احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > كورونا ودرس في التعليم عن بعد

كورونا ودرس في التعليم عن بعد

بقلم: عبد المنعم سبعي

تشاء الأقدار الإلهية أن نبتلى بوباء كرونا كما ابتليت به أمم غيرنا، وتأبى إرادة الله إلا أن يبرهن المغاربة مرة أخرى عن قيم رفيعة كنا نخال أنها قد اندثرت من مجتمعنا، لكن هذه المحنة أبانت أننا ما زلنا شعبا له حضارة عريقة في التعامل مع المحن. ولعل التضامن بين فئات المجتمع المغربي، وانخراط المجتمع المدني في التوعية بمخاطر الوباء وبضرورة البقاء بالمنازل.. أحد تجليات هذه القيم التي أحيتها فينا محنة الوباء.
فمن الطبيعي أن تواجهنا كما باقي مجتمعات العالم والدول، العديد من المخاطر والأزمات التي تتحدى مسارها التنموي، وتختبر قدراتها وأحياناً تهدد جدارتها بالبقاء، لذا تلجأ المؤسسات إلى تحليل بيئاتها الداخلية والخارجية ووضع سجل لتلك المخاطر المحتملة، ومن ثم إدارتها بما يضمن التقليل من آثارها السلبية.
فعندما تكون المخاطر والكوارث قائمة على المستوى الوطني، لا يمكن أن يُترك أمر التصدي لها للمؤسسات الخاصة والحكومية بشكل فردي، بل يجب أن تنضوي كل تلك الجهود ضمن خطة شاملة كما هي حالنا في المغرب حيث تلتحم عدة قطاعات حكومية تحت قيادة صاحب الجلالة حتى تتناغم الجهود في مساراتها المتعددة وعلى رأسها يتربع عامل نشر الثقافة والوعي اللازم في تلك الحالات.
ربما تكون من المرات النادرة؛ بل الأولى على الإطلاق أن يحدث هذا التناغم بين مؤسسات وأجهزة الدولة في مواجهة هذه الجائحة ، فقد تجلى تحرك الحكومة في أبهى صورة في مشهد حضاري مسؤول، يؤكد أننا أمام أمة تتطور، ووطن يتقدم، وأداء حكومي يتغير.
هذا الأداء المتكامل والتحرك المتناغم والعمل الاستباقي يؤكد أننا قادرون على فعل الكثير، وإنجاز المستحيل حين تتوافر الإرادة وتتكامل الجهود وتتكاتف الأجهزة، فقد بدأت خطة المواجهة مع تداعيات هذه الجائحة ، بالإعلان الدقيق عن طبيعة المرض وكيفية انتشاره ووسائل الوقاية منه، تلا ذلك حزمة قرارات حكومية مسؤولة، شملت تعطيل الدراسة والجامعات و المباريات الرياضية والتجمعات…
.. هكذا جاء أداء العمل الحكومي في التعامل مع الجائحة، منظومة متكاملة وتحركات استباقية مسؤولة وفق خطة عمل مدروسة، بعثت برسائل قوية للمواطنين دفعتهم للتعاون مع الأجهزة وتقدير هذه الجهود؛ بل أثارت ارتياحًا شعبيًا كبيرًا، ولعل أهم رسالة يمكن الخروج بها أن عهد العشوائية في التعامل مع الأزمات قد ولى.. وأن زمن التخبط في التعامل مع الأوبئة انتهى..
المغرب اليوم بأجهزته وشعبه قدم نموذجًا جديدًا في مواجهة التحديات والتعامل مع الأزمات يجعلنا نطمئن أننا نسير في الاتجاه الصحيح، نحو هدفنا الأسمى، وهو بناء دولة مدنية مؤسسية حديثة تعلي قيم المصارحة والمكاشفة مع الشعب، وترتفع إلى مستوى المسؤولية في التصدي للأزمات، وتعالج المشكلات التي تواجه المجتمع بالحلول العملية لا بالمسكنات.
ولعل هذا التحرك الاستباقي للحكومة في تعاملها مع انتشار فيروس كورونا يؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع الأزمات، ويمكن البناء عليه فيما بعد؛ مما يجنب البلاد كثيرًا من المشكلات.
المؤكد أن الصين استغلت أزمتها مع فيروس كورونا فاستعرضت قوتها في الصحة والتكنولوجيا والتعليم، فبرغم إغلاق مدارسها، إلا أنها لم توقف التعليم حين قامت بأكبر عملية تعليم، فأوصلت نحو 200 مليون تلميذ بمناهجهم الدراسية دون الحاجة إلى الانتقال إلى المدارس.. ودون عناء الاختلاط واحتمالية انتقال الفيروس بين التلاميذ وفي التجمعات والمواصلات.
عدة دروس أتقنتها الصين ببراعة شديدة.. فقد كشفت الأزمة الطارئة شدة الصين ودرجة جاهزيتها واستعدادها. درس يهمنا أن نتعلم منه، خاصة في مجال اختصاص وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي، الذي طالما طولبت باستخدام اللوحات الالكترونية والتكنولوجيا في التعليم لأنها تقنية المستقبل التي لابد أن نستخدمها شئنا أم أبينا.. والخطوة التي يجب أن نخطوها مخيرين أو مجبرين.
وبعيدًا عن تقييم أداء الوزارة وانتقادنا لكثير من القرارات التي اتخذتها أوأجلتها أحيانًا وتراجعت عن غيرها أحيانًا، وليس هذا هدفنا من المقال، وإنما الهدف هو خطوة استخدام اللوحات الالكترونية وإصرار الوزارة على استخدام التكنولوجيا وتوفير نقاط الاتصال بالإنترنت في المدارس للتواصل مع العالم الخارجي، وللحقيقة هي خطوة مهمة تأخرنا فيها كثيرًا.
فالتعليم عن بعد في المغرب، هي خطوة نتمنى لها النجاح، ونتمنى أن تكون حائط صد في مواجهة كوارث طارئة كبرى، لا نلقي لها بالًا.. كما يحدث في العالم اليوم.
فالتعليم عن بعد كان خطوة خطتها الصين بدون أي عناء.. وسارت فيها دول أخرى كإيطاليا حين عزلت مدن كاملة أصيبت بالفيروس.. ولم تحرم تلاميذها من التعليم والتعلم بفضل الإنترنت. وهو المنحى الذي أراد أن ينحوه المغرب أيضا لكن اصطدمت التجربة بمعيقات كبيرة منها عدم توفر اغلب التلاميذ على الحواسب واللوحات فضلا عن عدم وصول الانترنيت إلى جهات كبيرة من المغرب، لكن مع ذلك تبقى محاولات بعض المواقع ومجهودات بعض الأساتذة المتطوعين الخطوة الأولى التي نبدأ بها مسافة الألف ميل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.