قررت جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي الصحة بوجدة، في سياق موجة تأسيس الوداديات السكنية التي اجتاحت البلاد، خوض مجال الاستثمار العقاري بعدما كانت تستغل موارد مرتبطة بوزارة الصحة، غير أن مسارها سرعان ما انحرف عن أهدافه الاجتماعية، حيث كشفت التطورات اللاحقة عن تصاعد نزعة الربح على حساب رسالتها الأصلية، لتتورط في ممارسات مالية مثيرة للجدل اعتُبرت تحايلاً على ثقة المنخرطين، واستغلالًا غير مشروع لأموالهم الجماعية.
ومع مرور السنوات، تحوّل مشروع “الفارابي” بمدينة السعيدية، الذي رُوِّج له منذ 2004 كحلم سكني واعد، إلى بؤرة للمتاجرة والاستغلال والابتزاز المستمر، فقد وجد مئات المساهمين، خصوصًا من الجالية المغربية بالخارج، أنفسهم عالقين في ملف عقاري معقد ونزاع قضائي شائك، في ظل غياب واضح للشفافية والتسيير التشاركي. وهكذا تحولت الجمعية، التي كان يفترض أن تجسد قيم التضامن والعمل الاجتماعي، إلى واجهة مستترة لما وصف من قيب المتضررين ب “الفساد والعبث المالي الممنهج”.
لقد انطلقت فكرة مشروع “الفارابي” على أساس تمكين المنخرطين من الحصول على بقع أرضية للبناء، حيث تم سنة 2005 اقتناء الوعاء العقاري الذي يفوق 3,5 هكتارات، وتم تسديد تكلفته بالكامل من طرف الممولين، عبر تحويلات مالية مباشرة إلى حساب الجمعية، غير أن الجمعية قررت في سنة 2014 بشكل أحادي تحويل المشروع إلى إقامة سكنية تضم 210 شقة، مع عزل أكثر من نصف الوعاء العقاري المكوّن من بقع استراتيجية، حيث تم التخطيط لتفويت هذه البقع، التي تُقدّر قيمتها بأكثر من 2 مليار، لصالح أطراف خارجية، فيما شرعت الجمعية في المتاجرة بالشقق بأسعار تراوحت بين 25 و45 مليون سنتيم حسب الطلب، ليصل مجموع الأموال إلى نحو 6 مليارات سنتيم من أكثر من 200 مساهم، محققة بذلك مكاسب مزدوجة من تفويت الأراضي والمتاجرة بالشقق.
وكانت الجمعية تعمل في البداية كوسيط لجمع المساهمات، دون أن تكون المالكة القانونية للمشروع، كما تم عرض المشروع للعموم، دون اشتراط الانخراط في الجمعية، أو اطلاعهم على نظامها الأساسي، ما حوّلها تدريجيًا إلى كيان يمارس أنشطة شركة بناء وتسويق عقاري، إذ بعد أن نصّبت نفسها مالكًا فعليًا للعقار، شرعت في تدبيره وفق منطق تجاري بحت، بزعم أن الممولين الأصليين لا تربطهم بها أية علاقة تنظيمية أو مهنية، في محاولة متعمدة لإقصائهم وتفادي عقد الجموع العامة، إذ لم يُعقد أي جمع عام، ولم يُقدّم لهم أي تقرير مالي منذ أكثر من 22 سنة، رافضة الاعتراف بمساهماتهم الفعلية، رغم أن رأسمال المشروع جُمِع بالكامل من مساهماتهم منذ عام 2004، وبدأت الجمعية في معاملتهم كزبائن، حيث تُحدد أسعار الشقق لكل مموّل على حدة وفق تقديرها الخاص ومزاجها المتقلب، دون أي معايير أو قواعد معمول بها في إدارة الموارد المشتركة، رغم أن الثمن الأصلي المتفق عليه كان 25 مليون سنتيم للشقة.
وأفضى الإقصاء الممنهج للمساهمين، وإغلاق قنوات الحوار إلى تأسيس جمعية للمتضررين، انضم إليها غالبية المساهمين، والتي شرعت في تفعيل الإجراءات القانونية لحماية حقوقهم، وضمان استكمال المشروع السكني المتعثر منذ أكثر من 22 سنة، وشملت هذه الإجراءات مفاوضات أولية لم تُثمر، وإعداد تقرير خبرة قضائية كشف خروقات مالية جسيمة، تلاه تقديم شكاية رسمية إلى وكيل الملك، ما أسفر عن فتح تحقيق قضائي، ومتابعة الأطراف المعنية وفق القانون.
وحاليًا، تُجرى متابعات ضد رئيسة الجمعية وأمين مالها، إلى جانب المقاول المكلف بالمشروع، بتهم تتعلق بالنصب وخيانة الأمانة وعدم تنفيذ الالتزامات التعاقدية، فضلاً عن التصرّف في أموال مشتركة وغير قابلة للتفويت، أما في الملف الثاني، فيواجه نفس الأطراف اتهامات بالتزوير في محررات تجارية وعرفية عبر اصطناع اتفاقات والتزامات واستعمالها، إضافة إلى التصرّف في أموال غير قابلة للتفويت قبل إجراء قسمتها.
وفي خطوة حاسمة نحو الانهيار، فقدت الجمعية مبرر وجودها الأصلي، بعد استقالة جماعية لأعضاء مكتبها، تعبيرًا عن تنصّلهم من أي مسؤولية لما آلت إليه الأمور، كما تم إحداث مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لموظفي الصحة كمؤسسة رسمية بديلة، وفق المادة الخامسة من نظامها الأساسي، وجرى طرد الجمعية من مقرها الإداري بموجب قرار مديرية الصحة، لتتوقف تمامًا عن أي نشاط اجتماعي، ما أدى إلى خلق حالة تنظيمية وقانونية ملتبسة، إذ أصبحت الجمعية كيانًا اسميًا يُستغل من طرف أشخاص، بعضهم متابع قضائيًا، بهدف الاستمرار في التحكم بالمشروع، مع إقصاء الممولين الفعليين، ويقدّمون أنفسهم كمالكين حصريين للعقار، استنادًا إلى صفة جمعوية فقدت كل مقوماتها القانونية والتمثيلية.
لهذا، عبّر الممولون المباشرون للمشروع، الذين ساهموا بما يقارب 6 مليارات سنتيم، عن قلقهم البالغ حيال الفراغ التنظيمي، مع غياب معلومات رسمية حول مقر وهوية الجهة المسؤولة التي تتخذ القرارات المتعلقة بالمشروع.
وبحسب المعطيات، أصبح يُتداول اسم أحد الوجوه المنتخبة بمجلس المدينة يُشاع أنه نائب للرئيسة المتابعة قضائيًا، فضلا عن كونه منخرط شخصيًا في المشروع، ويدّعي امتلاكه علاقات ونفوذًا قويًا للحصول على مختلف الشواهد العقارية، وقد أصبح هذا النائب المتحدث الرئيسي باسم الرئيسة وأمين المال في ظل انشغالهما بالقضايا المرفوعة ضدهما، ليتولى عمليًا استكمال الآلية المعدة سلفًا
وقد نظم جموعًا عامة إقصائية حضرها أقل من 30 شخصًا من أصل 210، مع إطلاق وعود بتسليم الشقق خلال هذا الصيف وإقصاء باقي الممولين. وفي الوقت نفسه، تواصل مع فئة محدودة محددًا ثمن الشقق بخمسة وأربعين مليون سنتيم، مركزًا جهوده على الزيادات العشوائية، وتأدية الجبايات وغراماتها، والتعجيل بالتسليم المؤقت، ثم التقسيم بهدف تنفيذ وعود التفويت وتصفية نصف الوعاء العقاري الذي تبلغ قيمته 2 مليار سنتيم ، وهو الأمر المحوري في القضية، متجاهلًا مطلب الممولين الفعليين.
ويؤكد المساهمون، أن إنقاذ المشروع يتطلب عقد جمع عام شامل دون إقصاء، لتشكيل لجنة تمثيلية للإشراف على استكمال الأشغال ومراقبة التنفيذ، وإجراء تقييم تقني ومالي شامل يعرض الوضعية بشفافية، مع ضبط أثمنة الشقق، وتحديد أي مبالغ إضافية، وفق أسس واضحة وبيان مبرراتها، واعتماد نظام تدبير وقنوات تواصل رسمية لضمان الشفافية والمتابعة المنتظمة، غير أن المؤشرات الحالية توحي باستمرار النهج نفسه والوجوه ذاتها، ما يهدد بإعادة إنتاج الاختلالات السابقة، ويجعل أي حل جدي مرتبطًا بقطع العلاقة مع الأطراف وأساليب التدبير المسببة للأزمة.
وفي ختام حديثهم، استحضر المساهمون التوجيهات الملكية السامية التي شدد فيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على ضرورة صون حقوق ومصالح المغاربة المقيمين بالخارج، باعتبارهم ركيزة أساسية لتعزيز الروابط مع الوطن، مؤكّدًا على أن حماية هذه الفئة مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعبئة شاملة لمختلف الجهات المعنية لضمان أمنهم المالي والعقاري وصون حقوقهم، وترسيخ الثقة عبر توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية مصالحهم وتشجيعهم على الإسهام في تنمية البلاد.


