احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: جنازة رئيس…

الخط الأحمر: جنازة رئيس…

زهر الدين طيبي

بداية لا بد من التأكيد بأن دوام الحال من المحال، فالدوام لله ولو دامت المناصب لأصحابها لما وصلت لمن هم فيها اليوم، كما أننا لن نقول إلا ما يرضي الله وإنا على فراق رئيس جامعة محمد الأول غير محزونين.
الواقع أنني سوف أشذ عن القاعدة هذه المرة، لأنه ليس من عادتي أن أكتب على الموتى، أو على المسؤولين المخلوعين، لأني أؤمن أن المواجهة والنقد البناء عبر وسائل الإعلام يجب أن يتم عندما يكون المسؤول في منصبه وليس بعد ذلك، وقد كان لي في مواجهة جبروت وظلم رئيس جامعة محمد الأول غير المأسوف عليه، حكايات طويلة في حرب غير متكافئة بين رئيس جامعة متجبر بسلطة إدارته، وأستاذ جامعي وإعلامي يحاول نقل الخبر ويوجه سهام النقد لكل مسؤول تجاوز القانون بغض النظر عن مكانته الاعتبارية أو سلطته الممارسة، ويشهد التاريخ بذلك في الكثير من المحطات مع مسؤولين كبار ورجالات دولة، كانوا يقبلون النقد ويتعاملون معه كل بطريقته، ولكن دون أن تصل هذه المعاملة إلى حدود الشطط والمكائد والرسائل المجهولة وغيرها من الأساليب الدنيئة.

حقا، لقد صدق جورج برناردشو عندما قال: ” السلطة لا تفسد الرجال، إنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة، فإنهم يفسدونها.”
للأسف الشديد، لم يدرك الكثير ممن تعاقبوا على المسؤولية أنه كان عليهم أن يكونوا كحبات السكر في حياة الآخرين، حتى وإن ذهبوا تركوا طعما جميلا. لا يجب أن يفهم من هذا أن يتجاوز المسؤول القانون ولكن أن يحترم الآخر بغض النظر عن مركزه ومنصبه سائقا أو طالبا أو أستاذا أو مواطنا عاديا. طبعا لكل نصيب من أخلاقه وتربيته، ولن يحصد إلا ما زرع، ومن يزرع الريح لن يحصد غير العاصفة.

لقد كتب لنا أن نعيش اليوم رحيل رئيس فاشل في التدبير حتى النخاع، والمحاسبة القادمة سوف تؤكد ذلك، هي أشبه ما يكون بجنازة رئيس، مع استثناءات كثيرة، على اعتبار أن الرئيس المخلوع بعد انقضاء ولايته الأولى، لن يجد غير حاشية ضيقة محسوبة على رؤوس الأصابع كانت تستفيد من الامتيازات لتدافع عنه، بدليل الفرحة العارمة التي عمت أرجاء الجامعة، بعدما تأكد رسميا تعيين الأستاذ المقتدر ياسين زغلول خلفا له وعدم تجديد الثقة فيه لولاية ثانية، بل لم يحظ حتى بشرف الترتيب ضمن الثلاثة الأوائل، ليس كما يحاول الترويج له بسبب تدخل والي الجهة، ولكن لأن ملفه فارغ، ولأنه لا يستطيع الدفاع عنه باللغة الفرنسية التي تعود على ارتكاب الكثير من الأخطاء فيها نطقا وكتابة، فالرجل إمكانياته المعرفية متواضعة جدا بشهادة الجميع، ولم نره يوما يتحدث لوسائل الإعلام باللغة الفرنسية أو الإنجليزية عن الجامعة، بل ولا حتى باللغة العربية، ولم يظهر على الشاشة يوما إلا وهو يمثل في بعض البرامج جمعية حماية المستهلك التي استغلها على حساب الكثير من الكفاءات للوصول إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وما كان هذا الأستاذ الذي لم يدرس أبناء الوطن بحجة وبدونها، يحلم في حياته يوما أن يصبح رئيسا للجامعة، لولا تدخل أبطال من زجاج في حزب الأصالة والمعاصرة، لفظهم بدورهم التاريخ، وأضاعوا على الوطن فرصة التنمية والانتقال الديمقراطي.
الواقع، أن فترة تدبير الرئيس المخلوع لشؤون الجامعة، يمكن الجزم بأنها كانت أسوأ مرحلة في عمر جامعة محمد الأول بوجدة منذ تأسيسها. بل يمكن القول بأن الزغاريد والفرحة العارمة ومظاهر الارتياح الذي عم صفوف الأساتذة والموظفين والإداريين بعد تعيين خلف له، تشكل عنوانا عريضا يعكس سلوك هذا المسؤول الذي لن يستطيع العودة للتدريس في المدرجات بسبب تجبره وتهوره وطغيانه، وحتما لن يجد من يرد عليه التحية حتى في الشارع العام وليس فقط بين أسوار الجامعة. فهل كل هؤلاء أخطأوا التقدير وجانبوا الصواب في حق الرئيس، وهذا الرئيس المتسلط وحده على صواب؟ لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”.
الآن بعد سقوط تمثال الورق، علينا أن نؤرخ لمرحلة جديدة بربط المحاسبة بالمسؤولية، علينا أن ندقق في كل الصفقات والحسابات والمناصب خلال فترة ولايته، حتى تتبين لنا خيوط الحقيقة والمال العام الذي كان يتصرف فيه الرئيس وبعض أقاربه دون حسيب أو رقيب.
اليوم نقول بصوت مرتفع لابد من المحاسبة طبقا للقانون، لأنه لا يمكن في زمن الشفافية ورقابة الرأي العام أن نتسامح مع كل الخروقات التي تمت بجامعة محمد الأول بوجدة، لأنه المال العام الذي يدفعه المواطن من الضرائب، ولا يمكن أن يصبح كل من هب ودب في صفوف الأغنياء على حسابه، فقد كانت هناك العديد من التسريبات الصوتية والوثائق التي تؤكد خروقات في كثير من الصفقات العمومية المنجزة على عهد الرئيس غير المأسوف عليه، وحان الوقت للتدقيق فيها طبقا للقانون، ومتابعته متى ثبت تورطه مع استرجاع أموال الدولة، لأنه يحز في النفس أن يحدث هذا الأمر، في وطن نعتز بالانتماء إليه، وهو مقبل على تطويق كل أشكال الفساد والرشوة والمحسوبية عبر النموذج التنموي الجديد.
الخلاصة هي أني مجددا، وبهامش حرية أكبر، تلوح لي الكلمات على خريطة هذا المنفى الإعلامي الاختياري، ولا يبدو لي غير هذا الملجأ الصغير في هذه الزاوية الحمراء الجامحة، قبل أن يبحثوا لي عن تهم جديدة تمنعني من الكتابة.
أهرول اليوم، لاستشراف فصل جديد من فصول التاريخ، أحاول أن أكتب للمناسبة، بعض العبارات وأنا أعلم علم اليقين أن الورود لا، ولن تنتصر على المفسدين، والمكتبات لا، ولن تنافس مصانع الخبث والمكائد، بعدما أصبح المسؤول الرديء لا يفرق بين الحدائق والمزابل… اعذروني إذا تورطت بالدخول في غابات مفسدين تعودوا ارتداء زي الجمال في وسط قبيح، وزرع الزهور في مدن الصفيح، وانتظار جداول ماء في تل شحيح.
آخر الكلام، هنيئا لجامعة محمد الأول بوجدة الانعتاق من حقبة الرئيس الفاشل، والتاريخ يسجل كل شيء ولا يرحم، هناك من المسؤولين من خلدوا أسماءهم في التاريخ، وهناك من يلقى بهم إلى مزبلة التاريخ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.