Home > الحدث > الحدث الجهوي > اعترافات بابلو نيرودا عن أصدقائه(3)

اعترافات بابلو نيرودا عن أصدقائه(3)

د. محمد حماس: باحث في التاريخ والتراث

قد تحمل الصداقة أكثر من معنى. وقد يختلف هذا المعنى من شخص لآخر. لكن بالنسبة لـ: نيفتالي رييس باسو التو، المعروف ببابلو نيرودا ـ فالصداقة لها معنى واحد هو الوفاء والتقدير، لدرجة يصبح فيها الصديق جزءا من الذات، يحتل ركنا من الذاكر، لا يمكن استلاله منها مهما ازدحمت الذكريات .. وفي حياة شاعر تشيلي ـ بابلو نيرودا ـ محطات بحجم أيام عمره الذي قضى جله قنصلا متنقلا بين بلدان جنوب الكرة الأرضية وإسبانيا، فخص أصدقاءه، وهم كثر، منهم: روخاس خيمينيث ـ ألبرتو بالديبا ـ عمر بيغنولا ـ فريديريكو لوركا … بمساحات شاسعة من اعترافاته الذاتية: “أعترف أنني قد عشت” .. ظل يذكر العديد منهم حتى بعد مماتهم، حتى وإن اختلفت تصوراته مع حمولاتهم الفكرية. تكاد تقتله الحسرة والأسى إن هو قصر مع أحدهم. وهو بهذا يقدم الصداقة في أسمى معانيها و أبهى صورها .. يجعل من الصداقة أحد الطقوس اليومية التي لا يمكن للحياة أن تستقيم من دونها .. الصداقة بالنسبة إليه هي “الأنا الآخر” .. ألطف العبارات و أنبل المشاعر خص بها أصدقاءه .. إن الصداقة بالنسبة لبابلو نيرودا قضية لا يمكن فصلها عن قناعاته.

هذا هو نيرودا ـ الصديق ـ صاحب نوبل للآداب العام 1971. صاحب “شفقيات” و”مائة أرجوزة حب” الذي كتب قصائده لحبيبته ماتيلد، و”النشيد الشامل” … والذي كانت حياته مزدحمة بالوقائع والأحداث المتلاحقة.

من هنا أردت تقديم بعضا من هؤلاء الأصدقاء الذين كرمهم بابلو نيرودا في سيرته الذاتية:”أعترف بأنني قد عشت”،

(Pablo Neruda: CONFIESO QUE HEVIVID)، والتي ترجمها للعربية الدكتور محمود صبح (الطبعة الثانية يوليوز 1978). وهي الطبعة التي اعتمدتها لتقديم أصدقاء نيرودا.

 

  • عمر بيغنولة .. أنا وبقرتي(تتمة)

… عندما خرج من سجنه كان عبارة عن هيكل عظمي، وقد انهارت قواه، فقرر العودة إلى وطنه تشيلي ليودع أرضه. ثم عاد إلى فرنسا، “حيث انتهى من موته في الحياة”. لم تنفعه سياسة البطاطا”، ومع ذلك ظل بابلو يذكره بحسرة رغم المسافة التي كانت تفصل بينهما. لم ينسجما كثيرا، ولم تتح لهما الفرصة للتعارف أكثر.

في إحدى جولات نيرودا داخل “صالة العروض الوطنية” بالمتحف العظيم بلندن، الذي يشتمل على النماذج الفريدة من اللوحات، مثل لوحات الرسام “تيرنر”(1)، لمح لوحة رائعة لسيدة مشهورة تدعى “إديث سيتويل”، (1887–1964) (Edith Sitwell)، شاعرة إنجليزية،. كانت اللوحة تحمل توقيع صديقه وابن بلده الرسام ألبارو غويفارا. وقد كانت اللوحة الوحيدة داخل المتحف التي ينتمي صاحبها إلى أمريكا اللاتينية … شعر بفرحة عارمة، وقد كبر وعظم صديقه في عينه، وتأسف كونهما تقابلا ولم يتفاهما.

 

  • الشاعر ثيسار باييجو César Vallejo(1893-1938) .. كأنه رجل يقف في شبه ظل، نصفه نور ونصفه الآخر عتمة ..

قصير القامة. ينعتونه “تشولو”، لأن دماءه خليط من دماء الهنود الحمر ودماء الأوروبيين. يكتب شعرا عظيما، ذا أبعاد إنسانية. جاء من البيرو، وكأنه نبيل من قبائله القديمة “الإينكا”. ذو ملامح هندية. يجد متعة كبيرة، يزهو لها ويطرب حين يتمادى الناس في الحديث عن سجاياها البدوية. كان يقف في جلالة ويؤكد لأصدقائه أن هناك شبها بينه وبين نابوليون بونابارت.

كان هذا الشاعر، ذو الكبع الجيل الوقور، يعاني من جبروت زوجته الفرنسية المتسلطة، لدرجة أنه كان يسعد كثيرا ويقفز فرحا كلما انتشله أصدقاؤه من افتراء زوجته، وأخذوه معهم في فسحة.

صداقة بابلو مع باييجو شابها نوع من الاضطراب لتنتهي بالفتور، لأن ثيسار تحامل يوما على بابلو لما لم تحصل زوجته على بطاقة سفر لحضور أشغال مؤتمر ضد الفاشية كان سيعقد بمدريد، حضره كتاب وأدباء من مختلف أنحاء العالم .. وقد تسبب في هذا الجفاء بين نيرودا وثيسار، ابن بلدتهم “بيثينتيه هويدوبرو”، وهو شاعر تشيلي (1893-1948)، بسبب حقد هذا الأخير على بابلو نيرودا. لكن رغم كل ذلك ظل يعزه …

يقول باييجو في إحدى قصائده:

لنُّذُر السُّود

ثمة ضربات في الحياة، جد قوية. أنا لا أعرف!

ضربات كبغضاء الربّ؛ كما لو أن أمامها،

تترسب راكدةً في الروح

مرارةُ كل المعاناة. أنا لا أعرف!

إنها ضربات قليلة، لكنها ضربات

تشق أخاديد قاتمة

في أكثر الوجوه توحشا

وأكثر الظهور صلابة.

…(2)

  • فيديريكو لوركا (1898-1936) .. العبقري المسرف في وحيه وإلهامه ..

عندما تم تعيين بابلو نيرودا قنصلا لبلاده في بوينس لإيريس عام 1933، صادف مقامه هناك قدوم الشاعر فيديريكو لوركا الذي جاء ليعرض مسرحيته “أعراس الدم” .. فتوطدت العلاقة بينهما إلى درجة الخوة. وكان لهما دما مشتركا، فقد كان أصدقاؤهما يحتفون بهما معا، فيدعونهما إلى حفل مشترك بسبب ارتباطهما بحبل الصداقة المتين. وللتعبير عن ها الترابط، في إحدى حفلات التكريم، اقترح فيديريكو على بابلو أن يقدما نصا مشتركا يشكران بواسطته الحضور داخل فندق “بلاثا”، خلال الحفل الذي سينظمه “نادي القلم” لهما …

قصيدة الموت الأسود

أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ

أريدُ أن أبتعدَ عن زحمةِ القبورْ.

أريدُ أن أنام نومةَ طفلٍ

أرادَ شقَ قلبِه بعيداً في البحور.

لا أريدُ أن يخبرونني مرة ثانية كيف تحتفظ الجثة بدمِها

كيفَ أن الفمَ المتفتتَ يظل ينشد جرعةَ ماء.

لا أريدُ أن أسمع عن فصولِ التعذيبِ التي أعدها العشب

ولا عن القمر الذي أتم أعماله قبل الفجر

وأنفه الأشبه بالثعبان.

 (يتبع)

الهوامش:

 

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.