احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: اتقوا الله في هذا الوطن وكفى دفاعا عن المفسدين

الخط الأحمر: اتقوا الله في هذا الوطن وكفى دفاعا عن المفسدين

زهر الدين طيبي

لماذا كل هذه الممانعة البرلمانية ضد تمرير قانون الإثراء غير المشروع، الذي ظل حبيس أركان رفوف مجلس النواب منذ أربع سنوات؟ هل يدافع البرلمانيون عن ثرواتهم غير المشروعة، أم يدافعون عن الجماعات الضاغطة المستفيدة من الفساد؟ لماذا يرفض البرلمان تجريم مراكمة الأموال عن طريق المناصب السياسية والمسؤوليات الإدارية داخل الدولة؟ أيهما أولى، الدفاع عن مصالح الوطن أم الدفاع عن المفسدين؟
قضت يوم الأربعاء الماضي، الغرفة الجنائية الابتدائية لجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش بإدانة مدير الوكالة الحضرية السابق والمتورط في قضايا الرشوة، بعشر سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية قدرها مليون درهم. كما حكمت نفس المحكمة على زوجة المدير وصديقه المهندس المعماري بخمس سنوات سجنا نافذا وغرامة نافذة قدرها مليون درهم، وتحميلهما الصائر والإجبار في الأدنى، بعد متابعتهما بجناية “المشاركة في الارتشاء”، طبقا للفصلين 248 و129 من مجموعة القانون الجنائي.
ونحن نتابع تطورات قضية محاكمة مدير الوكالة الحضرية بمدينة مراكش ومن معه نتساءل: هل هذا المسؤول لوحده متورط في الفساد والرشوة في قطاع التعمير؟ وماذا عن لجنة الاستثناءات التي تحول المساحات الخضراء إلى تجزئات سكنية وتلتهم الأخضر واليابس؟ وكيف نسمي الخروقات الخطيرة التي عادة ما تتم أثناء إعداد تصاميم التهيئة؟ وماذا عن أمثاله ومن معهم وشبكاتهم المعقدة؟ هل قطاع التعمير لوحده غارق في الفساد؟ وماذا عن المستشفيات والجامعات والجهات والجماعات الترابية وكل الإدارات؟ أليست هناك صفقات كثيرة تتم في الظلام وتحت الطاولات ويصبح المسؤولون بفضلها أثرياء جدد؟
ما من شك أن الرشوة تشكل آفة حقيقية وخطيرة في بلادنا، وهي تضر بالعقد الاجتماعي وباقتصاد الوطن الذي تكلفه باهظا. لقد كنا سباقين في أكثر من مناسبة لدق ناقوس خطر الفساد والرشوة في قطاع التعمير، وتحدثنا في أكثر من مرة عن الاستثناءات التي تتم في قطاع التعمير بدعوى تشجيع الاستثمار، وعن الطرق المشبوهة في تدبير رخص ووثائق التعمير المتعلقة ببعض المشاريع، في غياب تام للحكامة والشفافية، وهي كلها أساليب تخفي محاولات لا تتوقف للإثراء السريع وغير المشروع أبطالها رؤساء أقسام وموظفون كبار ومعهم في أحيان كثيرة عمال وولاة. وما علينا إلا أن ننظر في حسابات الكثير من الموظفين الذين مروا بأقسام التعمير وممتلكاتهم الطائلة ونطرح السؤال من أين لهم هذا؟
المؤكد أن أوجه الفساد كثيرة وأشكاله متعددة، من اختلاس المال العام، الارتشاء، الغدر، الشطط في استعمال السلطة، والتلاعب بالصفقات العمومية، حيث يجد بعض مسؤولي الإدارات العمومية والخاصة ضالتهم ويستغلون نفوذهم لتفويت الصفقات بطرق غير قانونية ضدا على المنافسة النزيهة والحرة لفائدة بعض المحظوظين من الأقارب والأصدقاء أو بعض الأثرياء والمحميين والمستفيدين دوما من اقتصاد الريع.
كثيرون هم المفسدون والفاسدون في الإدارات والجماعات الترابية ومراكز القرار، لأن الفساد لا يرتبط بفئة دون سواها من المسؤولين، فهو لا يرتبط فقط بالمنتخبين ولكن أيضا بالمسؤولين المعينين وكبار الموظفين الذين أصبحوا أثرياء بين ليلة وضحاها، وعرقلوا الاستثمار، وأضاعوا على الوطن فرصة التنمية، كما أن هذه النماذج موجودة في كل مدن المملكة، وليس فقط بمدينة مراكش، لهذا نحن اليوم في حاجة إلى تعزيز حماية المبلغين وإعادة النظر في القانون رقم 10-37 المصادق عليه سنة 2011، المتعلق بحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين عن جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ، للحد من الفساد واغتناء بعض المنتخبين والمسؤولين من خلال توظيف مواقعهم الوظيفية، واستغلال مراكزهم كحقل خصب للاغتناء السريع، كما أن البرلمان مدعو لحسم موقفه من تجريم الإثراء غير المشروع والتوقف عن التماطل الذي طال إخراج هذا القانون. لقد أبلغت مؤخرا، قيادة حزب العدالة والتنمية رسميا فريقها بالبرلمان رفضها للتعديلات التي جاءت بها الأغلبية، معلنة أنها تتشبث بما جاء في مشروع الحكومة، ورفضها لأي تراجع حول المقتضيات التي تضمنها مشروع القانون الجنائي. فيما طالب عدد من النشطاء المغاربة بإحداث عريضة “من أجل تجريم الإثراء غير المشروع”، بعد اعتراض بعض الفرق البرلمانية عن التصويت على هذا الشق في مشروع القانون الجنائي الجديد. من جانبه نشر مصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، تدوينة مطولة أبدى من خلالها رأيه فيما يخص موضوع الإثراء غير المشروع،
جذير بالذكر بأن مشروع القانون الجنائي رقم 10.16 المعروض حاليا على مجلس النواب عرف تجاذبا ونقاشا بين المعنيين والمهتمين للحيلولة دون تمريره أو تعديله لما يخدم بعض الجماعات الضاغطة، وقد تضمن تعديل القانون الجنائي فصلا جديدا هو الفصل 256.8 ويحمل عنوان (الإثراء غير المشروع) والذي نص على أنه: (يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بغرامة من 100.000 إلى 1.000.000 درهم، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل ، ثبت بعد توليه للوظيفة أو المهمة أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة، انطلاقا من التصريح بالممتلكات الذي أودعه المعني بالأمر، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة. وأضاف أنه وعلاوة على ذلك، يجب في حالة الحكم بالإدانة، الحكم بمصادرة “الأموال غير المبررة طبقا للفصل 42 من هذا القانون والتصريح بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف أو المهام العمومية طبقا للفصل 86 منه”.
وكانت الأغلبية قد ربطت التجريم بتقارير المجلس الأعلى للحسابات، حيث أكدت، في تعديلاتها، أنه “يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بغرامة من 100 ألف إلى مليون درهم، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل وكل آمر بالصرف”، إذا “ثبت للمجلس الأعلى للحسابات، بعد نهاية توليه للوظيفة أو المهمة، أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة، انطلاقا من التصريح بالممتلكات الذي أودعه المعني بالأمر، بعد صدور هذا القانون، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة مع ما صرح به من دخل، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة”.
المؤكد أن الدستور نص في الفصل 1 على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص الفصل 36 أيضا على الوقاية من كافة أشكال الانحراف المرتبط بنشاط الإدارات والهيئات العمومية واستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها والزجر في حالة حدوثها، وهذه المقتضيات تهدف إلى مكافحة ظاهرة الفساد سواء اتخذ صورة ارتشاء أو اختلاس أموال عامة أو غيرها بكل الوسائل القانونية والمؤسساتية، وبالنظر لكلفة الفساد المنتشر في العديد من المستويات، فإن من شأن تجريم الإثراء غير المشروع أن يمنح الدولة إطارا قانونيا فعالا لمحاصرة ظاهرة الفساد. لهذا نقول اتقوا الله في هذا الوطن وكفى دفاعا عن المفسدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.