احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: استوزار الوجديين قد أفل

الافتتاحية: استوزار الوجديين قد أفل

بقلم: عبد المنعم سبعي
عندما وصل عبد العزيز أخنوش إلى رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، كانت الإشارات المنبعثة من المطابخ السياسية تشي أن الحزب الأزرق سيشهد انتعاشة ملفتة، وعندما حل بوجدة سنة 2017 في لقاء تواصلي، اتضح أن الأمور تسير في اتجاه المصالحة ولم الشمل الذي تفتت، ومعاودة الحلم الذي تبدد، وكان التجمعيون الوجديون أو لنقل المنحدرون من الجهة الشرقية يعتقدون أن المشاورات التي كانت على قدم وساق لتشكيل حكومة العثماني الأولى ستعيد بعض الحقائب لوزراء محسوبين جغرافيا على هذه المنطقة، لكن هذه الحكومة لم تف بالغرض المطلوب وشكلت انتكاسة لمناضلي الحزب جهويا.
من اللافت للانتباه في حصة وزراء جهة الشرق المنتمين لحزب الحمامة في الحكومة العثمانية الثانية أنها لم تحمل أي وزير تجمعي من جهة الشرق بعدما زهد الحزب في تلك الحقيبة اليتيمة التي آلت إلى أوجار وزير العدل السابق، وهي المناسبة التي عجلت بمجيء أوجار على رأس التنسيقية الجهوية للحزب بجهة الشرق. ضآلة حصة جهة الشرق من نصيب الوزراء التجمعيين تنعطف بنا نحو استحضار الحضور القوي للجيل الذي تابع وتفاعل مع ميلاد الحزب أواخر السبعينيات من القرن الماضي ومن الجيل الذي كانت له كلمته على المستوى المحلي والجهوي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، وبالرغم من الأخطاء والضربات التي تعرض لها الحزب خلال مسيرته السياسية، لا زال الأمل في انبعاث الحزب مرة أخرى من الجهة الشرقية قائما.
إن الحديث عن حزب التجمع الوطني للأحرار ينعطف بنا حتما إلى استحضار الجهة الشرقية وأبنائها وخاصة الرئيس المؤسس أحمد عصمان، وعندما يتحدث السياسي المغربي عن المسيرة الخضراء يرتبط اسم التجمع الوطني للأحرار بهذه المرحلة، فقد أبرزت دراسة سرية أن جل المشاركين في المسيرة غير منخرطين ولا مؤطرين في أحزاب سياسية، ولقد كان لفشل الحكم في استقطاب الحركة الوطنية إلى الحكومة عقب رفض الكتلة الوطنية لدستور 1972 وللمحاولتين الانقلابيتين ولأحداث 3 مارس 1973 أثرها الكبير في أن يفكر النظام في إعادة التوازن للمشهد السياسي بالمغرب عن طريق استثمار النتائج السياسية الداخلية للمسيرة الخضراء في الخريطة السياسية للبلاد، ولأن السيد أحمد عصمان كان وزيرا أولا ويربطه بالقصر نسب المصاهرة، فقد كان الشخص الأنسب ليلعب الدور الريادي في هذا المشروع، ومن ثم سيعمل على تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار انطلاقا من 140 نائبا حرا ولجوا باب البرلمان كلا منتمين.
ومعلوم أن المصالح السياسة العليا لا تقف عند احترام الاختيارات، لذلك يبقى تدخل الدولة كعقل استراتيجي لتوزيع الأدوار أمرا ضروريا لتجاوز إكراهات المرحلة، فقد كان لذلك تداعيات أخرى في تكوين هذا الحزب، في البدء كان لإدريس البصري دور كبير في إقناع الرافضين لإضافة حزب جديد للحقل السياسي من بين 140 نائبا وخاصة تلك الأطر القادمة من حزب الاستقلال أو الاتحاد الوطني … وما أن حل أكتوبر 1978 حتى كان ادريس البصري قد سلم شهادة ميلاد التجمع الوطني للأحرار الذي ارتبط ارتباطا عضويا باسم رئيسه، لكن أولئك الذين كانوا يعتقدون أن حزبا يرأسه أحمد عصمان بكل الذي شاع عنه من تربية دار المخزن لا يمكنه أن يشاغب في المنطقة المكهربة، سرعان ما سيستفيقون على محاولة الرجل لكسب استقلالية عبر جرأة قد تراها السلطة نشازا على تربية دار المخزن. فهذا الرجل سيدافع عن الراحل علي يعتة رئيس حزب التقدم والاشتراكية المعارض في مرحلة حاسمة، وسيعارض مشروع رفع الحصانة البرلمانية عن محمد اليازغي النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي، وسيوجه مذكرة إلى جلالة المغفور له الحسن الثاني عند إثارة ملف الاستفتاء في قضية الصحراء، ملتمسا منه ضرورة التحفظ في هذا الشأن، كما وجه له مذكرة أخرى بعد أحداث الدار البيضاء سنة 1981 مؤكدا أن هذه الأحداث لها أسبابها من تفشي الرشوة واختلال موازين العدالة وسوء استعمال بعض أساليب السلطة… لذلك سيعرف التجمع الوطني للأحرار عدة ضربات، بدء بانشقاق 1982 وتأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، مرورا بانشقاق 1984 وتأسيس حزب الاتحاد الدستوري ووصولا إلى محاولات الطيب بن الشيخ والحافظي العلوي..ولما بدأ السيد عصمان يمد جسوره مع أحزاب المعارضة داخل قبة البرلمان منذ 1984، والتي بلغت أوجها في 1989 عندما رفع ملتمس الرقابة لإسقاط الحكومة وكان يومها أحمد عصمان رئيسا للبرلمان، أحس الملك الراحل الحسن الثاني كما لو أن التجمع الوطني للأحرار سيصوت مع المعارضة لإسقاط الحكومة ونظرا لحرارة النقاش طالب الملك بإيقافه، غير أن عصمان اعتبر ذلك بمثابة “إغلاق للبرلمان وإجهاض للتجربة ” وجاهد من أجل حل وسط.
لقد تربع حزب التجمع الوطني للأحرار على لائحة الأحزاب التي اختارت وزراءها من الجهة الشرقية بنسبة متميزة فاقت نصف كل الوزراء المنحدرين من الجهة الشرقية، وهذا الانفراد ربما يبرره الرباط الوثيق الذي ربط حزب الحمامة ببعض الشخصيات المنحدرة من الجهة الشرقية، ولذلك بقي هذا الحزب وفيا لأطر هذه الجهة التي هرولت في لحظة من اللحظات لأخذ مكانتها في حضن هذا الحزب. فهل كان لانتماء عزيز أخنوش لجهة سوس أثره في فك رباط الحزب مع أطر جهة الشرق وعدم استوزارها؟ أم غياب أطر سياسية ذات كفاءة عالية منحدرة من الجهة كان وراء هذا الشح في استوزار أبناء جهة الشرق؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.