احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: حتى لا يكون النموذج التنموي مجرد قرص أسبرين

الخط الأحمر: حتى لا يكون النموذج التنموي مجرد قرص أسبرين

زهر الدين طيبي

لماذا فشلت مختلف الحكومات التي تعاقبت على المغرب في محاربة الفساد؟ هل السبب هو غياب الردع والقوانين أم عدم المحاسبة وعدم تطبيق القانون؟ كيف يمكن أن نفسر تراجع المغرب في ترتيب مؤشر «إدراك الفساد» بعد التحسن الذي كان قد حققه السنة الماضية؟ ما الذي حدث في 2019؟

لم يكن رئيس الحكومة، يعلم ولا يتوقع وهو يصرح أمام مجلس المستشارين، يومين فقط قبل صدور التقرير الأخير لـ«ترنسبارنسي»، أن تقرير 2019 سيكون عكس توقعاته، فقد قال إن الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد تسير وفق ما خططت له حكومته، حيث إن المغرب ضمن البلدان العشرة التي حققت أكبر تقدم في مؤشر إدراك الفساد.

إن الحديث عن النموذج التنموي الجديد لا بد أن يرتبط بمسلمة محاربة الفساد والتهرب الضريبي، كما أن التطرق لمحاربة الفساد لا يمكن أن يتم دون رقمنة الإدارة وتخليقها، ودون تجريم الإثراء غير المشروع كخطوة جريئة في اتجاه تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وترسيخ أسس الشفافية والنزاهة في تدبير قضايا ومسؤوليات الشأن العام، طبقا لمقتضيات الفصل الأول من الدستور الذي ينص على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، في احترام تام لمبدأ عدم الإفلات من العقاب وفي إطار مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. ومع استمرار جلسات استماع اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي لمختلف الفاعلين السياسيين، والمدنيين، وجمع مقترحاتهم حول النموذج الجديد، أصدرت اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحماية المال العام، بلاغا، أكدت فيه أن أي نموذج تنموي، مهما كانت مواصفاته، ومخرجاته، سيكون مصيره نفس مصير البرامج، والمشاريع، والسياسات العمومية، الموجهة للتنمية، ما لم يتم القطع مع الفساد، والرشوة، واقتصاد الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

من جانبه كشف رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، أمام مجلس المستشارين أن حكومته تراهن على رقمنة الخدمات الإدارية، لمحاصرة مظاهر الفساد، وتحسين علاقة المرتفقين بالإدارة. وقال العثماني إن 440 خدمة إدارية تمت رقمنتها، معلنا سعي حكومته لرقمنة أقصى ما يمكن من الخدمات الإدارية، لأن الرقمنة، حسب قوله، من بين أكبر الآليات لمحاربة الفساد، مشددا على أن توجه الحكومة نحو ذلك “وضع لا رجعة فيه”. ولم يفت العثماني أن يشير إلى إعداد حكومته لمشروع قانون الإدارة الرقمية، مؤكدا أن القانون، الذي تعكف حكومته على إعداده، سيمثل أساسا قانونيا لإلزام المسؤولين الإداريين بإرساء قواعد التحول الرقمي في قطاعاتهم.

ما من شك أن كلفة الفساد تبقى مرتفعة، إذ بسببه يفقد المغرب 5% من ناتجه الداخلي الخام، أي ما يعادل 50 مليار درهم سنويا، و27 مليار درهم بسبب الرشوة، والفساد في الصفقات العمومية. لهذا فإن الاستمرار في التطبيع مع الفساد، والإفلات من العقاب، يشكل خطورة حقيقية على الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية ببلادنا، ويقوض سيادة القانون والعدالة، ويساهم في التفاوتات الاجتماعية الناتجة عن احتكار الثروة غير المشروعة من طرف فئة محدودة، كما يزكي التفاوتات المجالية، والاجتماعية. إن غياب إرادة سياسية حقيقية للتصدي للفساد والرشوة ونهب المال العام رغم النوايا المعبر عنها في أكثر من مناسبة بخصوص تخليق الحياة العامة، تجعل المستفيدين من الفساد يشعرون بالأمان ويفلتون من العقاب، وفي المقابل تستمر تداعيات الرشوة والفساد الخطيرة على مستقبل المغاربة في الحرية والكرامة والعدالة، ما يجعل المغرب يصنف ضمن تقرير الأمم المتحدة المتعلق بالتنمية البشرية في المركز 123، كما يأتي في آخر الترتيب الدولي بالنسبة إلى الدخل الفردي، وتتقدم عليه دول إفريقية، وعربية في هذا المجال. 

للأسف، بالرغم من كلفة الفساد الباهظة التي باتت تعيق عجلة التنمية في بلادنا، وبالرغم من الشعارات الرنانة والاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، لا زلنا لم نستطع محاربة هذه الظاهرة، بل تراجعنا في مؤشر إدراك الفساد برسم سنة 2019.

المؤكد أن المشكل لا يكمن في القوانين بقدر ما يرتبط بتطبيقها، ولن نجانب الصواب إن قلنا بأن غياب المحاسبة هو الذي يساعد على انتشار الفساد، لأنه لو كان كل مسؤول يحاسب مباشرة بعد انتهاء مهامه عن المال العام، ما كان أحد يجرؤ على نهب الدولة واستغلال مركزه ومنصبه. طبعا عندنا المناصب رديفة للمكاسب، ودون محاسبة، وفي آخر المطاف يخرج المنتخب أو المسؤول المعين بثروة غير شرعية على حساب المال العام، بعدما يكون قد عاث فسادا في الصفقات العمومية وتلاعب بها، دون حسيب أو رقيب، وحتى تلك القلة القليلة من المسؤولين أو المنتخبين الذين تتم متابعتهم، لا يتم استرجاع الأموال المنهوبة منهم ومن أقاربهم؟ وبالتالي نحن نشجع المفسدين على الاستمرار في التعاطي للرشوة والفساد.

 لو توفرت الإرادة الحقيقية لدى الحكومة للقيام بالمحاسبة بشكل آلي بعد كل ولاية مسؤول أو منتخب، وتمت مراقبة التصريح بالممتلكات وتم تجريم الإثراء غير المشروع، كان منصب المسؤولية سيصبح مرعبا ونذيرا بالحساب عوض أن يكون رديفا للامتيازات والمكاسب. 

طبعا، لا تكفي التصريحات وحسن النوايا، لكن يجب تنزيلها على أرض الواقع. ونحن نتابع قانون «الإثراء غير المشروع» الذي لايزال منذ أربع سنوات في البرلمان، والنقاش الأخير يظهر بشكل جلي أنه لا توجد إرادة سياسية داخل بعض الفرق البرلمانية من أجل زجر الارتشاء بالعقوبة السجنية، حيث اكتفت العديد من الفرق البرلمانية باقتراح عقوبات مالية من خلال أداء الغرامات، ولا يمكن إلا أن يعتبر هذا إشارة خضراء تسمح للمرتشين والمفسدين بالاستمرار. من هنا يمكن الجزم بأن كل الحكومات التي تعاقبت على المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم لم تستطع تنفيذ استراتيجيات إيجابية في هذا الموضوع. 

إن الحد من السلوكيات القائمة على المحسوبية والرشوة، يمكن أن يساعد حتما النموذج التنموي المنتظر على تحرير الطاقات الاقتصادية وتحقيق التنمية. ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا إذا قررنا فعلا محاربة الفساد وكل أشكال التهرب الضريبي، وإحداث قطيعة مع الامتيازات نحو تحقيق عدالة ضريبية وعدالة اجتماعية ومجالية.

إذا استطاع النموذج التنموي الجديد، تحقيق هذه المقاربة، فإنه سيوفر الأرضية المناسبة لتقليص الفوارق الاجتماعية والمساهمة في إنعاش النمو الاقتصادي وخلق دينامية جديدة في مسلسل مكافحة الفساد، لأنه لا يمكن الحديث عن نموذج تنموي متطور وجديد في غياب الحريات والديمقراطية والتنمية في كل جهات المملكة، ثم ما هي هذه التنمية إن لم ترتبط بالحق في التعليم والصحة والشغل والسكن اللائق ويكون محورها المواطن؟ باختصار شديد أليس الحق في التنمية رديفا للعدالة الاجتماعية والعيش الكريم والتوزيع العادل للثروة؟ لأجل كل ما سبق لا يسعنا إلا أن نطالب بالحزم والشجاعة في محاربة الفساد والرشوة، ونهب المال العام، والتصدي للإفلات من العقاب.

وبالرجوع للتنمية، يمكن الجزم أن هذه التنمية التي نريدها للوطن لا تحتاج فقط للتشخيص، بقدر ما تحتاج أيضا للآليات التي تسمح بتنزيلها فعليا على أرض الواقع، من هذا المنطلق يكون تحسين أداء المحفظة العمومية وإجراء الإصلاح الضريبي الكفيل بتوسيع الوعاء الضريبي وضمان العدالة الضريبية عموديا وأفقيا، ضروريا مع ضمان حقوق دافعي الضرائب ومحاربة التهرب الضريبي والغش بفعالية أكثر، طبعا إن نحن أردنا النجاح في معركة النمو والتشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية. النموذج التنموي الذي نطمح لتحقيقه لا يمكن أن ينجح باستراتيجيات قديمة أو متجاوزة، ولا باقتصاد يرتبط بالتساقطات المطرية وأسعار البترول في السوق العالمية. للأسف نحن لا زلنا نعتمد على سياسة اقتصادية كانت تحظى بالأفضلية إلى حدود نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بمعنى أننا تأخرنا في تجديد سياساتنا الاقتصادية. علينا أن نعترف أننا فشلنا في الانخراط في منعطف الخلق والابتكار الذي أصبح يحرك نمو الدول المتقدمة والصاعدة. وحتى على مستوى الضرائب التي تفرض على المواطنين أكثر من غيرهم، لا زالت تعتبر وسيلة لتوجيه المالية العمومية، بينما المطلوب من الضرائب اليوم أن تكون وسيلة للنمو الاقتصادي، تخدم سياسة إعادة توزيع الثروة على مستوى الوطن.

ما أحوجنا اليوم إلى كثير من الأفكار البسيطة لتي تكون قابلة للتنزيل على أرض الواقع، عوض أقراص أسبرين مهدئة، أو الحديث من أبراج عاجية بأفكار مسكنة لربح الوقت دون علاج أصل الداء وحل المشكل.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.