احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > سعيد سونا يكتب: متى يمنع المشرع رجال الأعمال من دخول السياسة؟

سعيد سونا يكتب: متى يمنع المشرع رجال الأعمال من دخول السياسة؟

يقال ما اجتمعت الثروة والسلطة إلا وكان الفساد ثالثهما، ويرى البعض أن العلاقة بين السلطة والمال جريمة كاملة ومكتملة الأركان، فمقابل الثروة تتنازل السلطة عن أعز ما تملكه، الأمانة والشرف، ويكون الوليد مكروها، فإذا أردت إفساد أي مجتمع، فما عليك إلا فتح باب الزواج بين السلطة والمال، أي تسمح لرجل الأعمال أن يكون رجل سياسة، عضواً في البرلمان، أو وزيرا، أو رئيس وزراء، أو حتى رئيس دولة، وهنا يشارك رجل الأعمال في صنع القرارات التي تخدم مصالحه.
أعجبتني تجربة الرئيس الروسي بوتين، الذي أدرك مبكراً خطورة استيلاء رجال الأعمال على السلطة، فاتخذ قراره بإبعاد رجال الأعمال عن شؤون الدولة الروسية، وأراد صاحب شركة “يوكوس” النفطية العملاقة، الملياردير اليهودي خودوروفسكي دعم خصوم بوتين السياسيين، بهدف إزاحة بوتين، واستبدال رجال حكم يمكنهم حماية مصالحه به، لكن بوتين خريج مؤسسة الاستخبارات السوفياتية العتيدة، لم يكن بالرجل الذي يسهل اصطياده، فنال المليارير اليهودي حكماً قضائياً بالسجن مدة 9 سنوات، بتهم عدة، منها التهرب من الضرائب والتزوير والاختلاس، وصدر الحكم بعد 12 يوماً فقط من إعداد الحيثيات، وليس بعد أعوام أو عقود من الزمن، كما يحدث في بعض دول العالم الثالث، ودفعت شركة “يوكوس” المملوكة للملياردير 20 مليار دولار ضرائب مستحقة للدولة .
في المسافة ما بين رجل الأعمال الشريف الذي لم تنعش السياسة من ميزانيته، وبين الملياردير الروسي خودوروفسكي، الذي زج به استخدام النفوذ لجمع المزيد من الأموال في ظلمات السجون، يقف نموذج الأب الروحي الذي جسده النجم آل باتشينو في ثلاثية المخرج فرانسيس فورد كوبولا المعروفة، حيث يحاول المال الملوث بالدماء، استمالة رجال السياسة، وشراء ضمائرهم، لغسل آثار ما اقترفوه من جرائم .
كان خودوروفسكي يلقب بأنه الرجل الذي لا يرحم، وهذه مشكلة رجال الأعمال الذين لا يملكون القيم والأخلاق، إنهم لا يرحمون، ولا رأفة لديهم تجاه شعوب بلادهم، وينسون أن القبر ينادي كل يوم أنا بيت الدود .
إن مكمن الخطورة في الخلط بين السلطة والمال، أنه يؤدي إلى تحويل التاجر إلى حاكم، والحاكم إلى تاجر، وتتحول الأوطان إلى هياكل كرتونية، تعصف بها الرياح في أي زمان، إلى أي مكان، ويتربص الخطر بالأمن القومي من جميع الاتجاهات .
إن رجال الأعمال إذا دخلوا للسياسة أفسدوها، كان رجال الأعمال يخسرون المنافسة في مواجهة الشخصيات الوطنية المعروفة بحسها وولائها، وانتمائها للشعب والوطن، وقديما أيضا كان رجال الأعمال يهتمون بأعمالهم وتجارتهم فقط، وكانت السياسة من نصيب أهلها، لكن الصورة تغيرت، وأصبحت السلطة مبتغى، وحلماً لرجال الأعمال، ففي غياب الضمير، يسلكون مسالك عدة للسيطرة على السلطة، منها البقاء خارج دائرة السلطة، والعمل على اختطاف رجال السياسة، بهدف تحويل مؤسسات الدولة إلى مناطق نفوذ، وبالتالي إحكام القبضة على السياسيين، وتحويلهم إلى أدوات لتحقيق مصالحهم التي غالبا ما تكون مصالح فاسدة، ولو لم تكن كذلك، ما كان شيء يضطرهم إلى التحايل، واستمالة السياسيين مقابل مبالغ أو نسب محدودة.
ومن هذه المسالك أيضا مزاحمة رموز الحكم على مقاعدهم، ومن ثم التحول إلى وزراء أو مسؤولين كبار، وهذه الطريقة يراها البعض أقل كلفة من الوجود خارج دائرة السلطة، حيث يصبح الراشي والمرتشي شخصاً واحداً، والقاعدة أن رجال الأعمال لا يعطون شيئاً من دون مقابل، فالمال يشتري النفوذ والفعل، والمحصلة هي المردود المالي الكبير من الصفقات الأكثر ربحا، والتي يكون وراءها رجال السياسة بشكل مباشر أو غير مباشر .
ولهذا أصبح من الضروري الاجتهاد تشريعيا، عبر خلق قانون يمنع رجال الأعمال من دخول السياسة، وبالتالي الحفاظ على نبل السياسية، ومن ناحية ثانية التصدي للفساد والاستبداد، وضمان منافسة اقتصادية شريفة، وتأتي الحاجة لهذا القانون بعدما شهدنا وزراء، ورؤساء مجالس ينتخبها الشعب، يقومون بتهريب إرادة الشعب، نحو استغلالها بطريقة بشعة، من خلال توظيف مناصبهم للفوز بصفقات المال العمومي، في اغتيال تام للدولة، وللمنافسة الشريفة، بل يذهبون إلى أكبر من ذلك، من خلال شراء وسائل الإعلام، والقضاء لإخراس كل صوت شريف يدعوا للقطيعة مع هذا النشاز …
يطبق رجال الأعمال شعار:”خدمني نخدمك” بمهارة وفن وحرفية، وأحيانا بوقاحة نادرة يحسدون عليها، وعلى رأس هؤلاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس التركي طيب رجب أردوغان ، وحتى لانعمم هناك من رجال الأعمال الذين جمعوا بين السياسة والتجارة، لذا فإن رجل الأعمال المحترم الشريف، هو الذي يصل إلى المنصب السياسي من دون النظر بعين الاعتبار للمال، بخلاف آخرين يحلمون بالغنائم، وخصوصاً الكبيرة منها، وينظرون إلى المنصب السياسي باعتباره حلماً كبيرا يتقاتلون من أجله كوسيلة لزيادة ثرواتهم، والتحول إلى إمبراطوريات .
رجل الأعمال العديم الوطنية، يتحول إلى شيطان كبير، يستخدم ماله في النفاذ إلى مراكز صنع القرار لدى الطبقة الحاكمة، بهدف انتزاع تسهيلات غير مشروعة، خارج إطار القانون، لم يكن بمقدوره الحصول عليها، إلا من خلال صاحب القرار السياسي الفاسد الذمة.
الأمر الذي يغيب عن أهل السياسة، أن المردود المادي الذي يحصده رجال الأعمال يفوق كثيراً المقابل الذي يتقاضاه أهل السلطة نظير التسهيلات التي يقدمونها…إن إعفاء رجل الأعمال من دفع مستحقات كبيرة للدولة مقابل مبالغ بسيطة تقدم للمسؤولين كرشوة، يؤدي إلى تعاظم ثروتي رجل الأعمال الراشي ورجل السياسة المرتشي، ويخسر المجتمع مبالغ طائلة مستحقة من المفترض إنفاقها لتحسين البنية التحتية من خدمات صحية وطرق وتعليم وخلافه .
إن المحصلة تقول بأن الاختيار بين هذا النظام أو ذاك معقود على الرغبة في تحقيق الأهداف المبتغاة، فإذا كانت المعرفة والتقدم والتنمية هي المنشودة، فالرأسمالية هي السبيل، وإذا كان البحث عن السيادة الداخلية وتقييد حركة المال، فنكون أمام الرغبة في الاشتراكية، أما إذا كانت الرغبة تكمن في الجمع بين التقدم والتطور ودوران المال، في تناغم مع دور السلطة التي تسهر على تحقيق الاستقرار والأمن الداخلي بما تضعه من قيود من أجل الحد من سيطرة المال، إلى جانب تحقيق المعرفة التي تخدم الإنسان في جميع الميادين، فالمطلوب هو النظام المختلط الذي قد يناسب الدول ذات الموارد الطبيعية الغنية والمتوسطة والفقيرة، وبهذا النظام تلتقي أضلاع المثلث من سلطة ومال ومعرفة.
يقول رئيس الحكومة المغربية السابق “رجال المال يسيرون أفضل من رجال السياسية، ممكن، لكن عندما يكونون يسيرون مع الشركات والأعمال والبورصة”، مضيفا بأن “التعامل مع المواطنين لا يحسنه إلا السياسيون” ولذلك يظهر الفرق بين رجل الأعمال المسيس والغير مسيس.
في الحالة المغربية ينصب على تقاطع مصالح رجل الأعمال والرجل السياسي، خاصة في غياب الشفافية والحرية والمساءلة، إذ يقوم رجل السلطة بتسهيل الأعمال والاستثمار وصياغة القوانين والتشريعات، بما يخدم مصالح رجال الأعمال.
في المقابل، يقوم رجل الأعمال بملء جيوب الساسة أحيانا بالمال الحرام وشراء الذمم، وتوجيه الإعلام بما يخدم السياسي وغيرهما من المصالح المتقاطعة.
وفي هذا الصدد قال محمد رضا مقتدر، باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، ” زواج المال والسلطة والخطر الذي تشكله على مسار الانتقال الديمقراطي في المغرب فهذا لا يختلف عليه اثنان، ذلك أن السلطة تحمي الثروة، وتمنح الامتيازات لتوسيع مجال التجارة والأعمال “.
وتابع “أنه قد يوظف رجل الأعمال سلطته السياسية للحيلولة دون تمرير أي تشريع أو قرار قد يلحق الضرر باستثماراته، بالإضافة إلى درجة الفساد التي قد ترتفع بسبب زواج المال بالسياسة وتوظيف المال في شراء تعاطف وتأييد المواطنين والسياسيين وحتى وسائل الإعلام “.
وسجل المتحدث نفسه أن “القانون الدستوري والقانوني بالمغرب يعاقب على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، ويضع الضمانات الأساسية لعدم الجمع بين ممارسة الأعمال التجارية والاضطلاع بالمسؤوليات العمومية “.
ورغم كل هذا يبقى إخراج قانون يمنع رجال الأعمال من دخول السياسية، هو الحل الوحيد لحماية الوطن والديموقراطية، رغم علمنا مسبقا أن المال قادر على تجاوز النصوص القانونية، خصوصا كما يقول الإعلامي اللامع أحمد منصور “حينما يقع المال في يد السفهاء يصبح نكبة عليهم وعلى من حولهم”، والسلطة حينما تقع في أيديهم يتحول الواحد منهم كما نشرت صحيفة الديلي ميل البريطانية عن أحد حكام الخليج إلى “ثور هائج ” كل ما يعرفه ويملكه هو استخدام قرنيه وتدمير كل ما حوله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.