احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: من أجل إطلاق سراح الديمقراطية التشاركية

الخط الاحمر: من أجل إطلاق سراح الديمقراطية التشاركية

زهر الدين طيبي: كيف يمكن إطلاق الديمقراطية التشاركية والحد من إكراهات العدد والوثائق المطلوبة لتقديم العرائض وملتمسات التشريع؟ لماذا كل هذا الخوف من منافسة الديمقراطية التشاركية للديمقراطية التمثيلية؟ ألا يفكر البرلمانيون ومعهم الحكومة في البدائل التي يمكن أن تظهر طالما أن الخناق مشتد على المبادرات التشاركية؟ لماذا لم تستطع القوانين التنظيمية مواكبة دستورَ المملكة، فيما يرجع إلى الديمقراطية التشاركية؟

في ندوة علمية حول “الديمقراطية التشاركية بين إشكالات الواقع وآفاق التطوير”، نظمتها لجنة العرائض بمجلس النواب، يوم الثلاثاء 25 فبراير 2020، استعرض رئيس مجلس النواب، الحبيب المالكي، أربع صعوبات، اعتبرها تحول دون التفعيل المكثف للعرائض المقدمة لمجلس النواب، وقال في هذا الصدد، إِنَّ “المبادرات المُتَوَّجَةِ بالقَبُولِ، وحتى التي تقدمتْ في الإِعْدَادَ ما تزالُ دون الطموح الوطَني المشترك”.

وبسط المالكي الصعوبات والإشكالات التي رصدها مجلس النواب من خلال الممارسة، إذ اعتبر أن الصعوبة الأولى، ترتبط بالمساطر وعدد التوقيعات، أما الصعوبة الثانية، بحسب المالكي، “تتمثل في الحاجة إلى المهارات الضرورية التي ينبغي أن تتوفر في مُعِدِّي وحَامِلِي المبادرة المواطنة (عريضة أو ملتمس). وتكمن الصعوبة الثالثة بالنسبة لرئيس مجلس النواب فيما أسماه سُوءَ الفهم فيما يَرْجِعُ إلى تدبير التواصل بين هيئات المجتمع المدني من جهة، والمؤسسات المعنية بتلك العرائض والملتمسات من أجل التشريع من جهة أخرى”. أما الصعوبة الرابعة: التي رصدها مجلس النواب، “فتتمثل في صعوبة الولوج الى المعلومات التشريعية”.

المؤكد أنه عندما تم تناول الديمقراطية التشاركية في دستور المملكة، كانت المبادرة جريئة وجِدُّ طَموحٍة، وجدُّ تحررية، إٍذْ استَحْضَرَ الدستور أهميةَ توسيعِ المشاركة وتمكينِ المواطنين من وسيلةٍ للمساهمةِ والتأثيرِ في التشريع وفي السياسات العمومية، ولكن بالنظر لما جاءت به القوانين التنظيمية في إطار تنزيل هذه المبادرة، يبدو واضحا أن المشرع المغربي أخلف موعده مع التاريخ على أكثر من صعيد. ففي الوقت الذي لا تطلب فيه دول كألمانيا وكندا غير توقيع واحد واحتضان الملتمس أو العريضة من نائب برلماني، عقد المشرع المغربي المساطر، وخاصة ما يتعلق بعدد التوقيعات الضرورية حتى يكونَ الملتمسُ من أجل التشريع أو العريضة مُقْبُولَيْنِ”. فعددُ خمسةٍ وعشرين ألفَ توقيعٍ المطلوب في لائحة دعم الملتمس، وعدد خمسةِ آلاف المطلوبة في لائحة دعم العريضة، مع كل الوثائق المطلوبةِ، يعتبران من العوائق التي تعرقل تنزيل مطلب الديمقراطية التشاركية، أضف إلى ذلك أنه في زمن الرقمنة والفضاء الرقمي لا زال المشرع يشترط وثائق من قبيل شهادة التسجيل في اللوائح الانتخابية، صورة شمسية لبطاقة التعريف الوطنية وشهادة من السجل العدلي لكل مواطن يدعم العريضة أو الملتمس، ولنا أن نتصور حجم الصناديق التي تحمل كل هذه الوثائق والتي يجب حملها إلى مقر رئاسة الحكومة لتقديمها.

فهل بهذه القوانين نشجع الديمقراطية التشاركية أم نخشاها ونضع العراقيل أمام تنزيلها وإطلاق مبادراتها؟

في مقابل هذا التوجس والخوف من المبادرات المواطنة، يُجمع المتتبعون للعالم الافتراضي بأن مواقع التواصل الاجتماعي، باتت تشكل أداة قياس لمنسوب الأزمة السياسية، حيث استطاعت أن تتحول إلى صانع للرأي العام بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، فقد كانت خلال سنة 2018، عاملا محركا لمجموعة من الحركات الاجتماعية التي كان لها وقع على المعيش اليومي للمغاربة في مختلف المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولعل هذا الأمر هو الذي كشف عن هشاشة الأحزاب والنقابات ومختلف مؤسسات الوساطة التي بدت عاجزة عن القيام بأدوارها بين المواطنين ومختلف مؤسسات الدولة قصد إيجاد بدائل تنموية واقتصادية تكون قادرة على تجاوز الاحتقان، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ما فرض تحركا فوريا لرئيس الحكومة عبر زيارات مكوكية لبعض الجهات في إطار التواصل مع المواطنين والاطلاع على عراقيل التنمية. وإن كان التواصل السياسي للحكومة بدوره يحتاج إلى كثير من الوقفات.

لقد تميزت السنوات الأخيرة بأحداث كثيرة شغلت بال المغاربة أحيانا، وهزت مشاعرهم أحيانا أخرى، وقد كانت مواقع التواصل الاجتماعي حاضرة بقوة في مختلف هذه المحطات، على المستوى الاجتماعي بدأت من “احتجاجات العطش” في زاكورة، مرورا بأحداث الحسيمة ثم ضحايا مناجم جرادة العشوائية وشهداء الشقق، حيث خرج المواطنون من أجل مطالبة الحكومة ببديل اقتصادي، وصولا إلى قضية فتاة “الوشم” ثم جريمة شمهروش وهو الحادث الإرهابي الذي راحت ضحيته سائحتان اسكندنافيتان. أما على المستوى الاقتصادي، فقد كانت حملة المقاطعة الافتراضية لمنتجات ثلاث شركات تعمل في مجال المحروقات والماء والحليب، العنوان البارز، لتنتهي سياسيا باحتجاجات تلاميذية ضد ترسيم التوقيت الصيفي والساعة الإضافية، واللائحة طويلة.

لقد أثبتت الاحتجاجات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي قوتها، وانتقلت من العالم الافتراضي إلى الواقع، الأمر الذي دفع الحكومة إلى القيام بردود فعل متباينة للتجاوب معها، بالنظر إلى ارتفاع درجة الاحتقان العام، وغياب الإبداع عند صانع القرار السياسي وضعف مؤسسات الوساطة. وكلها إشارات لابد من التقاطها قبل فوات الأوان. طبعا لا بد من التوضيح أن الرقابة الشعبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا تعني بأي حال من الأحوال تغوُّل المجتمع المدني وتحوله إلى سلطة إجبار من خلال سعي ناشطين إلى إرباك الدولة وإضعافها داخليا وخارجيا، بدل التحاور معها وإقناعها بالإصلاح دون إحداث الفوضى، والإخلال بالنظام العام، من هنا تأتي ضرورة رفع الالتباسات المحيطة بدور المجتمع المدني، وعدم حلول الجمعيات المدنية وشبكات التواصل الاجتماعي محلّ الدولة، مع ضرورة إشراك المجتمع المدني في صناعة القرار.

آخر الكلام أنه في خضمِّ تزايُد تأثير المجتمع المدني في توجيه قرارات الحكومات، خاصة في ظلّ انتشار وسائط التواصل الحديثة، وما تطرحه “مزاحمة” الديمقراطية التشاركية للديمقراطية التمثيليّة من مخاوفَ من أنْ تتراجعَ هذه الأخيرة، هناك إجماع على أنّ الديمقراطية التشاركيّة باتتْ عُنصرا لا محيد عنه لإدارة الشأن العام. وفي المقابل لا مناص من التأكيد أن نجاح هذه الديمقراطية التشاركية يستدعي منَّا التفكيرَ الجماعي وتقييم هذه التجربة الفتية والواعدة بحثًا عن المرونة في إطارٍ مِنْ التوافقِ وفي ضوءِ الممارساتِ المقارنة، إذا كنا فعلا نريد إطلاق سراح المبادرات المواطنة والرقابة الشعبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.