التوقيت الميسر في الجامعة العمومية: من منطق الرسوم إلى منطق الاستثمار في الجودة

ادريس دريوشي

عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الاول بوجدة

أثار اعتماد التوقيت الميسر في الجامعة العمومية نقاشاً واسعاً، خاصة فيما يتعلق بمسألة الرسوم التي يؤديها المستفيدون من هذا النمط من التكوين. وقد انصرف جزء مهم من النقاش إلى اعتبار هذه الرسوم مساساً بمبدأ مجانية التعليم العالي، في حين أن الموضوع يحتاج إلى مقاربة أكثر هدوءاً وموضوعية، تميز بين التكوين الأساسي في التوقيت العادي وبين أنماط التكوين الموجهة إلى فئات لها حاجيات ومسارات مهنية مختلفة.

فالتوقيت الميسر يستهدف، بالأساس، الموظفين والأجراء والمهنيين الذين يرغبون في استكمال تكوينهم أو تطوير مهاراتهم أو الحصول على شهادات جامعية، وفي هذا الباب كيف لرجل تعليم أراد متابعة دراسته في سلك الماستر ان يكون له حضورا إجباريا في عمله ومتابعة دروسه وكذلك بالنسبة للموظفين إلا ان يكون له تواطؤ مع مسؤوله المباشر اوًيغادر محل عمله دون علم أي احد وهذا لا يستقيم بالنسبة للواجب المهني الذي هو مطالب به . وبالنسبة لذوي المهن الخاصة فقد كان هذا مطلبهم لأنه يناسبهم وقد حل لهم اشكالية كانو يعانون منها لعدة سنوات.

. ومن ثم، فهو يشكل إحدى الآليات التي تمكن الجامعة من الانفتاح على محيطها الاقتصادي والاجتماعي، والاستجابة لمتطلبات التعلم مدى الحياة، ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل.

ومن الخطأ اختزال هذا النموذج في مسألة الرسوم فقط. فالتكوين خارج التوقيت العادي يترتب عنه تنظيم خاص وتكاليف إضافية تتحملها المؤسسة الجامعية، سواء تعلق الأمر بتعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، أو فتح المدرجات والمختبرات، أو توفير الوسائل الرقمية واللوجستيكية، أو تنظيم الامتحانات والتأطير والمواكبة العلمية والبيداغوجية.

كما أن الاعتراف بالجهد الإضافي الذي يبذله الأستاذ في هذا الإطار ينبغي أن يكون جزءاً من منظومة الحكامة. فالأستاذ الذي يخصص ساعات إضافية للتدريس أو التأطير أو الإشراف على مشاريع الطلبة والباحثين في الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه، يقدم خدمة علمية وبيداغوجية إضافية تستحق التعويض وفق القوانين والمساطر الجاري بها العمل. ولا يمكن بناء جامعة ذات جودة عالية دون تثمين مواردها البشرية والاعتراف بمجهوداتها.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في تحصيل الموارد، بل في كيفية تدبيرها وتوجيهها. فإذا كانت الرسوم ستفرض، فمن الضروري أن تكون لها آثار واضحة وملموسة على جودة التكوين والبحث العلمي. وينبغي أن تتحول هذه الموارد إلى استثمار فعلي في الجامعة، من خلال تجهيز المختبرات، وتحديث البنيات التحتية، واقتناء البرمجيات وقواعد البيانات والمراجع العلمية، ودعم الابتكار والبحث، وتحسين الخدمات المقدمة للطلبة والباحثين.

كما يمكن تخصيص جزء من هذه الموارد لدعم الطلبة المتفوقين أو المنحدرين من أسر محدودة الدخل، بما يساهم في تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص. وبذلك، لا يصبح التوقيت الميسر مجرد مصدر إضافي للتمويل، وإنما آلية يمكن أن تساهم في بناء جامعة أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المجتمع وأكثر ارتباطاً بمحيطها.

ومن جهة أخرى، ينبغي التأكيد بوضوح على أن أداء الرسوم لا يعني شراء الشهادة الجامعية. فالشهادة الوطنية تظل مرتبطة بالاستحقاق الأكاديمي، والنجاح في التقييمات والامتحانات، واستيفاء الشروط القانونية والبيداغوجية المعمول بها. فالرسوم ترتبط بكلفة التكوين والخدمات والموارد الإضافية، بينما تظل قيمة الشهادة مرتبطة بالكفاءة والاستحقاق وجودة التكوين.

إن نجاح التوقيت الميسر يتوقف، في نهاية المطاف، على وجود منظومة واضحة للحكامة والشفافية. فمن حق المستفيدين، ومن حق الأساتذة، ومن حق المجتمع كذلك، معرفة حجم الموارد المتحصلة، وكيفية صرفها، ونسبة ما يوجه منها إلى البحث العلمي والتجهيز، وما يخصص لدعم الطلبة، وكيف يتم تعويض الأطر التي تساهم في إنجاح هذا النوع من التكوين.

وهنا تنتقل المسألة من مجرد نقاش حول «الرسوم» إلى نقاش أعمق حول الحكامة الجامعية والعدالة في توزيع الموارد وجودة الخدمات. فالجامعة التي تحصل على موارد إضافية مطالبة بأن تحولها إلى قيمة مضافة ملموسة، وأن تجعل أثرها واضحاً في المختبرات، والمدرجات، والمكتبات، والمنصات الرقمية، والبحث العلمي، وفي ظروف عمل الأساتذة والأطر، وفي الخدمات المقدمة للطلبة.

إن التوقيت الميسر، إذا تمت حكامته بشكل جيد، يمكن أن يشكل معادلة رابحة لجميع الأطراف: يستفيد الموظف والمهني من فرصة العودة إلى الجامعة واستكمال تكوينه، وتستفيد الجامعة من موارد إضافية تمكنها من تطوير بنياتها وتجهيزاتها، ويستفيد الأستاذ من تثمين جهده الإضافي، كما يستفيد البحث العلمي والطلبة من جزء من هذه الموارد.

لذلك، فإن النقاش المسؤول حول التوقيت الميسر لا ينبغي أن يبقى أسير ثنائية «مع الرسوم أو ضدها»، وإنما ينبغي أن ينتقل إلى أسئلة أكثر أهمية: ما هي أهداف هذا التكوين؟ من يستفيد منه؟ ما حجم الموارد التي يتم تحصيلها؟ كيف يتم تدبيرها؟ وما أثرها على جودة الجامعة والبحث العلمي؟

فالرسوم، في حد ذاتها، ليست معياراً للحكم على النموذج. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الموارد ستعود بالنفع على الجامعة والمجتمع، وما إذا كانت ستوظف في تحسين الجودة وتطوير البحث العلمي وتثمين الموارد البشرية ودعم الطلبة.

وفي النهاية، يمكن القول إن التوقيت الميسر لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره عبئاً مالياً أو مجرد وسيلة لتحصيل الموارد، بل باعتباره أداة لتطوير الجامعة وتنويع مواردها وتعزيز انفتاحها على المجتمع. والرهان الحقيقي ليس في تحصيل الرسوم، وإنما في ضمان أن تتحول كل موارد إضافية إلى استثمار واضح وشفاف في مستقبل الجامعة العمومية.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس: «لماذا يؤدي المستفيد الرسوم؟»، وإنما: «ماذا تفعل الجامعة بهذه الموارد، وكيف تحولها إلى جودة ومعرفة وبحث وابتكار؟»

فحين تكون الحكامة حاضرة، والشفافية مضمونة، والاستثمار موجهاً نحو الجودة، يمكن أن تتحول الرسوم من موضوع للجدل إلى رافعة لتطوير الجامعة العمومية وتعزيز قدرتها على أداء رسالتها

العلمية والمجتمع

السيد الوزير قام بحل اشكالية تخبطت فيها الجامعة المغربية لعدة سنوات ولم تكن الشجاعة لأي وزير سابق في القطاع ان يقوم بها فلا يجب الاقتصار على النظر اليها من الجانب المادي فقط وإنما خلت مشكل اخلاقي مهني يرتكز على مصلحة الوطن في اداء الواجب المنوط اليه كل من موقعه ومنصبه وصفته.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحداث معبري سبتة ومليلية .. وزارة الداخلية توضح

رسوم التسجيل للموظفين في التوقيت الميسر…رؤية إصلاحية يقودها الوزير الميداوي وتجارب دولية تدعمها