Home > الحدث > البادية الوجه الآخر لمدينة وجدة…!

البادية الوجه الآخر لمدينة وجدة…!

الصورة: قطعان كبيرة تعبر الطريق وتتسبب في الفوضى بحي التينيس وحي البستان

بقلم ذ. عبد المجيد طعام

1شيء من التاريخ:

 تعد مدينة وجدة من أعرق المدن المغربية تاريخا،إلا أن هناك اختلافا حول أصل تسميتها، يذهب فريق من الباحثين إلى أن اسمها مشتق من كلمة “وجدات”، أي الكمائن التي كان يقوم بها العصاة والمتمردون وقطاع الطرق لتجار القوافل، لكن المرجح هو أن اسمها ارتبط بحدث تاريخي يتمثل في مطاردة سليمان الشماخ الذي اغتال الملك إدريس الأول بأمر من العباسيين الذين أرسلوه في مهمة خاصة لتصفيته، وكان إدريس الأول قد أسس إمارة مستقلة عن الحكم العباسي في المغرب.

 دس سليمان الشماخ السم لإدريس الأول وفر عائدا نحو المشرق، إلا أن المغاربة اقتفوا أثره ووجدوه في مكان غير بعيد من وجدة الحالية وقتلوه، لهذا سميت وجدة.

 ويرجع تأسيس المدينة إلى الزعيم المغراوي زيري بن عطية الذي أسس مملكةً له في منطقة المغرب الأقصى، وكان الزعيم المغراوي في صراعٍ دائم مع كلٍّ من الفاطميين والمنصور بن أبي عامر في الأندلس، وفي ظل هذه الصراعات أراد المغراوي أن يوسع مملكته من جهة فاس من أجل حماية ظهره وتقوية مملكته من الناحية الشرقية، فقرر تأسيس المدينة في شهر رجب من العام 994 م، وحصنها بالأسوار العالية والأبواب المغلقة التي يتحكم في فتحها وإغلاقها الحراس.

 بعد أن فتح المُرابطون مدينة وجدة بقيادة يوسف بن تاشفين عام 1073م، سقطت المدينة تحت حكم المرينيين، بقيادة السلطان أبي يوسف يعقوب المريني عام 1272م، بعد أن دمّرها ودكّ أسوارها وجعلها خراباً، وبسبب موقعها الاستراتيجيّ والسياسيّ المهمّ، كانت الدولة المرينية في عداءٍ وتماسٍ دائمٍ مع أمراء بني عبد الواد الموجودين في تلمسان، ولأنّها مدينة حدوديّة مع الجزائر، كانت المدينة مسرحاً لهجمات العثمانيّين.

2شيء من واقع الحال:

 وجدة مدينة بكل هذه الحمولة التاريخية، كان من المفروض أن تكون أحسن حال مما هي عليه اليوم، بل كان من المفروض أن تنافس المدن المغربية التاريخية عمرانا وثقافة وسياحة، لكن العكس هو الحاصل.

 وجدة ظلت وستستمر ضحية موقعها الجغرافي الذي فرض عليها عزلة قاسية، إلى درجة أنها صنفت في أدبيات رجال السياسة والمال والأعمال ضمن مدن المغرب غير النافع، ضربات هذا الوصف خلفت جرحا غائرا لا يندمل، إذ تعد المدينة من أفقر المدن التي ترتفع فيها البطالة إلى أعلى النسب على المستوى الوطني.

 كانت للهجرة القروية آثار وخيمة على المدينة، خاصة بعد فقدان أي أمل للعثور على فرص شغل بعد إغلاق كل المناجم المتواجدة بالمنطقة ومحاربة التهريب.

 ساهمت الهجرة القروية في ترييف المدينة، فانتقلت ثقافة وممارسات البادية إلى عمق المجال الحضري. وما زاد الطين بلة أن المدينة عرفت في سنوات مضت انتشار البناء العشوائي الذي أدى إلى نشوء حزام محيط بالمدينة من الأحياء العشوائية الفوضوية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

شهدت المدينة تغيرات جد سريعة نحو الأسوأ، وطفت على السطح كل الممارسات البدوية التي انتقلت مع الهجرة القروية، ولم يعد غريبا أن تجد وسط الأحياء السكنية إصطبلات لتربية الحمير والغنم، ولم يعد غريبا أن ترى قطعانا كبيرة من الغنم تجوب الأحياء والأزقة والشوارع تبحث عما تأكله في أكياس القمامة أو داخل القطع الأرضية المجهزة للبناء، خاصة بعد تساقط الأمطار .

 يبدو أن السلطات المحلية أصبحت عاجزة على استرجاع الطابع الحضري للمدينة، وعندما ننعت السلطات المحلية بالعجز، فإننا نقصد كل من يتحمل مسؤولية المحافظة على المدينة من ظاهرة الترييف، بمن في ذلك رؤساء المقاطعات والولاية.

 المجلس البلدي يحق أن نسميه “الرجل المريض”، إنه يذكرني بالخلافة العثمانية إبان قرب سقوطها… مجلس يعيش صراعا داخليا، منقسم إلى طوائف متصارعة تذكرني هي الأخرى بصراع ملوك الطوائف بالأندلس، صراع مرير حول التفويضات والمصالح الشخصية الضيقة…

 تعرف المدينة أعلى درجات التسيب في التسيير واللامسؤولية والصراعات الحزبية الضيقة، المدينة تحتضر، كثرت حفرها وقلت إنارتها وتراكمت أوساخها، المدينة التاريخية، مدينة الألف سنة تعاني، هي بحاجة إلى من ينقذها، إلى من يرجع إليها رونقها وبهاءها، إلى من يضع حدا لهذا التدمير والترييف.

 إننا نحب مدينتنا ولا نزال نطالب بحقنا في مدينة جميلة بدون أغنام…!

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.