Home > الحدث > تعويضات الأعمال الشاقة والملوثة بين واقع الفساد والحق في الاستفادة

تعويضات الأعمال الشاقة والملوثة بين واقع الفساد والحق في الاستفادة

بقلم عبد الحفيظ حساني

أصبحت تعويضات الأعمال الشاقة والملوثة في معظم الجماعات الترابية بالمغرب عنوانا حيا لانتشار الفساد الإداري، وأحد أشكال استغلال النفوذ والشطط من طرف بعض رؤساء الجماعات الترابية، ضاربين كرامة الموظفين عرض الحائط، ومستغلين حاجتهم وعوزهم المادي لهاته الدريهمات، ومستغلين الجهل القانوني وضعف الوعي النقابي “الجاد” بأن هاته التعويضات هي حق وليست منحة أو صدقة من طرف الرؤساء…

الإطار القانوني وطرق الاستفادة:

لن أتناول الجوانب القانونية، فالأمر جد واضح بالرجوع إلى قرار وزير الداخلية رقم 07-1732 صادر في 5 من رمضان 1428 ( 18 سبتمبر 2007)، والدورية الصادرة بتاريخ 25 مارس 2008، والمادة الثانية التي تحدد نوع الأشغال المخولة للاستفادة منها. لكنني سأتناول الوجه الحقيقي والخفي الذي يكشف على الفساد، ويتعلق بالتحايل على القانون والمساطر من أجل تمكين المقربين والحاشية من الاستفادة رغم عدم ممارستهم لتلك المهام الموجبة للتعويض…

ضعف الاعتمادات المبرمجة وغياب الشفافية والنزاهة:

إن كان المبدأ في نظري يقتضي تمتيع غالبية الموظفين المصنفين ضمن السلالم الدنيا من 6 إلى 9 بسبب ضعف رواتبهم وتزايد متطلبات الحياة، وكي تكون هاته التعويضات سببا لمضاعفة المردودية والتحفيز والعطاء، وليست سببا للتمييز السلبي بين الموظفين، وخلق نظام السخرة والحاشية والولاء… فإن واقع الحال تعرف مراسيمه من خلال الاعتمادات المالية الهزيلة المبرمجة في الميزانية، والتي تخصص في هذا الباب، لأن حقوق الموظفين وتحسين وضعيتهم المادية لا تدخل أساسا في اهتمام هاته الطينة من الرؤساء…

وفي سياق الحديث عن الشفافية والنزاهة، سأحاول طرح بعض الخروقات المرافقة، والتي يصعب على الموظفين المعنيين بالاستفادة منها الحديث عنها، خوفا من الحرمان منها بسبب سلطة الرؤساء المطلقة في تحديد لوائح المستفدين، كما تتخوف حتى بعض النقابات طرح المسألة لاستمالة تعاطف المنخرطين المستفيدين من الريع النقابي…

تجليات الفساد متعددة تبدأ بالخروقات القانونية:

لقد تحولت هاته التعويضات إلى طريقة ممنهجة لدى بعض الرؤساء من أجل ضرب كرامة الموظفين وإذلالهم، وخلق الحاشية والولاء، وفي بعض الأحيان وسيلة للضغط قصد ضرب الحق في الانتماء النقابي (خطيك من النقابة إلا بغيت الأعمال الشاقة)….

هكذا يتم التحايل على القانون والتلاعب بصيغ مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر:

* توقيع شواهد إدارية توحي القيام بالأعمال والمهام المنصوص عليها في المادة 2 وواقع الحال غير ذلك.

* التفاوت في عدد أشهر الاستفادة، هناك من يستفيد طيلة السنة وهناك من تقتصر استفادته على شهرين أو ثلاثة أشهر رغم ممارسته لنفس المهام طيلة السنة، في غياب اي معيار موضوعي سوى درجة الاستعطاف والولاء….

* كما ان بعض رؤساء المصالح المصنفين في السلم العاشر وأكثر مقابل توقيع الشواهد الإدارية يفرضون على الموظفين اقتسام التعويضات معهم أو مع موظفين آخرين في المصلحة، في ابتزاز واضح ودون أي موجب قانوني…

إنها مظاهر سلبية وغيرها تعري وتكشف حقيقة الاستفادة من هاته التعويضات التي يدل عليها اسمها، فهي تعويضات شاقة تؤدى على ممارسة أعمال شاقة / مقابل عرق جبين الموظفين، لكنها تبقى مصحوبة بالعقليات والأفكار الملوثة لبعض رؤساء الجماعات وحاشيتهم….

لماذا لم يتم تعليق لوائح المستفدين؟

هكذا، وردا على أي ادعاءات او مغالطات، إن مبدأ الشفافية يستلزم تعليق لوائح المستفدين من الأعمال الشاقة والملوثة خلال سنة 2019، وفق جدول مرفق بالأسماء العائلية و والشخصية والإطار و المصلحة التي يعمل بها الموظف، والمهام المزاولة التي بموجبها أصدرت الشواهد الإدارية المحشوة في ملف الاستفادة…

إنها الصيغة الشفافة التي ستكشف حقيقة الاستفادة من هاته التعويضات، حيث يبقى من حق الموظفين الاطلاع عليها، بل والطعن في مصداقيتها لدى مجلس الحسابات أو المحاكم الإدارية إن اقتضى الأمر ذلك.

وأؤكد في هذا الصدد أن الأمر لا يتعلق بإفشاء السر المهني أو الإخلال بواجب التحفظ، بل إنني أعتبر التحفظ على الفساد يعتبر جريمة وسلوكا لا وطني..

ما العمل لتحسين وتحصين شروط الاستفادة؟

بعد هذه الإشارات والتوضيحات، وللتخفيف من المظاهر المشينة التي تسيء إلى التسيير الإداري في معظم الجماعات الترابية، وتمس بكرامة وسمعة الموظفين، وحتى لا تتكرر المهزلة وكي لا تتكرر المعاناة السيزيفية للموظفين المستفدين كل مرة وكل سنة، يجب العمل على:

1 وضع حد للتأخير في صرف التعويضات وجعلها ملازمة للراتب الشهري:

يبقى المطلب الأولي الالتزام بصرف هاته التعويضات شهريا دون تأخير، انسجاما مع المادة 3 من القرار المذكور أعلاه، وتطبيقا كذلك لمضمون القرار المشترك لوزير الداخلية والاقتصاد والمالية رقم 013.19 بتاريخ 3 يناير 2019 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 6745 بتاربخ 21 بناير 2019، والمحدد في مادته الأولى قائمة نفقات الجماعات التي يمكن أن تؤدى دون أمر سابق بالصرف، حيث تشير النقطة الأولى من المادة 1 إلى مايلي:

“النفقات المتعلقة بالرواتب والأجور والتعويضات القارة للموظفين، والمنحة عن الازدياد، والتعويض عن الأعمال الشاقة والملوثة، وكذا مساهمات الصندوق المغربي للتقاعد والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد ومنظمات الاحتياط الاجتماعي”.

وتشير المادة الثالثة من هدا القرار: “تدرج تلقائيا النفقات المشار إليها أعلاه بالميزانية بعد التأكد من صحة الوثائق المثبتة لها، ويتم تبليغ هاته النفقات دون تأخير من طرف المحاسب المكلف إلى الآمر بالصرف”.

فالقرار المشترك جد واضح وناتج عن رغبة الإدارة في وضع حد للتأخير والتماطل في صرف هاته التعويضات، وجعلها ملازمة للراتب الشهري.

2 النضال من أجل تخليق الحياة الإدارية و استرجاع كرامة الموظف:

في أفق مراجعة تدابير الاستفادة من هاته التعويضات على المستوى الوطني، وذلك بالعمل على الرفع من قيمتها المادية وتعميمها على الموظفين كمساهمة في تحسين ظروفهم المادية، و إدخالها ضمن بيانات الراتب الشهري. إن مبدأ المسؤولية يقتضي المحاسبة، وتخليق الحياة الإدارية يقتضي مساهمتنا جميعا في فضح مظاهر الفساد، وتشبثنا بقيم الشفافية والنزاهة…

فلتكن خطواتنا الأولى المطالبة بتعليق لوائح المستفدين لسنة 2019، والعمل على تخليق الحياة الإدارية، وإرجاع الهبة والثقة للعمل النقابي الجاد والمكافح لتعزيز ثقافة المطالبة بالحقوق، بدل ثقافة الولاء والخنوع. إن تعويضات الأعمال الشاقة تعتير حقا للموظفين وليست صدقة من الرؤساء “المحسنين”. علينا فقط النضال من أجل وضع حد لكافة الممارسات المشبوهة التي تحط من الكرامة…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.