Home > الحدث > قراءة في مسرحية ”وثنيون يعبدون إلها واحدا” لتوفيق أفقير

قراءة في مسرحية ”وثنيون يعبدون إلها واحدا” لتوفيق أفقير

بقلم الباحث بن الطيب يوسف

جاءت مسرحية ‘’وثنيون يعبدون إلها واحدا’’ للكاتب توفيق أفقير، والتي حصلت مؤخرا على جائزة أفضل نص مسرحي لمهرجان الفدان، في دورته العاشرة، بمدينة تطوان، لتزيل الستار عن واقع الإنسان فيما يخص التزامه الديني ودرجة ارتباطه به، وحقيقة الإيمان والإخلاص والإنسانية، وغيرها من الأمور التي نحاول الاتصاف بها في حديثنا عن الإيمان، ومدى حضور القيم في مواقف نمتحن فيها، كما جاءت المسرحية لتقارب موضوع الحوار والانفتاح على الآخر، فلا مناص للبشرية من صراعاتها التاريخية الدامية بغير الحوار والانفتاح من أجل المصلحة المشتركة، بعيدا عن الفردانية والآنية والنرجسية والمطامع الشخصية.

مسرحية ‘’وثنيون يعبدون إلها واحدا’’ تحكي قصة ست شخصيات : مسلم – يهودي – مسيحي – موحد – ملحد – امرأة، احتجزوا في بيت مهجور معلق بين السماء والأرض، تتوسطه طاولة وستة كراسي، تكتشف الشخصيات بعضها البعض، ليحتدم الصراع الدرامي من بدايته، بتبادل السب والاتهامات والتكفير، مستبعدين الطاولة أمامهم رمز الحوار، مستعملين الكراسي للصراع والتهديد فأصبحت أداة حرب، ورسموا حدودا وهمية بينهم متخذين زوايا البيت مساكن ومعابد، يرسل لهم كيس طعام في أوقات مختلفة وبكمية مختلفة، يقتسمون الطعام فيما بينهم. لا تخلو المسرحية من رموز ودلالات ورسائل ملغومة، فالبيت المعلق دلالة على موطن البشرية (الأرض)، وكيس الطعام دلالة على الرزق الذي يهبه الله لمخلوقاته تاركا لهم حرية التصرف فيه.

تنقسم المسرحية إلى ثمانية مشاهد : بين السماء والأرض – الرزق – نقش ونقاش – نداء الطبيعة – جدوى الخلق – منافسة – المحنة. فعناوين المشاهد يمكن القول أنها تحمل دلالات مستمدة من أسئلة دينية وفلسفية عميقة، شكلت محور صراع بين الكثير من الفلاسفة ورجال الدين عبر عصور مختلفة، كسؤال جدوى الخلق والبعث والرزق والشهوة… لم تأت المسرحية لتجيب عن هذه التساؤلات بقدر ما جاءت لتزيح اللثام عن حقيقة الدين / الإنسان، وتبرز قيمة الحوار والتعايش والقيم الأخلاقية، بعيدا عن كل صراع تكفيري، جاء على لسان شخصية الموحد:

“من البديهي أن يتم القبض عليكم بعد أن كفرتم بعضكم بعضا، وبالتالي كفرتم العالم والأنظمة والحكام، واتهمتم بعضكم بالظلامية والعبثية والجهل، وزدتم الطين بلة، عند إعلانكم المواجهة الدامية بين بعضكم البعض”.

فالمواجهة التي أشار إليها شخصية الموحد في المسرحية هي نظرة نقدية إلى تخلي المتدينين عن المبادئ السامية والقضايا الإنسانية المشتركة والانشغال بالتكفير، حيث أصبح من السهل أن نكفر الآخر، لكن من الصعب أن نفهمه وأن نحتكر الجنة على فكر واحد أو عقيدة واحدة، فشخصية ‘’الموحد’’ جعلها الكاتب توفيق أفقير المرجع العقلي والمصلح والمفكر في الحلول المنطقية، ونحن نعلم أن الديانات الإبراهيمية تشترك كلها في مسألة التوحيد بدليل قوله تعالى: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون”.

فرغم تعدد الأديان والمعتقدات والطقوس والحضارات والثقافات، كاتب النص يؤكد على وحدة الجنس البشري وهي العلامة الكبرى لوحدة الخالق، ثم نجده ينقلنا لسؤال آخر مرتبط بالبعث والعقاب حين تتساءل الشخصيات عن المكان الذي هم محتجزون فيه وعن سبب احتجازهم.

الموحد: إن كان الرب يعاقبنا، فلماذا يعاقبنا جميعا؟

المسلم: صحيح، إن أراد العقاب فعليه على الأقل أن يستثني واحدا، الذي على حق.

الملحد: واحد على الأقل يجب أن يكون على صواب.

المسيحي: نعم، لماذا يضعنا في سلة واحدة، أيعاقبني أنا الذي صليت له وآمنت به، مثلي مثل هذا الملحد؟

فمن خلال هذا الحوار يطرح أفقير قضية الاعتقاد والعقاب، كل دين يعتقد أنه على صواب، ونحن نعلم أننا محاسبون جميعا : سعداء أم تعساء، فقراء وأغنياء، ذكورا وإناثا، وعلى عملنا الصالح والطالح، بغض النظر عن لغتنا ولوننا وجنسنا.

ثم ينتقل الكاتب إلى سؤال مرتبط بقضية الوجود لتطرح الشخصيات إشكالية جدوى الخلق.

الملحد: لماذا وضعنا هنا؟ لماذا؟ لاختبارنا، لابتلائنا وعقابنا.. كل هذا لا يهمني.. ما يهمني لماذا جاء بنا من الأصل؟ لماذا خلقنا؟

المسلم: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم؟

الموحد: وهل جدوى الخلق هذه الأشياء؟

المسيحي: خلقنا ليرينا عظمته وقوته.

الملحد: وهل هو في حاجة إلى أن يرينا عظمته وقوته… فليجبني أحد.. ليس الهدف من سؤالي إحراجكم، وإنما لأريح عقلي الذي سيُّجن.

فالأسئلة التي يطرحها توفيق أفقير متشربة من الفكر الفلسفي والتي لا تزال تطرح، وتبقى علة الخلق من الحكم الربانية التي تستدعي التساؤل والتدبر والتأمل باعتبار الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي وجوده. فقد جعل مؤلف المسرحية من شخصية الملحد شخصية تؤثث للصراع الدرامي وتشحنه بطرح الأسئلة وتغيير المسار الدرامي.

وفي المشهد المعنون بالرزق، يكشف لنا المؤلف توفيق أفقير حقيقة الإنسان الأناني الطامع للاحتكار، الرافض للآخر، المناقض لعقيدته الداعية للتعايش والتآزر، فالرزق الذي أوجده الله وترك حرية التصرف فيه للإنسان باعتباره المخلوق المكرم بالعقل، جعلها محط صراعات دامية وأطماع ووسيلة لبسط السيطرة والتحكم في العالم.

يقطع الموحد الحبل ويفتح الكيس، بينما الجميع ملتف حوله بنفس البعد ونفس العلو والمسافة، يمد الموحد يده إلى الكيس ويتحقق من ماهية الأشياء التي تحتويه.

الموحد: إنه طعام.

الملحد: طعام؟ (بفرح)

المسلم: الحمد الله.

المسيحي: نشكرك يا يسوع.

اليهودي: بحمدك يا يهوه.

الموحد: سنخرج كل شيء من الكيس لنتقاسمه بشكل متساوي.

اليهودي: ماذا؟ متساوي؟

المسلم: أنا لا أقبل.

المسيحي: أكيد لا أقبل.

الملحد: إلى ماذا تلمحون؟

اليهودي: كيف لي أن أتقاسم رزقي مع الآخرين، نحن شعب الله المختار..

الموحد: (موقفا اليهودي) كفانا، هذا الحوار لن ينتهي..

المسلم: (مخاطبا اليهودي) إن كان يهوه من بعث هدا الطعام، فلا أمانع أن يأخذه هذا اليهودي، ولكن لا أرى على الكيس اسما..

الملحد: ولم نسمع عندما فتح الباب: “أنا يهوه، ههههههه، أنا الله، هههه، أنا يسوع…”

المسيحي: و أظننا لم نسمع عندما فتح الباب: ( بصوت رقيق نسائي )” أنا الماااااااااادة….”

 وإلى جانب الصراع المحتدم بين الشخصيات حول تقسيم الرزق الذي كما قلنا سابقا يشكل دافعا للقوة والسيطرة، تدخل المرأة على خط الصراع فشكلت محور صراع جديد إلى جانب (الرزق) لتزيل ستار الأخلاق والتدين والمبادئ والالتزام، وسرعان ما تغير مواقف الشخصيات فيلين لها الكل، بينما يشتد صراعهم فيما بينهم ليكشف قناع الزيف والضعف الإنساني للجنس والشهوة وعبوديته لها، فالكاتب توفيق أفقير وظف شخصية المرأة كعنصر خارج الصراع الديني، ولكنها كعنصر مؤثر في لعبة الفضح والتعرية ليكشف لنا ضعف الإنسان أمام شهوة الجسد، وتأثير الغريزة على الإيمان.

تقول المرأة في حوارها مع الملحد الذي كان آخر شخصية توقعها في شراك الخطيئة دون معرفة باقي الشخصيات، فيسألها كيف استطاعت أن تنوم الجميع.

المرأة: بالحبوب المنومة، فالأكياس كانت في عهدتي، وكنت أميزها بواسطة عقد مختلفة، حتى أستثني من أشاء (منتبهة) حتى أستثنيك.

ثم بعد غفوة الشخصيات، تصدر صراخا تتهم الموحد بمحاولة اغتصابها، فينقض عليه الجميع فيقتلوه جزاء خطيئته، فتختفي المرأة ليكتشفوا أنهم قد خدعوا و تسرعوا في فعلتهم، هذا التسرع ناتج عن غياب الحوار.

الملحد: لقد قتلناه..

المسيحي: قتلنا نفسا بغير حق..

المسلم: نفسا زكية..

اليهودي: نفسا بغير نفس..

المسلم: (ببكاء) إكرام الميت دفنه، فلنضعه على الطاولة إلى يوم الغد، ويلي، ويلي أين المفر من عقاب الله.

فالحوار الديني من أهم مكونات إرساء أسس السلام، وفي غياب الحوار ستبقى الأديان محط إدانة واتهام، وعامل من عوامل التقهقر وعدم التسامح والظلامية و الأفيونية، وما وضع الموحد المقتول فوق الطاولة إلا إشارة لتحول طاولة الحوار إلى تابوت بفعل غياب دورها الأساسي المتمثل في الحوار، فرسالة المسرحية تتمثل في البحث عن صوغ أسس الحوار والتماس منافذه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاختلاف كائن لا محالة كشرط لبروز الهوية، وهو كما يقول تارتوليانوس: “حق بشري وحق طبيعي أن يعبد كل امرئ ما يشاء… وليس لدين حق السيطرة على دين”، والله سبحانه وتعالى أرادنا أن نتعايش مع الاختلاف في قوله: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”.. وهذا لا يعني أن تبقى كل أمة  أسيرة ذاتها.

لقد أراد الكاتب من خلال هذه المسرحية أن يزيل اللثام على حقيقة الإنسان وعلاقته بالدين، وضعفه أمام النزوات النفسية، وأن الصراع الديني الموجود ما هو إلا صراع مصلحة وبسط السيطرة، وليس صراع حق وباطل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.