احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > عيد وطوارئ ووطنية

عيد وطوارئ ووطنية

بقلم: عبد المنعم سبعي


شاءت الأقدار أن يتصادف عيد الفطر لهذه السنة مع الحجر الصحي وحالة الطوارئ المفروضة في أغلب دول العالم بعد تفشي جائحة كورونا، ومع ذلك نغتنمها مناسبة لتقديم التهاني والتبريكات لقرائنا الكرام بعيد المحبة والاخوة، بعيد مواساة الفقراء والمحتاجين وذوي الخصاصة. فكل سنة وقراؤنا طيبون، وكل عيد وهم قادرون على إهداء من حولهم ابتسامة أمل، خصوصا وأن عيدنا لهذه السنة يأتي في سياق وباء عالمي جارف قد يبعدهم عن الابتسامة والفرح، لقد جاء متزامنا مع اجتياح جائحة كورونا وما يتطلبه الحذر وتجنيب الوطن لا قدر الله حالة صحية لا قبل لنا بها، فضلا عما يتطلبه أيضا من تضامن وتآزر مع فئات هشة تأثرت بتوقفها عن العمل وانقطاعها عن أي دخل تسد بها رمقها، جاء عيد هذه السنة في خضم اقتصاد وطني مشلول سيكون له أثر كبير على الوضع الاجتماعي العام، لذلك كانت القيم التي جبل عليها المغاربة من التضامن والتماسك الاجتماعي وبذل الخير إحدى سبل النجاة، وكان لنا في بعض النماذج من الوطنيين المثل الأعلى غير أنه سرعان ما تنفجر بين الفينة والأخرى فضائح لا تمت لوطنيتنا بصلة، فيها من التحايل على الفقراء والاغتناء باسمهم ما يجعلنا نعتقد بضرورة المحاسبة والضرب بيد من حديد على كل من حاول الركوب على هذه المحطة في تاريخ مغربنا الحديث.
في زحمة هذه الظروف والتوجسات نتوقف عند لحظة فرح آملين أن نعيشها في يوم عيد الفطر، ولئن كنا قادرين على أن نبدع في صناعة هذه الفرحة فإن أيامنا كلها ستصبح أعيادا.. بالفعل أصبحت السعادة سلعة باهظة الثمن بالنسبة للمغاربة المنحدرين من الطبقة الوسطى والفقيرة، وأصبحنا نفتش عنها في كل مكان وهي تتملص منا لأننا أضحينا أنانيين في كل شيء، إننا نجري وراء المال معتقدين أنه يسعدنا، ونبحث عن المناصب والكراسي معلقين عليها الأمل في منحنا رساميل رمزية، أو قضاء مآرب خاصة، ونبحث عن الدور والقصور الكبيرة والسيارات الفاخرة ظانين أنها تعبد لنا الطريق نحو قشدة المجتمع، ورغم كل ذلك نبقى بعداء عن الانتماء إلى نادي السعداء، إن السعادة لا يمكن أن تتحقق بعيدا عن الآخرين، فما قيمة المناصب في قلب إرادة المواطنين وتكريس فاقتهم وعوزهم، وما قيمة الأموال المكدسة في الأبناك إن كانت من حق الآخرين، وما قيمة القصور إن كانت قد شيدت على تعاسة آلاف المواطنين؟ بعض الناس يعتقد أن السعادة تكمن فيما يملك وهذا إحساس خاطئ، فقد تملك كل الأشياء وتكتشف انك خسرت نفسك..ظلم الناس خسارة..والعدوان على حقوقهم خسارة..وموت الضمير خسارة..والغدر في الحب خسارة..والمال الحرام اكبر خسارة..وبيع مبادئك خسارة وتفريطك في كرامتك خسارة..أمام كل هذه الخسائر كيف تنتظر ساعة فرح ويوم عيد..إن العيد الحقيقي أن ترى نفسك مواطنا حقيقيا وليس إنسانا مشوها في اللون والصفات..
إن الوطنية لا ترتبط بالنخب سواء كانت سياسية أو فكرية أو دينية لأنها تتجاوز كل هذه الآفاق إن فيها الفكر والدين والسياسة وفيها ما هو أعمق وهو تراب الوطن والأرض التي يعيش عليها الإنسان وهى اكبر وأقدم واعرق الحقائق في تاريخ البشر..والأرض ليست قطعة من تراب إنها الزمن والعمر والحياة والماضي والحاضر والمستقبل.. مشكلتنا مع الوطن أنه يسكن فينا كما نسكن فيه، يقلقنا تراجعه، يخوفنا وهنه، تسعدنا انتصاراته، تحزننا انكساراته و كل ما قد يوخز قلبه مع قلوبنا، الوطن ليس كلمة تقال للتعبير عن الجغرافيا، إنه الانتماء والهوية و الجذور، الوطن حالة وفضاء ومحبة وعطاء بين الطرفين.
إن الشارع المغربي الآن يكاد أن ينسى أول دروس الوطنية وكنا نتعلمها فى الأسرة والمدرسة والكتاب والمسجد والملعب وحين اختلفنا حول مفهوم الوطن ومعنى الوطنية انقسمنا على أنفسنا، لقد اختفت صورة الوطن بمعناها القديم وبدأت الأشياء تصغر في عيوننا حتى وجدنا أنفسنا ندين بالولاء لفريق أو جماعة أو عصابة..
وفى ظل هذه الانقسامات تسربت في حياتنا أمراض الاغتناء السريع وأصبح المال هو الذي يحرك الفكر والسلوك والأهداف والمصالح، رغم أن الوطن هو الذي كان دائما يجمعنا في السراء والضراء وفى تاريخنا فترات كثيرة توحدت فيها أحلامنا ورؤانا تحت راية الوطنية ولكن غياب حب الوطن وتغليب الأنانيات بوجهه البغيض حملنا إلى مناطق أخرى استنزفت قدراتنا وشردت صفوفنا وتركتنا فريسة للضياع .
كانت الأيام التي سبقت العيد والتي ستليها حبلى بتصرفات تنبع من وطنية صادقة ومليئة أيضا بمظاهر التشوهات في الألوان والصفات والتصرفات وكانت مناسبة العيد عاجزة لدى الكثيرين لصناعة السعادة، وتزامن هذه الأيام المباركة مع جني حصيلة الاستغلال البشع للقفف المخصصة للفقراء قد زاد من غياب السعادة حتى لدى من كنا نخالهم سعداء، وقد علمتنا مثل هذه المحطة من التاريخ الحضاري المغربي أنه لا يمكن أن تتساوى العصافير والغربان أو تتشابه مياه الأنهار ومياه المستنقعات..ولا يمكن أيضا أن نجد في مكان واحد من يضئ شمعة ومن يطفئ كل الأنوار..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.