احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: بلدية الانكسارات

الافتتاحية: بلدية الانكسارات

بقلم: عبد المنعم سبعي:
قبل حوالي خمس سنوات مضت وبالضبط في أكتوبر من سنة 2015 كتبت افتتاحية عنونتها ب ” زواج باطل بين حزبين متحالفين متناحرين ” وكانت المناسبة هي تشكيل مكتب بلدية وجدة بعد انتخابات رابع شتنبر 2015، ومما صدرت به هذه الافتتاحية المطلع التالي ” عندي شعور بأن أغلب سكان مدينة وجدة لا يعطون لتشكيل مكتب بلدية وجدة عقب الانتخابات المحلية والجهوية الماضية ما يستحق من الاهتمام والدراسة والتوقعات .. تبدو الأحداث أمامنا وكأن هذا المجلس شيء عادى، وأن ما جرى أثناء انتخاب الرئيس ونوابه مجرد عاصفة سياسية عابرة رغم أنه في تقديري حدث ضخم سوف تترتب عليه آثار واسعة إن على مستوى روح الديمقراطية والمشاركة السياسية في الاستحقاقات المقبلة أو على صعيد مصلحة المدينة والسكان… ” وفعلا كانت هذه التنبؤات صائبة حيث لم يعد خافيا على أحد ما وصلت إليه هذه البلدية من بؤس وشح في العطاء، وتلكؤ في المهام، خصوصا بعد الذي حدث في الدورات المتعاقبة، وانعكس ذلك بشكل لا يقبل المجادلة على الواقع الاقتصادي والجمالي للمدينة ومصالح سكانها ومؤسساتها، ولا زالت الإدارة مكتوفة الأيدي تجاه هذه الحالة الفريدة، ولم تلجأ إلى القضاء من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، فساد شعور بالغبن لدى السكان ونفضوا أيديهم من هذا المكتب الذي ضاعت معه المدينة.
لقد نبهنا في هذا المنبر ومنذ تشكيل مكتب هذه الجماعة إلى أن صعوبات كبيرة ستعترض مسيرة هذا المجلس لأنه كما يقال خرج من الخيمة مائلا، وكنا نتوجس أن لا تأتي انتخابات الرابع من شتنبر 2015 بثمارها الديمقراطية وأن تزيد من معاناة مواطني وجدة فيما يتعلق بالخدمات المفترضة في المجالس المنتخبة، وكان هذا التوجس يضمحل بين الفينة والأخرى حينما نغلب بعض الإيجابيات التي جاءت بها هذه الانتخابات، ومع وعينا بأن لكل وسيلة غاية تبررها ، فقد كان الشعار الأهم لهذه الفترة الماضية من عمر هذا المجلس يتلخص في تعطيل مصالح المواطنين وتفويت فرص مهمة من تنمية مدينة وجدة بسبب التأخر في صرف الميزانية والشنآن القائم بين الرئيس ونوابه.
إن طريقة تشكيل مكتب بلدية وجدة، والمد والجزر الذين عرفتهما المفاوضات والتحالفات الحزبية والإملاءات التي فرضت على أحزاب من مكاتبها المركزية، تحمل من الإشارات ما كانت تؤكد على أن مخاطر كثيرة وصعوبات جمة تنتظر هذا المجلس الجماعي لمدينة الألف سنة، ولعل اندلاع شرارات البيانات منذ نهاية جلسة انتخاب الرئيس ونوابه سواء من حزب المصباح أو حزب الميزان يكبر هذا المعطى بالوضوح اللازم، الكل غير راض، فلا حزب الاستقلال قنع بالرئاسة التي لم يكن يحلم بها، ولا حزب الجرار استطاع أن يستسيغ الطريقة التي زهد بها في منصب طالما حن إليه، ولا حزب المصباح كان قادرا على تجاوز آلام الضربات التي تعرض لها.
يحق لكل متتبع أن يطلق على السنوات الماضية من عمر المجلس الجماعي لمدينة وجدة بالسنوات العجاف، فقد عاشت مدينة وجدة خلال هذه االسنوات ، ظروفا صعبة وغير منتظرة، كان عنوانها ترهل الخدمات الجماعية وفشو الفوضى، وغياب مصلحة المدينة والسكان من أجندة الفرق الحزبية، فما بين أحلام التغيير وتجويد الخدمات الجماعية وبين قيود الارتباك ورفض الميزانية في الدورات العادية والاستثنائية، وتخلي نواب الرئيس عن تفويضاتهم عاش الوجديون مرارات متكررة ومسترسلة بدأت بشيوع الفوضى في الشوارع واحتلال الملك العمومي، واستشراء الفساد في أجل مظاهره ببعض أقسام البلدية، فتخلت البلدية تبعا لذلك عن الكثير من مسؤولياتها. لا يهمنا تعليلات كل فريق بخصوص قراراته سواء بخصوص رفض الميزانية أو بخصوص صب مزيد من الزيت على نار الحزازات، فلكل تداعياته وحساباته الراهنية والمستقبلية، ولكن ما يهمنا أكثر هو هذا التكالب على مصالح مدينة وجدة وسكانها خدمة لأجندات معينة.
أمام هذا الوضع البئيس للعمل الجماعي بمدينة وجدة ألم تجد مدينة وجدة من أبنائها البررة من يدعو إلى وحدة الكلمة ورص الصفوف لصالح المدينة وسكانها، ألم يحن الوقت بعد لينطق المجلس الجماعي لوجدة بصوت الحكمة ومصالح الناخبين الذين تشرئب أعناقهم إلى تغليب مصالح المدينة على غيرها من المصالح. إن العمل السياسي حق مشروع لكل مواطن و المشاركة في المحطات الانتخابية وسيلة بناء ديمقراطي وطريقة ناجعة في المفهوم التشاركي الهادف، وهو عنصر من أهم عناصر التدبير الجماعي السليم وهو نور يضئ الطريق لكل من يسعى لتحقيق هدف أو رسالة.. وحين يتحول هذا العمل إلى بذاءات وشتائم وتحريف لاختيارات المواطن فهو يفقد كل مقوماته. إن للمواطنين مطالب وللشارع احتياجات وعلى السياسي أن يكون صوتا للمواطنين وليس سيفا مسلطا على رقاب انتظاراته ومصالحه، أو صوتا لجهة مغامرة تبحث عن مصالحها وتستأجر بنفوذها من يتولى هذه المهمة.. فهل من مصلحة وجدة أن يتحول العمل السياسي إلى صخب مجنون وان تكون رسالة الأحزاب هي تصفية الحسابات وتشويه صورة العمل الانتخابي وادعاء البطولات الكاذبة..إذا كان هناك سياسي يبنى ويعلم ويوجه وينير الطريق فهناك أيضا سياسي وصولي يشوه الحقائق ويلهث وراء المصالح ويدفع بالمواطن اللبيب إلى اليأس والقنوط.
في اعتقادي أن البوح بحب المدينة وحده لا يجيز ارتكاب الحماقات في حق المدينة، فلطالما سمعنا لخطابات ومرافعات سياسية تتغنى بحب المدينة وتستذكر تاريخها المشرق وتبكي أطلالها وما ضاع من ذاكرتها، ومع ذلك بعد وصول أصحابها إلى مراكز التسيير لم يفلحوا في تقديم أي إضافة للمدينة بل كرسوا أشكالا من التخلف والتهميش، واغتنوا بطرق ملتوية وساهموا في التشويه العمراني للمدينة. إن أقسى اللحظات ضراوة في تاريخ البشر هى غياب الصدق والضمير الحي والمحاسبة الذاتية، والغريب أن تجد قائدا دمر العالم كله مثل هتلر وكان يعيش قصة حب..وقد تجد إنسانا يذوب حبا..وقطع رأس امرأة أحبها وكم من الدماء سالت في سراديب الحب والعشاق.. ولكن الذين عرفوا صحوة الضمير وصدق المشاعر لا يعرفون أساليب التضليل والغش والمزايدات على مصالح المواطنين ومصالح تجمعاتهم ..
كثيرا ما نفهم الأشياء بما يرضينا ونتجاهل حقيقتها والحقيقة المؤكدة أن الإنسان مجموعة من القيم وليس مجرد أنانيات ومصالح ذاتية أو حزبية ضيقة، وأنه حين تصبح الغربان في صدارة الموكب وتختفى أسراب العصافير لا بد أن يراجع الإنسان نفسه ويسأل لماذا رحلت العصافير.. والعصافير حتما لن تعود إلا بعد رحيل الغربان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.