احدث المقالات
Home > فن و تقافة > ثقافة عامة > قراءة في كتاب «Communication and Cultural «Domination “الهيمنة الثقافية” للكاتب Herbert Irving Schiller أو حين يسود قانون الاستقواء، ويصطنع الإعلام حضارات الوهم ..

قراءة في كتاب «Communication and Cultural «Domination “الهيمنة الثقافية” للكاتب Herbert Irving Schiller أو حين يسود قانون الاستقواء، ويصطنع الإعلام حضارات الوهم ..

ذ. محمد حماس (باحث في التاريخ والتراث)

أستاء كثيرا كلما تفاخر البعض منا وانبهر ب”الحضارة” الغربية، دون تدقيق في مفهومي الحضارة والثقافة .. هل يمكن القبول بحضارة دون قيم إنسانية رفيعة؟؟ هل يمكن اعتبار دول قامت على أنقاض حضارات عريقة، دولا متحضرة؟ هل إنجلترا وفرنسا وأمريكا … دول متحضرة، وهي تجتر تاريخا دمويا، قام على إبادة الشعوب، والتصفية العرقية، وطمس معالمها الحضارية، وبناء تاريخ من التزوير والافتراء والكذب .. تراهن على الأجيال القادمة، التي يتم غسل أدمغتها بتاريخ مفترى، شأن الاحتلال الصهيوني الذي اغتصب الأرض من أهلها بفضل الماسونية العالمية وتزكيات عربية، وأعد برامج دراسية و”حقائق” من نسج الخيال، يدرسها لأبنائه. لا يمكن إقناع طفل صهيوني بعد هذا بأن فلسطين سليبة، وأن أهلها هم الفلسطينيون. ونفس الأمر جرى في العراق، ومن بعده سوريا. الدول المنتصرة الغاصبة، تضرب عمق التاريخ، وتقصف مهد الحضارة الإنسانية. لم تضرب العراق وسوريا عبثا. والتوتر المفتعل في اليمن والسودان، وما لحق ليبيا من دمار … ثم القضاء على جميع الحركات التحررية في العالم، وخلق بؤر توتر وتنظيمات وهمية لتقتيل الأبرياء وصناعة خارطة جديدة للعالم، من طالبان والقاعدة وداعش وغيرها، جميعها صناعة ماسونية … الدول اللقيطة لا تاريخ لها، هي تسلب التاريخ من أهله وصناعه. طبعا العديد من المفكرين والمبدعين والعظماء الغربيين، تدين لهم الإنسانية بكتاباتهم واختراعاتهم، لا أعتقد أنهم ملك لهذه الدول بقدر ما هم ملك للإنسانية جمعاء … ثم الإنجليز الذين كانوا أول من عمل على إبادة واحتلال أرض الهنود الحمر وأمريكا، ثم في بريطانيا قام وعد بلفور والحركة الماسونية، وإنشاء الكيان الصهيون المزعمون لاحتلال أرض فلسطين … هل يمكن اعتبار هذه الدول متحضرة؟؟.

*هربرت شيلر .. الكتاب .. و “الوعي المعبأ” …

يعتبر Herbert Irving Schiller (1919-2000)، أحد المفكرين الأمريكيين المتميزين بخصوصية النقد البعيد عن الهيمنة الإعلامية الأمريكية التوجيهية، فهو ناقد وإعلامي، وعالم اجتماع، أكاديمي، له العديد من المؤلفات، وعشرات المقالات. حاز درجة الدكتوراه سنة 1960 من جامعة نيو يورك.
اشتغل شيلر في كتابات على مبدأ التنبيه للهيمنة المقصودة من طرف الشركات الأمريكية على الحياة الثقافية بالدول الموسومة بالنامية، ووقف عند الهيمنة في أبسط تجلياتها داخل المحيط المنزلي والمؤسسات العامة. مركزا على دور وسائل الإعلام في المجتمعات الحديثة، وانعكاسها على عمليات الاتصال والتواصل والنقاش القائم حول نجاعة وسائل الاتصال بشتى أنواعها. وهو ما كان يسميه ب”الوعي المعبأ”، باعتبار أن وسائل الإعلام تهيمن عليها قلة من الشركات تتحكم في المعلومات، والصور، والتلفزيون، والتسجيلات، وصناعة الأفلام …، وتحدد بالتالي، معتقدات الناس ومواقفهم وسلوكهم بالشكل الذي هو معد مسبقا.
من مؤلفاته: “العيش في البلد رقم واحد”، و”ما بعد السيادة الوطنية”، و”المعلومات واقتصاديات الأزمة”، و”الاتصال العام والإمبراطورية الأمريكية”، و”المتلاعبون بالعقول (1973)”. وهي كتب تخبر من خلال عناوينها عن مواضيعها. واقد اخترنا كتاب “الاتصال والهيمنة الثقافية” “Communication and Cultural Domination”. تقع النسخة الإنجليزية في 126 صفحة من الحجم المتوسط، أم الترجمة العربية فتقع في 155 صفحة من ذات الحجم. تم نشر الكتاب لأول مرة سنة 1976، بلغة إنجليزية، من طرف دار النشر: ” Underlining; Highlighting”. يتناول ما آل إليه الوضع العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة الدول التي عانت الاستعمار ومن بعد التبعية، إذ يحصيها في أزيد من 90 دولة، عانت العجز الاقتصادي الذي يعاني منه ثلثي بلدان العالم، دون أن تستطيع هذه الدول التخلص من التبعية، الشيء الذي سوف يؤدي مستقبلا إلى تنامي الصراع حول الاتصالات الثقافية بين من يسعى للقضاء على الهيمنة، ومن يسعون إلى الحفاظ عليها. فجاء هذا الكتاب ليجيب على عدد من الأسئلة العالقة بهذه الهيمنة.
وبالنظر إلى تاريخ إصداره، يبدو وكأنه تنبأ لما سوف يؤول إليه عالم اليوم، خاصة مع كل ما نشهده من تقدم تكنولوجي في مختلف الميادين، وانعكاسه الكبير على وسائل الاتصال والتواصل. ثم إن الكاتب أمريكي، بمعنى هو يتحدث من عقر الدار، أي من منبع الهيمنة بشتى أنواعها وتجلياتها.
يتوزع الكتاب بين أربعة فصول: 1) الهيمنة الثقافية، منابعها وسياقها وأساليبها الراهنة. 2) ديبلوماسية الهيمنة الثقافية وحرية تدفق المعلومات. 3) تكنولوجيا الهيمنة الثقافية. 4) السياسات الاتصالية الوطنية حالية جديدة للنضال الاجتماعي. ثم خاتمة.
وقد اعتمدنا النسخة الإنجليزية والعربية في نفس الآن، لأن هذه الأخيرة متقنة ومستوفية لشروط الترجمة إلى حد بعيد عند مقارنتها بالأصل الإنجليزي.

*تجليات الهيمنة الثقافية .. السوق التجارية الوحيدة .. البث التلفزيوني والسينما ..
يمكن اعتبار الهيمنة الثقافية أفظع أنواع الهيمنة، لأنها رافقت الحضارات منذ القدم، بحيث تسعى كل حضارة لدحض سابقتها أو منافستها، رغبة منها في التفوق، أو ما بعد الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وهي ضروب غير كافية للهيمنة، وبالتالي تأتي الهيمنة الثقافية التي تعمل على طمس معالم الحضارات الأخرى لفائدة حضارة أحادية، بمعنى تفتيت واستئصال معالم حضارات ظلت قائمة لما قبل التاريخ، وتعمل الحضارة المصطنعة على نسج تاريخ حضارة من الوهم، وهذا سلوك اللقيط، على مستوى المقاربة النفسية بالموازاة مع المقاربة التاريخية، وتسخر لذلك الوسائل المادية والبشرية، من كتاب مأجورين، واختلاق المادة العلمية الكاذبة، وفرض لغتها بفضل الضغط الاقتصادي، وصنع الحكام الموالين، والأقطاب، والتحالفات، والتفقير، والتجويع، ثم تسخير وسائل الإعلام بشتى صنوفها للدعاية والتشهير وتزييف الحقائق، واستقطاب الرأي العام وتحويله إلى قطيع تابع. وهذا ما يعيشه عالم اليوم بشكل فعلي منذ نهاية الاحتلال العسكري لدول الجنوب. فالمنتصر يعمل على طمس تاريخ الدول المهزومة والمستضعفة. لأن المآثر العمرانية والتراثية التي تشهد على ما أبدعته الشعوب لقرون، هي مصدر إزعاج وقلق، وكابوس يقض مضجع المغتصب، لهذا نجده يسعى بشتى السبل لإزاحة هذا التاريخ ومحوه من ذاكرة الشعوب، ورسم خريطة جغرافية أخرى بين الدول التي احتلها، وخلق بؤر توتر داخلها، وإخضاعها، وجعلها تابعة له، وإنهاكها بالديون، والاستمرار في استنزاف خيراتها الطبيعية، واستغلال ثروتها البشرية، أي استمرار الهيمنة وفق مخرجات جديدة.
الحديث هنا عن النظام العالمي الحديث الذي يقوم على تصور أنه يتوجب أن يكون للعالم سوق واحدة، يتم داخلها تحديد كمية الإنتاج وتقدير الربحية، ونظام الأجور، والسلع، والخدمات. وعلى هذا الأساس تكون التنافسية وتتباين بين الدول القوية، ثم توزيع فائض العمل. وبالتالي، فمن خلال هذه العناصر يتضح الأساس الذي تقوم عليه الإمبريالية الثقافية. أي أنها تنتعش داخل نظام عالمي يقوم على سوق واحدة، فينجم عن ذلك اصطدامها بالدول الوطنية(1)، لأن هناك من الدول من لم ترض بالهوان الذي عانت منه فترة الاستعمار، وانتبهت أن استقلالها كان شكليا، إذ لابد من التبعية التي حتما تسير بها في طريق الهيمنة الثقافية. فالدول المنتصرة هي من يتحكم في السوق، وفي النتاج الإعلامي الذي يصنع المشهد الإيديولوجي للاقتصاد الرأسمالي المتوحش، عبر خلق إمبراطوريات تجارية تقوم على شركات متعددة الجنسيات .. إنه استعمار جديد، حيث يتم إغراق البلدان التابعة المستضعفة، في الديون بفضل نخب لاشعبية، تتحكم في تجارتها، وتوقف أي تطلع للتطور الاقتصادي …

* تاريخ الوهم وقتل الآخر …

وكلما نظرنا للمنشآت والفضاءات التاريخية، إلا ووجدنا المستعمر يهرع لتدنيسها، ونهب تحفها، وتخريبها، وتحويلها إلى سراب. المغتصب المنتصر يضرب العمق الثقافي للبلدان التي يخضعها، ويحول أهلها إلى أذلة تابعين، ولم يكن ليتسنى له ذلك لولا الطغمة التي يزكيها ويسلطها على رقاب الشعوب. فلننظر حال فرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، دولة تقوم على الوهم. تاريخها دموي استعماري. كانت سباقة لدعم الكيان الصهيوني في بداياته إلى جانب إنجلترا، من خلال تزويده بالأسلحة والعتاد … والعدوان الثلاثي في 1956، واحتلال دول الجنوب، واستنزافها إلى الزمن الراهن. فرنسا ليست لها موارد طبيعية أو بشرية، بدليل أن أوراشها كانت من عرق الجيل الأول، ثم الأطر المتفوقة في مختلف المجالات، وصولا إلى فرقة كرة القدم، جميعهم من دول الجنوب. فرنسا تعيش على “Sérum” إفريقيا. ومن دون خيرات إفريقيا سوف تعيش على الإعانات، وتحتل خانة الفقر والهشاشة. فرنسا لا تساوي شيئا دون إفريقيا وولائها لأمريكا والكيان الصهيون. أمريكا هي كبيرهم الذي علمهم استنزاف دول الجنوب وإبقائهم في خانة التبعية. لأن مشكلة بلدان الجنوب تكمن في حكامها ومن يدبر شؤون هذه البلدان. ثم أمريكا التي هي نموذج للدولة اللقيطة، التي قامت على إبادة السكان الأصليين للقارة الأمريكية. والتاريخ يشهد أن الإنجليز أطلقوا تسمية “إسرائيل” على مستعمراتهم في بلاد الهنود الحمر، وهذا ما أورده أحد أصدقاء الهنود، Thomas Morton في كتابه “كنعان الجديدة الإنجليزية. New English Canaan”. وهو الذي عاش بينهم منذ سنة 1625م، الشيء الذي تسبب في اعتقاله ما مرة وإرجاعه إلى إنجلترا. وكان كلما أطلق سراحه يعود ليعيش مع الهنود ويكتب عنهم ويدافع عنهم إلى أن تم الزج به في السجن ليقضي ما تبقى من عمره هناك، ولو أن عنوان الكتاب يؤكد فكرة أمريكا(2). ناهيك عن عملية فصل أبناء الهنود عن ذويهم وغسل أدمغتهم. الواقع هو أن لا ديمقراطية ولا حقوق إنسان ولا شيء يذكر داخل هذه البلدان، شعوبهم نفسها تعيش مثل القطيع، يتم خداعهم باسم لعبة الديمقراطية، والواقع أن صناعة القرار بعيدة عن كل ذاك. فإذا استثنينا النموذج الألماني، يصعب الحديث عن ديمقراطية حقيقية داخل بلدان الشمال. كل شيء بمقدار، وتخضع القرارات لحسابات سياسوية دقيقة، داخلية أو خارجية. لا شيء بالمجان، ولا شيء متروك للصدفة. يبقى النموذج الأسيوي الذي ينافس الغرب على زعامة العالم من مدخلين، اقتصادي وعسكري، يسعى هو الآخر لبسط يده على السوق العالمية واحتكارها.

* الاستقواء عبر التواصل …

اعتمدت الدول القوية، أو المستقوية، نظاما للتواصل يتحكم في السوق التجارية، متحكمة بذلك في وسائل البث وفق نظامها التجاري المفروض، وإن تطلب الأمر القيام بضغوطات على الأنظمة الأخرى، وعلى رأس الدول المستقوية، أمريكا التي تتولى سيادة العالم بالقوة. ونضرب مثلا بالبرامج التلفزيونية، وإعلانات أفلام العنف (نورد الحديث عن فترة إنجاز الكتاب خلال بداية سبعينيات القرن الماضي). لقد ظل التلفزيون الجهاز الذي يغزو كل البيوت، ثم قاعات عروض السينما، وحتى سينما الهواء الطلق، والمجلات … كانت قاعات السينما تغص بالمشاهدين، ويبقى الناس يتابعون لساعات طوال كل يوم برامج مبتذلة، فيها تشويق وإثارة تعمل على تمرير خطاب لتدجين شعوب العالم، إذ ظلت الدول المستقوية تفرض سياساتها، وسياسة البث للتواصل مع شعوب البلدان المهزومة لعقود لتحقق النتائج التي نراها والعالم قطع خمس القرن الواحد والعشرين.

* Robert De Leigh ومفهوم المواطن العالمي …

كان روبرت دو ليغ، عام 1948، مديرا لهيئة العاملين في لجنة Hutchins لحرية الصحافة، وقد كتب العديد من المقالات عن الوضع آنذاك، بدت وكأنها تحمل تنبؤات بالمستقبل. تحدث عن “المواطن العالمي كامل الأهلية”، وهو الذي يتمكن من هذا التدفق للمعلومات، من كلمات وصور، عكس ما يحدث الآن، أي منتصف القرن العشرين، من تبسيط لوسائل الاتصال. إذ يتمكن المواطن أينما كان من الحصول على معلومات دقيقة وموثوق بها، دون حواجز، والانتفاع بها. لكن هذه المعلومات لا يمكن بثها بشكل مباشر دون وساطة أرضية من طرف المحطات الوطنية، الشيء الذي يحقق السيادة الثقافية (3)، أي أن الاتصال سوف يخضع للرقابة، التي هي ضرب لحرية المعلومة، وهو الأمر الذي أيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نونبر 1972، وقد اعترضت أمريكا على حرية الوصول إلى المعلومة من طرف كافة الناس .. طبعا، هذه المنظمات هي صناعة أمريكية لتضفي الشرعية على هيمنتها على بلدان العالم. فأمريكا تعتبر دستورها هو الكامل الشامل الذي يسري على المجتمع الدولي.
هكذا، وبعد مرور 30 عاما حسب قول الكاتب، على قبلوا مبدأ التدفق للمعلومات، انتقل الأمر إلى موقف دفاعي، وهو ما أفضى إليه الأمن والتعاون الأوروبيين 1973 و1975، والوثيقة الختامية الصادرة عن هلسينكي، ناهيك عما يلي هذه المحطات من ملتقيات دولية ولقاءات سرية وعلنية تمحورت حول موضوع تدفق المعلومات والهيمنة والاتصال. معلومات يتم تدفقها عبر شبكات عن طريق دوائر كهربائية بالغة السرعة تخترق الحدود الوطنية (4). فتأكد أن البريد الإلكتروني سوف يتولى نقل كم هائل من المعلومات يصعب التحكم فيها، رغم إنشاء بنك لهذا الغرض. وهذا الأمر يدخل في باب التوقعات المستقبلية، وسوف يؤثر على استراتيجيات التواصل بالنسبة لأمريكا من موقعها كمتحكم في السوق التجاري، وبالتالي في سعيها وراء الهيمنة الثقافية على بلدان العالم. من هنا بات ضروريا على أمريكا التفكير في مستقبل هذه الثورة. وهو الأمر الذي شغل وكالة المعلومات الأمريكية.
وعليه، سوف يكون أمام أمريكا المتغطرسة وضع استراتيجية للتحكم في التقدم التكنولوجي ووسائل الإعلام من صحافة رقمية ومكتوبة وزخم القنوات التلفزية الفضائية والمحطات الإذاعية، لأنه لا توجد هناك حركية إعلامية بريئة، سواء خدمت الدولة أو الجماعات. من هنا سوف تسعى أمريكا، مع حليفاتها والدول التابعة، لخلق إطار للتضييق على المد الإعلامي وتدفق المعلومات، من خلق تنظيمات تقع تحت طائلة حقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة، والمواثيق الدولية وهلمجر من القنوات التي تصب بشكل أو بآخر في مشروع الهيمنة، يمارسه الأفراد والجماعات عن وعي أو عن عدم وعي، لأن المركز الأممي يتحكم في مسار ومصير هذه التنظيمات، وأبشع أساليب التحكم هو “حق الفيتو”، فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية أمريكا أو أنجلترا أو الصين أو روسيا … إذا كان هنا بند يخول حق الفيتو، لأن اللعبة الديموقراطية مفضوحة.
ويسهب صاحب الكتاب في استعراض كم من الاستشهادات لعدد من المسؤولين الإداريين والتجاريين والديبلوماسيين ومدراء الوكالات الاستعلاماتية الأمريكية، الذين يوضحون الوضع الراهن لتدفق المعلومات، وكذا رؤيتهم المستقبلية لما سوف يؤول إليه الوضع، وما هي سبل التحكم في الوضع القادم، حفاظا على قوة المؤسسات التجارية والشركات المتعددة الجنسيات، وعلى قوة أمريكا في مركزها المتحكم في العالم. يصل هذا الأمر للمجال العسكري والتجكم في القدرة على التسلح بين الدول وامتلاكهم لأسلحة الدمار، وخلق سوق لتجارة الأسلحة وفق قواعد تضعها أمريكا. فالمسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية لن يقبلوا بأي إنتاج علمي وتكنولوجي خارج دائرة متطلباتها العسكرية الهيمنية، بتعاون مع الشركات التجارية الاحتكارية والقوات المسلحة الأمريكية. وعلى هذا الأساس تم تكوين اتحاد دولي في أوائل السبعينيات، يسمى Intelesat يضم 91 دولة، يستخدم نظام التوابع الصناعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد سيطرت على هذا النظام الشركات التجارية الأمريكية الكبرى، منها، Comsat, RCA, ITT A. T. & T المرتبطة بوزارة الخارجية الأمريكية. كما عملت أمريكا على إزاحة بريطانيا عن هيمنتها على الاتصال الدولي الذي تحقق لها بفضل سيطرتها على صناعة الكابلات (5) …

*أمريكا تتحكم في استيراد العالم الثالث للتكنولوجيا الغربية .. التلفزيون بالألوان، مثلا …

فركت أمريكا مليا في ترويج التيلفزيون الملون، فبدا الأمر غير ضروري أن يصل للبلدان التابعة أو المتخلفة، قبل تعميم التيلفزيون بالأبيض والأسود ونفاذه، كما تريد لذلك الرأسمالية الاحتكارية، حيث بلغت سوقها درجة الإشباع أواخر الخمسينيات، وفرضت ثمنا باهضا للتلفزيون بالألوان. فانتهجت سياسة التروي والتأني بهدف تحقيق الربح الفاحش. نفس الشيء يحصل على مستوى ترويج عدد من المواد، مثلا في مجال الفلاحة وترويج البذور ذات الإنتاج الكبير إلى دول آسيا، بمعنى التحكم في التكنولوجيا الزراعية من خلال البذور والمبيدات والوقود والآلات الفلاحية وغيرها لتتحكم في الإنتاج … وفي المجال الطبي يبقى الأمر أكثر بشاعة، مثلا بالنسبة لمرض السرطان الذي تفشى ما بين 15 و35 سنة مضت، يعزى إلى احتواء الهواء على غازات وذرات لم يسبق لها أن تسربت إلى رئة الإنسان، وهو يستنشقها بشكل يومي، ويتناولها في الأطعمة، والتي هي عبارة عن مواد كيماوية للرفع من الإنتاج وإعطاء مذاق لذيذ ونضارة للأطعمة المستهلكة، والتي تعتبر غريبة على دم وكبد وكلي الإنسان (6) … وهذا ينطبق على مجالات مختلفة، منها البيولوجيا الجزئية، والهندسة الوراثية، كل هذا للربح والهيمنة … إنها معطيات غاية في الخطورة يعود تاريخها، كما هو في الكتاب، إلى أزيد من نصف قرن من الزمن … ويشير “فرانز فانون” في معرض حديث عن الوضع، أن أمريكا باتت تحاكي أوروبا، رغبة في اللحاق بها إلى أن تحولت إلى وحش تترعرع في داخله شوائب أوروبا وأمراضها وليس إنسانيتها، فكان الأمر مروعا (7) … لينتقل الصراع الطبقي من معركة الاقتصاد إلى الصراع في مجال الاتصال، فيتحول المجتمع نحو منحى مختلف، إذ يتوسع الإعلام ويتغلغل في كل مكان. فكان طبيعيا أن تتفاعل الحكومات مع هذا التحول الذي يصعب التحكم فيه، إن لم نقل يستحيل التعاطي معه. فانتقلت المنافسة إلى مجال الاتصال …
 الأرضية منبسطة للهيمنة الأمريكية .. تعاطي الدول الضعيفة التابعة ..
أما دول المشرق، أو ما يعرف بدول الخليج، فأعتقد أنها كيانات طفيلة، لا تقوم على مؤسسات حقيقية تخول لها مواصفات دول، ونضرب مثلا بالسعودية، التي هي عبارة عن أسرة حاكمة، لا أثر للمؤسسات بها، ولعل سمعة أفراد هذه الأسرة سيئة الذكر في مختلف بلدان العالم، بسبب السلوكيات المشينة لهم، وما التصق بهم من صفات الفساد والعبث بأموال البترول. إنهم الأعراب البدو الذين أفسدوا العمران. ناهيك عما يقدمونه من خدمات لقوى الشر التي تبسط يدها على دول العالم.
صفة القطيع، بالمفهوم الذي أورده تروتر في كتاب غريزة القطيع، تنطلي على شعوب بلدان الجنوب، وحكوماتها ل”الاستقلال”، وجعلوا له يوما يحتفى به، إلا أن التاريخ سجل بداية الهيمنة، والتي كان تجليها أساسا مع التبعية.
هكذا، خلقت الدول الموسومة بالعظمى، بؤرا من التوتر بمختلف أنحاء العالم، عبارة عن حروب قد تبدو أهلية، وتنكيل بالبشرية، كما يحدث في بلاد الشام والعراق مهد الحضارة الإنسانية، وامتصاص دم إفريقيا حيث التاريخ البشري العريق، وصنع كيان صهيوني ماسوني بأرض فلسطين، والسعي لخراب حجيج بيت الله الحرام بفضل أسرها الحاكمة، والتوتر القائم في اليمن ذات الحضارة العريقة، …. والأمثلة كثيرة في هذا الباب … هذا وفق خريطة مضبوطة، واستراتيجية مدروسة، غيرت كل العالم وفق خريطة جديدة مخالفة للخريطة التي رسمها الاستعمار العسكري، بمعنى أن الحدود الجغرافية لم يعد لها اعتبار، فنحن بصدد الحديث هنا عن حدود غير التي على الخرائط المتداولة بين طلاب المدارس. إنها الخريطة المعتمدة للهيمنة الثقافية. لأن هذا النهج هو الذي يتيح السيطرة على العالم، ويمنح القوة للمتفوق، إذ الهيمنة الثقافية هي الكفيلة ببسط اليد على الثروات الاقتصادية، والتحكم في صناعة القرار السياسي، واستثمار الثروة البشرية لدول الجنوب كأطر متخصصة ويد عاملة. لأن الهيمنة الثقافية تجعل هذا البلد أو ذاك في حاجة لجرعات كي يستمر.

*تكوين جيل من المدراء لضمان استمرارية الهيمنة …

لعبت أشهر المدارس التجارية في أمريكا، دورا حاسما وأساسا في تخريج أفواج من المدراء للشركات، مستوى تكوينهم عالي جدا، جوهر هذا التكويم هو الحفاظ على مصالح الشركات التجارية وجعلها فوق أي اعتبار. وهو تكوين انتقل لعدد من الدول، منها مدرسة لوزان للإدارة بسويسرا تابعة لمدرسة هارفرد التجارية، ومدرسة لندن التجارية ومدرسة الدراسات العليا الفرنسية قرب باريس في “جيو أون جوساس”، وجميعها تابعة لمدارس أمريكية … وكل من تخرج من هذه المدارس لن يجد صعوبة في الحصول على وظيفة بتوجيه ومعرفة شركات، مثل، وكالة التنمية الفرنسية، إنها الفلسفة التجارية للمدارس الأمريكية (8). الشيء الذي سوف يكون له انعكاس على البحث العلمي عامة، وهو الذي تستحوذ عليها أمريكا وبعض بلدان أوروبا الغربية، وآسيا، وكل شيء مراقب. لهذا نسمع بين الحين والآخر اختطاف أو اغتيال عالم من بلد ما، خاصة من البلدان المستضعفة، أو استقطاب الأدمغة وجعلها تحت السيطرة، وإلا ستكون النتيجة مأساوية للبلدان الوطنية، إن صح التعبير، والتي سوف تتعرض للقصف والضرب والتخريب والتدمير، أو تحويلها لبؤرة توتر، كما سيحدث مع العراق واليمن وسوريا، وقبلها ضرب الصين واليابان بالقنبلة النووية، وجرها لحرب استنزافية. فعندما نتأمل عالم اليوم، أي بعيدا عن مقولات هربرت شيلر صاحب الكتاب، نجد أن أمريكا وحلفاءها حولوا العالم إلى بيت خرب. ملايين القتلى والمشردين واللاجئين، ونهب الثروات … مشهد كله دراما ودم، لا لشيء سوى السعي للسلطة والتحكم والاسقواء، وخلق كيانات من كرتون وإقناع العالم أنها حقيقية وأصيلة.
تعمل أمريكا على الهيمنة واحتكار البحث العلمي، وتبيع النتائج بأثمنة باهظة وبمقدار للشعوب المحتاجة، فهي تعمل على إنتاج سوق علمية دولية، على قول J. Corradi (9)، وهي سوق ملتبسة وغير واضحة المعالم، يصعب على الشخص العادي القبض عليها، لأن مراكز القوى هي التي تحدد مجالات الاحتياجات العلمية، أي الشركات البيروقراطية الحكومية والقوى العسكرية في الدول الرأسمالية، وبالتالي تصبح شعوب البلدان المتأخرة أكثر عرضة للضرر. وهذا ما يؤكد تلك النظرة العلمية الإنمائية التي يجري تطبيقها، وفق منظور الاقتصاد العالمي الحديث، على أنها السبيل الأنجع لنقل التركيب الطبقي من المركز إلى المحيط، حيث تعتبر السياحة اهم وسيلة للتواصل تحت شعار زائف هو أن الانتقال الجغرافي مرادف للحرية والتحرر (10).

*أمريكا المحمومة باحتكار المعلومات …

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بشكل محموم للهيمنة على تدفق المعلومات واحتكارها، الشيء الذي أدى إلى صعودها من خلال تحكمها في أنفاس العالم، وإخضاع كل معارض بالقوة، وهذا ما تأكد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت أمريكا منتصرة دون أن تصاب بأضرار مادية، فتبنت حرية رأس المال والموارد وتداول المعلومات، وحققت تقدما دوليا سريعا للرأسمالية (11). وقد عاشت الشعوب المقهورة على أمل السلام والانعتاق من مخلفات الحرب، لكن الهيمنة الأمريكية لم تدع مجالا لهذا السلام كي يتحقق. تنضاف إليها حليفتها بريطانيا التي بسطت سيطرتها في مجال الاتصال، على أجهزة الكابلات الممتدة عبر المحيط، وفي تنظيمها الإداري للأنباء والمعلومات، الشيء الذي خدم بشكل كبير النظام الاستعماري وحصنته، وجعلته على اتصال بمختلف دول المعمور، وهي سيطرة من طرف بلد واحد يهيمن على التجارة العالمية، هو أمريكا أمام منافسها الاتحاد السوفييتي، سابقا، والصين واليابان حاليا، الشيء الذي سيخلف ردود فعل من خلال الاجتهادات الديبلوماسية والعلمية، فعرف الوضع عقد مؤتمرات ولقاءات وصدامات … واستطاعت أمريكا إقناع نصف بلدان العالم بنجاعة التداول الحر للمعلومات، وبالتالي بقية العالم، وقد كانت أمريكا على يقين أن كلا من هيئة الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو، سوف تخدمان قضية التداول الحر، بمعنى أن أمريكا سعت منذ البداية إلى تأسيس منظمات لضمان تمرير سياستها عبر العالم بشكل لا يترك مجالا للنقض، وهذا الخط هو الذي سارت فيه وعليه هيئة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها.
لقد تجلى للعيان هيمنة أمريكا، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، واغتصابها لشبكات وسائل الإعلام، وتجلت إشارات عن السيادة الثقافية والخصوصية والاستقلال الثقافي، وحتى إمكانية الإمبريالية الثقافية (12)، رغم تصدي بعض الدول التي أقدمت على وضع سياسات ثقافية وطنية للاتصال. لكن غالبيتها، إن لم نقل كلها، سارعت لفرض نظام للرقابة …
يفتح الكتاب نقاشا واسعا، منذ ما يزيد عن نصف قرن، حول الهيمنة الأمريكية، وما سوف يؤول إليه الوضع مستقبلا، أي هذا الوضع الذي نحن عليه الآن. كل شيء تم التخطيط له منذ أمد بعيد، ولا شيء متروك للصدفة.
وقد ذيلنا القراءة بعدد من الآراء الشخصية التي تبدو خارج سياق ما أورده هربرت شيلر، والاستشهادات التي قدمها من طرف خبراء ومسؤولين بمراكز القرار آنذاك. أوردناها للاستدلال على النتائج التي وصلنا إليها في مجتمعاتنا المتخلفة بسبب الاستعمار والتبعية والخضوع لقوة القطب الواحد. إنه المستقبل الذي رسموه منذ ما يناهز قرنا من الزمن.

الهوامش
1- هربرت شيلر، الاتصال والهيمنة الثقافية، ت، وجيه سمعان عبد المسيح، مكتبة الأسرة، 2007، مصر، ص. 20
2- منير العكش، حق التضحية بالآخر، أمريكا والإبادة الجماعية، رياض الريس للكتاب والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2002، ص. 8-9
3- هربرت شيلر، م.س، الاتصال والهيمنة … ص. 62
4- نفسه، ص. 72
5- نفسه، ص. 79
6- نفسه، ص. 73
7- نفسه، ص. 87
8- نفسه، ص. 27-28
9- نفسه، ص. 29
10- نفسه، ص. 30
11- نفسه، ص. 45
12- نفسه، ص. 60

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.