احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: أنوثة بصيغة التألق

الافتتاحية: أنوثة بصيغة التألق

بقلم: عبد المنعم سبعي

كانت المرأة دائما في الصدارة في كل المحن والأزمات‏..‏ ولم تكن يوما علي الهامش بإرادتها‏..‏ لقد تحكمت الظروف الاجتماعية والإنسانية في تحديد مسارها‏..‏ قليلا ما ظهرت علي السطح وجمعت حولها البريق والأضواء والمجد ، وكثيرا ما اختارت الظل فكانت أما وزوجة واكتفت بان تقدم للأرض أجمل وأعظم فرسانها نبلا وطهارة‏..‏
إذا فتشت في أعماق كل رجل عظيم سوف تشاهد من بعيد طيف امرأة يضيء فترى في ملامحها معني العطاء والصدق والقوة والتجرد‏..‏ إن هذه المساحة الكبيرة من الضوء التي تنتشر داخلنا في أوقات الظلام وعصور الانحطاط والتراجع حملتها في حب أيدي امرأة‏..‏ وربما كانت أما أو زوجة أو ابنة‏..‏ ولنفتش في تاريخ مغربنا لنتوقف عند نماذج بعينها من النساء المتألقات، لن أتحدث عن المرأة المغربية حينما كانت أول امرأة في التاريخ تشيد أقدم جامعة في العالم برمته، إنها فاطمة أم البنين التي بنت جامعة القرويين، هذه المرأة التي صاغت التاريخ العلمي للمغرب، وتجسدت فيها كل صور العزم والبذل والقوة‏..‏ لن أذكر تورية الشاوي أول امرأة طيارة مغربية وعربية، جسدت المساواة بين الجنسين، وأثبتت قدرتها على قيادة طائرة في الخمسينات، وماتت شهيدة زمن الاستعمار، ولن أقف عند أمينة الصنهاجي أول عالمة فضاء عربية مسلمة تلتحق بوكالة ناسا الفضائية في الستينات، وعائشة المكي أول امرأة مظلية في العالم العربي، التي شاركت في المباراة الدولية للطيران سنة 1956، وحصلت فيها على الجائزة الأولى، وسعيدة عباد أول امرأة تقود القطار في العالم العربي…
هذه صور من تاريخنا القديم والحديث الذي وضع المرأة المغربية في مكانها ومكانتها وما ينبغي أن تكون عليه‏..‏ لن أتحدث عن حليمة الورزازي التي أصبحت سنة 1973 أول امرأة في العالم العربي عضوا خبيرا في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة الميز العنصري، وسلوى الفاسي الفهري أول قاضية في العالم العربي، وغيثة الخياط أول مرشحة في العالم العربي لجائزة نوبل، وفاطمة مومن أول عربية وإفريقية تصبح منسقة ملف الإذاعات الأوروبية، ولطيفة الفاسي أول مذيعة في العالم العربي، وحسناء الشناوي أول امرأة عربية تنضم إلى الهيئة العالمية لتنمية النيازك، وفاطمة عبوق أول امرأة تقتحم عالم رجال المطافئ في العالم العربي، ولطيفة الجامعي أول امرأة تقتحم مجال أمراض وتوليد النساء في العالم العربي، والعداءة المغربية نوال المتوكل التي حصلت على ميدالية ذهبية في أولمبياد لوس انجلوس سنة 1984 في سباق 400 متر حواجز لتصبح أول امرأة عربية وأفريقية تتوج في مثل هذه المسابقة العالمية بميدالية ذهبية.
لن أتحدث عن كوكبة من مبدعات المغرب في عصر ثقافتها الذهبي، فاطمة المرنيسي، كوثر حفيظي، خناثة بنونة، ‏..‏ ولن أتحدث عن نجوم الفن الراقي والإبداع الأصيل في الغناء والسينما والمسرح‏..‏
هذه هي المرأة المغربية التي جسدت في رحلتها عبر الماضي والحاضر نموذجا فذا في التميز والعطاء‏..‏ المرأة المغربية الأم التي قدمت للمغرب مواكب من عظماء الرجال في كل المجالات عبر تاريخها الطويل فكانت هي المعلم رغم أميتها‏..‏ وكانت هي القدوة رغم بساطتها وكانت شريكا للرجل في كل مراحل نضاله ونجاحه وانكساراته وجلده‏..‏
هذه الام المغربية هي التي شيدت مسيرة الحضارة في هذا الوطن‏..‏ كانت هي الفلاحة التي وقفت بجانب أسرتها تنتج وتصبر وترعي وتقف كالشجرة الوارفة يلتف حولها الأبناء‏..‏ كانت تعطي بلا ثمن‏..‏ وتعلم الصبر كما تمنح الإرادة وتغرس الإيمان واليقين‏..‏ هذه الأم لم تكن تقرأ ولا تكتب ولكنها كانت ترى ببصيرتها ما لا يراه المبصرون‏..‏
لا يستطيع أحد أن يدعي أن مسيرة الإنسان علي ربوع هذا الوطن من الغرب الإسلامي كانت معركة خاضها الرجل وحده‏..‏ أو أنها رحلة ذكورية جامدة‏..‏ أو عطاء من طرف واحد‏..‏ وراء هذه الرحلة أمهات وزوجات وبنات وحبيبات وأخوات وعالم فسيح من المشاعر النبيلة الصادقة‏..‏ نعم إن الرجل كان يحمل حكمة العقل وبصيرته‏..‏ وكان يمثل القوة في أكمل صورها‏..‏ وكان يتعب ويشقى لكي يصنع الحياة السعيدة والمجتمع المتكافل‏..‏ ولكن على الجانب الآخر كانت المرأة تحتوي كل هذا الكون في قلبها الصغير بأنبل المشاعر‏..‏ وربما لم تكن تملك قوة الجسد‏,‏ ولكنها تملك قوة الروح وقبل هذا وذاك تملك جيوش الحنان والرحمة والرأفة.
لقد رضينا بألوان كثيرة من الظلم‏..‏ وألفنا غياب الرحمة ‏..‏ وساءت أحوالنا حتى صار رغيف الخبز حلما‏..‏ وقنينة غاز انتصارا‏..‏ ورأينا حولنا أطفال الشوارع وهم يموتون جوعا‏، ونحن لا نعرف لهم أما ولا أبا‏..‏ وأصبح الغني لا يري ولا يسمع‏..‏ وأصبح القادر تمثالا من الشمع الصامت‏..‏ وسط هذا كله فقدت الحياة توازنها فأصبح حق المرأة حراما‏..‏ وأصبح وجودها وهما‏..‏ وتنظر في قوائم مجلس النواب فلا ترى امرأة فائزة، فلم يعد هناك مجتمع يدرك بوعي قيمتها‏..‏ ولم يعد هناك رجال يؤمنون بما قدمت أو أعطت، ونتفاخر أن لدينا وزيرة أو مديرة أو مسؤولة برغم أن هذا أبسط حقوقها، وعلي الكراسي مئات الرجال الكسالى واللصوص وسارقي أموال الشعب في آلاف الوظائف والمناصب والرتب‏..‏
إن حرية المرأة ليست بالشعارات البراقة أو العناوين اللامعة‏، ولكن حرية المرأة أن نحرر عقلها ونمنحها فرصة الرجل في العلم والفكر والثقافة فهي ليست أقل منه حكمة وثقافة ووعيا‏..‏
كان آباؤنا يرون أمامهم هذا الظلم البين واضحا في غياب تكافؤ الفرص وتوزيع المناصب لمن لا يستحقون‏..‏ ولم يتحركوا..‏ وكانوا يرون هذا الظلم في توزيع ثروات الوطن علي اللصوص والمرتشين‏،‏ ولم نيدركوا خطورة ذلك، وكانوا يرون هذا الظلم في انقسام المجتمع إلى فئات وجماعات من أصحاب المصالح‏..‏ ولم يعترضوا، من هنا لم يكن غريبا ألا تجد المرأة فرصتها في هذا المجتمع، لقد اعتدنا أن تكون المرأة على هامش حياتنا برغم خطورة دورها‏..‏ وأن نجد بعض الأشخاص ينعمون بكل شيء‏، بينما يقف المجتمع كل المجتمع ينظر إليهم صامتـا وهو لا يملك أي شيء‏، ولم يكن غريبا أن نوزع المناصب والألقاب ونسقط هذا تحت دعوى أنه غير لائق اجتماعيا أولا يصلح لأداء المهمة‏..‏
إن قضية المرأة ستبقى قضية مجتمعية إنسانية بامتياز، وهي قضية الرجال والنساء، لأنها قضية مركزية تسعى إلى إقامة العدل المجتمعي المبني على القيم الإنسانية الخلاقة، وعليها يتمحور كل مشروع مجتمعي يسعى إلى التنمية الكاملة والمستدامة التي لا تقام إلا على قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص والتقاسم والاحترام والتقدير والاعتبار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.