شكّل الإعلان عن شراكة ثلاثية الأطراف، تجمع بين جمعية «سيني مغرب» وجامعة محمد الأول بوجدة والمعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما بالرباط، أحد أبرز محطات حفل افتتاح الدورة الخامسة عشرة للمهرجان المغاربي الدولي للفيلم بوجدة، في مبادرة تراهن على تعزيز البعد الأكاديمي في التكوين السينمائي، وربط المعرفة النظرية بالممارسة الفنية والتقنية.
وتكتسي هذه الشراكة أهمية خاصة، لكونها تجمع بين الفضاء الجامعي والمؤسسات المتخصصة في التكوين السينمائي والفاعل الجمعوي المنظم للمهرجان، بما يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية المعرفة الأكاديمية والتكوين المستمر في تطوير الممارسة السينمائية، وعدم حصر الاهتمام بالفن السابع في العروض والتظاهرات الموسمية.
كما تفتح هذه المبادرة آفاقًا واعدة أمام الطلبة والباحثين والأساتذة، من أجل بناء فضاء للتفاعل العلمي والنقاش الفكري والفلسفي حول السينما، واستكشاف أبعادها الجمالية والثقافية والاجتماعية، فضلًا عن تحليل التحولات التي يشهدها المشهد السينمائي المغربي. ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في إغناء برامج المهرجان وفقراته، وإسنادها بخلفية معرفية تجعل من السينما مجالًا للفكر والتأمل والإبداع، قبل أن تكون فنًا وتقنيات.
وتبرز أهمية هذه الشراكة أيضًا في انفتاحها على طلبة مختلف الشعب والمسالك الجامعية، ولاسيما طلبة الإعلام والتواصل الاستراتيجي والصناعات الثقافية والسينما، بالنظر إلى ارتباط تخصصاتهم بحقل الصورة بمختلف تجلياتها، وبالصورة السينمائية على وجه الخصوص، باعتبارها أداة للتعبير والتأثير وإنتاج المعنى.
وإذا كانت مدينتا ورزازات والدار البيضاء قد راكمتا، على مدى عقود، تجربة مهمة في مجال الإنتاج السينمائي، بفضل ما تتوفران عليه من استوديوهات وشركات إنتاج وبنيات لوجستيكية وأطقم تقنية وفنية، فإن وجدة تراهن، من خلال هذه الدينامية الأكاديمية والتكوينية، على الإسهام في بناء رصيد معرفي وفكري يواكب تطور السينما المغربية، ويثري النقاش حول قضاياها ورهاناتها وآفاقها.
فلا يمكن لصناعة سينمائية أن تحقق تطورًا مستدامًا دون خلفية نظرية ومعرفية قادرة على قراءة المضامين السينمائية وتفكيكها وتحليلها ونقدها، خاصة أن الخطاب السينمائي يقوم أساسًا على الصورة، بما تحمله من دلالات ورموز وأبعاد جمالية وثقافية. ومن ثم، فإن الاستثمار في البحث العلمي والتكوين الأكاديمي يشكل رافدًا أساسيًا لتطوير الوعي السينمائي، وتأهيل أجيال قادرة على فهم هذا الفن وممارسته والإسهام في تجديد لغته وأساليبه.
وفي هذا السياق، تبدو الشراكة الثلاثية خطوة نحو تحقيق التكامل بين الفكر والفن والممارسة والتقنيات، مستفيدة من الحضور التنظيمي والفني والتواصلي الذي راكمه المهرجان المغاربي الدولي للفيلم بوجدة، ومن الإمكانات الأكاديمية التي تتيحها الجامعة، إلى جانب الخبرة التكوينية المتخصصة التي يوفرها المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما.
وبقدر ما تزخر وجدة وجهة الشرق عمومًا بمؤهلات طبيعية ومجالات عمرانية وفضاءات يمكن أن تشكل مواقع واعدة للتصوير السينمائي، فإن محدودية البنيات الإنتاجية المتخصصة تظل من التحديات التي تواجه تطور الصناعة السينمائية بالمنطقة. غير أن الرهان على التكوين والبحث العلمي والانفتاح على التجارب الفنية يتيح للمدينة فرصة لتعزيز موقعها في المشهد السينمائي الوطني، من خلال الإسهام في إنتاج المعرفة السينمائية وتطوير النقد والتحليل، بما يمهد لربط هذا الرصيد الفكري مستقبلًا بمبادرات إنتاجية أكثر استدامة.
وهكذا، لا تقتصر أهمية هذه الشراكة على بعدها المؤسساتي، بل تتجاوز ذلك نحو تأسيس دينامية ثقافية وأكاديمية تجعل من وجدة فضاءً لإنتاج الفكر السينمائي، ومواكبة الإبداع الفني بالبحث والمعرفة، في أفق بناء منظومة متكاملة تجمع بين التكوين والنقد والإنتاج.

