي الصحة بوجدة لمبادرة سكنية تقوم على تمكين المستفيدين من بقع أرضية، قبل فتحها أمام العموم، لتستقطب أكثر من 200 مساهم، غالبيتهم من مغاربة العالم، بمساهمات تراوحت بين 25 و45 مليون سنتيم للفرد، ناهز مجموعها ستة مليارات سنتيم، وفق المعطيات المتاحة.
وبعد اقتناء عقار مساحته 3,5 هكتارات سنة 2005، لم تنطلق الأشغال إلا سنة 2015، بالتزامن مع تحويل المشروع من توزيع بقع أرضية إلى بناء 209 شقق، دون توضيحات كافية بشأن مبررات هذا التغيير، ومآل المساحات المتبقية التي تتجاوز 8.000 متر مربع.
غير أن الأشغال توقفت سنة 2018، دون أن تتجاوز نسبة الإنجاز، وفق الخبرة العقارية المتاحة، 30%، تاركة المنشآت عرضة للإهمال والتلف، والأموال المستثمرة مهددة بالضياع، كما تجاوزت الضرائب على الأراضي غير المبنية والغرامات المتراكمة مليوني درهم، ليجد المساهمون أنفسهم أمام مشروع متوقف وأعباء مالية متزايدة، في ظل غياب أفق واضح لإنهائه وصون حقوقهم.
وبتاريخ 26 أبريل 2021، صدر الأمر القضائي رقم 607 بإجراء خبرة حسابية للفترة الممتدة من 2004 إلى 2021، كشفت، وفق التقرير، عن اختلالات وفروقات مالية تستدعي تدقيق أوجه صرف الأموال، وتحديد المسؤوليات المحتملة.
وتشمل أبرز الاختلالات المثارة خصاصًا مهولًا في الرصيد، وعدم التناسب بين المداخيل والنفقات والأشغال المنجزة فعليًا، وفروقات مالية ومصاريف غير مبررة بما يكفي، وأداءات مبكرة قبل انطلاق المشروع بعشر سنوات، بل وقبل شراء الأرض، وعقودًا بملايين الدراهم تتعلق بأشغال يُثار التساؤل بشأن إنجازها الفعلي، فضلًا عن إعلانات إلكترونية للبيع، وتحويل مبالغ، وفق المعطيات المتاحة، إلى حسابات شركات خاصة بدلًا من الحساب البنكي المخصص للمشروع.
ولا يقتصر النزاع على الحسابات المالية، بل يمتد إلى مدى احترام عقد الأشغال وشروط الأداء وآجال الإنجاز وجودة التنفيذ والمراقبة التقنية، كما تثير الوثائق شبهات بشأن ترتيبات بين المكتب المسير والمقاول، يُشتبه في توظيف عقود تسوية واتفاقات وتوكيلات وتفويضات لإضفاء غطاء قانوني على تصرفات مالية وعقارية، مكّنت المقاول من أصول عقارية وصلاحيات البيع والتحصيل والحصول على التراخيص، دون إنجاز فعلي يتناسب مع قيمة ما حصل عليه.
ورغم توصل المقاول نقدًا بمبلغ إجمالي قدره 41.019.352,04 درهم مقابل أشغال التجهيز والبناء، جرى إظهاره في وضعية الدائن عبر تحميل المنخرطين مديونية قدرها 15.520.986,93 درهم، حُوّلت إلى تعويض عيني تمثّل في تفويت أكثر من نصف الوعاء العقاري لفائدته. وبذلك، بلغ مجموع المبالغ والمنافع المحتسبة لفائدته 56.540.338,97 درهم، مقابل مشروع لم يُستكمل بما يتناسب مع قيمة هذه المستحقات.
وهكذا، انتقل المقاول من وضعية منفّذ لأشغال متعثرة إلى مالك فعلي لما يفوق نصف الوعاء العقاري، في تطور يثير تساؤلات جدية بشأن طبيعة العلاقة التي ربطته بالجمعية.
كما يثير هذا المسار تساؤلات جدية حول أصل الدين وأساس احتسابه وثبوت استحقاقه، ومشروعية تحويله إلى أصول عقارية موّلتها مساهمات المنخرطين، فضلًا عن مسؤولية المكتب المسير في تمكين المقاول من هذه المكاسب المالية والعقارية، مقابل أشغال لم تُستكمل وفق الأهداف المعلنة،
ثم أُبرم فسخ عقد الأشغال الذي كان يربطه بالجمعية في اليوم نفسه الذي أُبرمت فيه ترتيبات الإقرار بالمديونية والتسوية العينية، في خطوة تثير تساؤلات بشأن احتمال إعفاء المقاول من التزاماته المالية والتقنية، وإيجاد مخرج له دون محاسبة
إن مستوى الإنجاز المفترض تعاقديًا مقارنة بالإنجاز الفعلي، طبقًا لمقتضيات دفتر التحملات، التي تربط الأداء بالمتر المربع المغطى إلى غاية تسليم المفتاح، فإن أداء ما يعادل نحو 60% من القيمة الإجمالية للصفقة، المحددة في 67.866.271,60 درهم، كان يُفترض أن يقابله مستوى إنجاز يتناسب مع هذه النسبة، أي عمليا ما يقارب 126 شقة جاهزة للسكن من أصل 209 شقق، إلى جانب إنجاز نسبة مماثلة من المرافق والتجهيزات المشتركة والمساحات الخضراء والمسابح، غير أن الوضعية الميدانية، بحسب المعطيات المعروضة، تكشف عن اختلال كبير بين المبالغ المؤداة والأشغال المنجزة فعليًا، التي لم تتجاوز نسبة إنجازها التقديرية 30%، موزعة على النحو التالي:
30 شقة منجزة جزئيًا، دون استكمال التجهيزات الأساسية أو بلوغ مرحلة تسليم المفتاح.
72 شقة لا تزال في مراحل أولية من البناء.
107 شقق لم يُشرع في بنائها.
عدم الشروع في إنجاز غالبية التجهيزات الخارجية والمرافق المشتركة.
إن تمكين المقاول من مستحقات مالية وعينية تعادل نحو 60% من قيمة الصفقة، مقابل إنجاز فعلي لا يتجاوز 30%، دون تسليم أي شقة جاهزة أو الإدلاء بتأشيرات المهندس المعماري المنصوص عليها تعاقديًا، يشكّل اختلالًا جوهريًا في التوازن بين الأداء المالي والإنجاز الفعلي، وشبهة إخلال بمقتضيات دفتر التحملات، الذي يربط الأداء بإنجاز الأشغال وفق نظام تسليم المفتاح.
وتكشف الوقائع المتسلسلة، الممتدة من جمع المساهمات سنة 2004، مرورًا بإطلاق المشروع سنة 2015، وصولًا إلى توقف الأشغال سنة 2018، عن مؤشرات خطيرة على اختلالات مترابطة في تدبير جمعية للأعمال الاجتماعية ذات النفع العام والطابع التشاركي والاجتماعي. وتتجلى أبرز هذه الاختلالات في إقصاء الممولين الفعليين للمشروع، من خلال عدم عقد الجموع العامة طيلة نحو 20 سنة، بما حرمهم من الاطلاع على التقارير المالية ومراقبة أوجه تدبير مساهماتهم، فضلًا عن عجز مالي جسيم، واختلالات مالية وتعاقدية، وتضخيم الكلفة، وتحريف مسار التعاقد، وإحداث قنوات موازية للبيع، وصولًا إلى إقرار مديونيات وإعداد وثائق وإشهادات وتسويات عينية يُشتبه في توظيفها لإضفاء غطاء قانوني على تصرفات أفضت إلى تفويت أكثر من نصف الوعاء العقاري للمشروع للغير.
وتثير هذه الوقائع، في مجموعها، شبهات جدية بشأن استغلال سلطات التسيير والتصرف في أموال المنخرطين وأصول المشروع العقارية، من خلال ترتيبات متداخلة يُشتبه في أنها مكّنت أطرافًا من الاستفادة من أموال المشروع وعقاراته على حساب الغاية الاجتماعية التي أُحدث من أجلها.
وفي خطوة حاسمة نحو الانهيار، فقدت الجمعية مبرّر وجودها الاجتماعي عقب إحداث مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لموظفي الصحة، وفق المادة الخامسة من نظامها الأساسي، لتتفاقم أزمتها بإفراغها من مقرها الإداري سنة 2021، واستقالة غالبية أعضاء مكتبها، وتوقف نشاطها الاجتماعي، مما أفرز فراغًا تنظيميًا وقانونيًا أتاح، بحسب المعطيات ، استغلال صفتها الشكلية لمواصلة التحكم في المشروع وإقصاء مموليه الفعليين، وتحويله من غاية اجتماعية إلى مشروع عقاري تجاري تحكمه اعتبارات بعيدة عن الشفافية والمساءلة؛ وقد تزامن ذلك مع توقف تدفقات المساهمات نتيجة تآكل الثقة بفعل الزيادات المتتالية والوعود غير المحققة، في ظل غياب الجموع العامة والتقارير المالية المفصلة لأكثر من عشرين سنة، بما حرم المساهمين من مراقبة أموالهم والمشاركة في اتخاذ القرار، فيما تثير المساعي الرامية إلى التسليم المؤقت للعقار، واستكمال إجراءات التجزيء وتنفيذ الديون عبر التفويت قبل حسم النزاع القضائي، مخاوف جدية بشأن مصير أصول المشروع وحقوق المساهمين، وهو ما يجعل تدخل الجهات المختصة ضرورة لتحديد المسؤوليات، وحماية ما تبقى من الأصول، ووضع حد للغموض الذي يكتنف المشروع والجمعية على حد سواء .

