احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: لا خير يرجى منكم إن لم تضعوا روح هذا الخطاب نصب أعينكم

الافتتاحية: لا خير يرجى منكم إن لم تضعوا روح هذا الخطاب نصب أعينكم

بقلم: عبد المنعم سبعي
مع اقتراب حلول يوم 18 مارس من كل سنة، تكون مختلف مدن جهة الشرق تستجمع أنفاسها لإطفاء شموع بعدد السنوات التي مرت على الخطاب الملكي التاريخي بمدينة وجدة يوم 18 مارس 2003، وفي هذه السنة سنكون مع الذكرى السابعة عشرة من تاريخ هذا الخطاب الذي فتح أبواب الأمل مشرعة في وجه أبناء هذه الجهة وسكانها للتخلص من عقدة اسمها الانتماء لحواضر وبوادي جهة الشرق، أو لنقل الانتماء لحواضر وبوادي المغرب غير النافع.
لقد توالت الزيارات الملكية للجهة منذ اعتلائه العرش سنة 1999 وستكون سنة 2003 سنة الإعلان عن المبادرة الملكية لتنمية أقاليم الجهة الشرقية لتضع كل الزيارات الملكية في سياقها الاستراتيجي والتنموي. لقد تضمنت الخطة الملكية مقاربة تنموية مندمجة، هدفها إعطاء دفعة قوية للحركة التنموية بهذه الأقاليم المحسوبة جغرافيا على الجهة الشرقية وكانت الخطة الملكية المعلن عنها في الخطاب الملكي التاريخي بوجدة يوم 18 مارس 2003 مرافعة تنموية بامتياز واجتماعية بامتياز وجريئة أكثر لأنها عبرت بقوة عن المنظور السديد الذي يختزل كل آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتراصة. ولاشك أن هذه المبادرة كانت وصفة الحدس في قراءة اقتصاد جهة حدودية تلبدت مساراته فيما مضى من العقود بالمسكنات التي ما عادت ذات جدوى ولا فائدة. ولا شك أيضا أنها مبادرة انطلقت من رصد موضوعي وواقعي لحال التنمية بالجهة وانتهت إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد المنطقة بالتجهيزات والبنيات الأساسية .
لقد كان هذا الخطاب التاريخي نقطة تحول مركزية في المسار التنموي لجهة الشرق ، لأنه جاء بخارطة طريق وبرنامج عمل للتنمية الشاملة لهذه الربوع، وبالفعل أصبحت الجهة، بفضل الرعاية الملكية، تعرف دينامية حقيقية، ونهضة تنموية بكل أبعادها، يقول صاحب الجلالة: “وتجسيدا لعنايتنا السامية بهذه المنطقة، ذات الإمكانيات الهائلة والمؤهلات البشرية، المتميزة بالإرادة القوية والجدية في العمل، فقد قررنا اتخاذ مبادرة ملكية لتنمية الجهة الشرقية، مرتكزة على محاور أربعة تهدف إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد الجهة بالتجهيزات الأساسية، وإعطاء الأولوية لمشاريع اقتصادية هامة، فضلا عن النهوض بالتربية والتأهيل وتفعيل التضامن، معتمدين آليات للتمويل والمتابعة والتقييم، في التفعيل الملموس لمبادرتنا.
وسعيا منا للتخفيف من بطالة فئات من شباب الجهة ولتوفير وسائل العمل والتشغيل الذاتي فقد قررنا أن تنطلق هذه المبادرة بتخصيص ثلاثين مليارا من السنتيمات تضاف إليها مساهمات عدة مؤسسات، لتمويل مشاريع المقاولات، وضمان القروض الممنوحة لها، على أن يقوم المركز الجهوي للاستثمار بمهمة الإشراف على هذه العملية(…)
وحرصا منا على التنمية المندمجة لهذه الجهة، فقد قررنا إحداث منطقة حرة بالناظور تضم إلى جانب الميناء مناطق اقتصادية وتجارية وصناعية وسياحية مستهدفين من هذا المشروع الهام فتح بوابة متوسطية أمام تنمية الجهة الشرقية، فضلا عن إسهامها في النهوض بالاقتصاد الوطني وتعزيزها للمركب الضخم لطنجة المتوسط، وبذلكم ستكمل مشروعنا الاستراتيجي، الرامي إلى جعل المجال المتوسطي رافعة قوية للإقلاع التنموي الوطني، وللشراكة الاقتصادية والتفاعل الحضري.”
متأكدون أن القرارات الملكية التاريخية التي أعلن عنها صاحب الجلالة في هذا الخطاب التاريخي، أحدثت تحولا عميقا في مسارها التنموي، ومنطلقا استراتيجيا تنمويا لم تشهده الجهة من قبل، لأنها ترتكز على تصور جديد للجهة كقطب اقتصادي.
وبعد مرور سبعة عشرة سنة على هذا الخطاب التاريخي هاهي المبادرة الملكية لتنمية أقاليم جهة الشرق المعلنة في الخطاب الملكي التاريخي بوجدة تأتي بالخير العميم، وها هم سكان المدينة والجهة ممتنون لصاحب الجلالة على هذه الالتفاتة الطيبة الكريمة التي غيرت ملامح مدن الجهة ودبت فيها روح البناء والتشييد، لكن ومع ذلك لابد وأن نعترف بأن أمام الجهة الشرقية تحديات كثيرة وسط سحابات كثيفة من الغيوم التي تحيط بأقاليمها الثمانية، فنحن أمام اقتصاد جهوي مترهل حولها إلى أطلال ربوع سوف تحتاج زمنا حتى تستعيد نفسها أمام جشع وأطماع لا احد يعرف مداها خاصة أنها تجاوزت حدود السياسة وحساباتها ودخلت بقوة في حسابات الأرض والجغرافيا والبشر.. نحن أمام لوبيات سياسية واقتصادية أصبحت تهدد التاريخ والاقتصاد والماضي والثوابت.. نحن أمام شباب كانت له أحلام كبيرة في مستقبل آمن ومزدهر، هذا جزء من الصورة التي تحيط بنا وإذا لم تكن قاتمة فهي لا تطمئن، وإذا لم يكن المستقبل جزء أصيلا فيها فإنها تهدد الحاضر خاصة أننا لم نعد نملك كل شيء فيه..
إن صاحب الجلالة بمبادرته وخطابه التاريخي والمشاريع المحدثة قد حول وجه الجهة ودب فيها الحياة بعد موت كلينيكي، لكن المسؤولين والمنتخبين بهذه الجهة لم يكونوا في المستوى المطلوب لتثمين المشاريع الكبرى والبحث عن مخارج آمنة للاقتصاد الجهوي وتنمية الجهة وترجمة الفلسفة الملكية الرامية إلى ضمان الكرامة لمواطنيها.
صحيح أنه بعد مرور بضعة سنوات على هذا الخطاب التاريخي، بدأ يحس مواطنو هذه الجهة بالنقلة النوعية التي أعادت الروح لمدن هذه الجهة بفضل ما تم انجازه برعاية ملكية سامية، قد نتذكر كلية الطب والمستشفى الجامعي وحسناته على سكان المنطقة، وقد نتذكر الطريق السيار وجدة فاس وما ساهم به من ربح الوقت وضمان الراحة والسلامة الطرقية، وقد نتذكر مطار وجدة أنكاد، والمحطة السياحية بالسعيدية ومحطة مارتشيكا ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، وقد نتذكر الخط السككي الناظور تاوريرت، فضلا عن عشرات المشاريع المهيكلة، كما قد نقف عند جهود الواليين محمد الابراهيمي ومحمد امهيدية في إبداع مشاريع تهم التأهيل الحضري والمجال ألطرقي والبيئي والسياحي… لكن مع كل هذه الجهود لا زال استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل بعيد المنال بالشكل الذي يطمح إليه كل غيور على جهته، ولا يمكن التخلص من هذا الواقع المرير إلا بتضافر الجهود وصدق النوايا والقطع مع القرارات الارتجالية والإجراءات التي تتحكم فيها الحسابات الشخصية أو الحزبية أو المصالح العائلية .. لذلك كان على المسؤولين الجهويين والاقليميين أن يضعوا نصب أعينهم هذا الجهد الملكي الكبير ليحافظوا على رصيده الهام من المنجزات والحفاظ عليها والاسترشاد بالتوجيهات الواردة في الخطاب الملكي ليوم 18 مارس 2003، فيا من أوصلتم الجهة الشرقية ومدينة وجدة على الخصوص إلى هذا الحضيض استحيوا فقط من جهود صاحب الجلالة وما كلفه من عناء وتنقل، وما دامت روح هذا الخطاب غائبة عن تصوراتكم وتدبيركم للجهة فلا خير يرجى منكم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.