Home > الحدث > هل القضاء المغربي بخير؟

هل القضاء المغربي بخير؟

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

تعتبر مهنة القضاء من أشرف المهن في التاريخ بصفة عامة وفي التاريخ العربي الإسلامي بصفة خاصة، فقد كان ولاة الأمور يعتنون جيدًا بتعيين الأصلح والأعلم والأتقى والأنقى والزاهد في هذه المهنة نظرا لخطورتها وما يمكن أن يحدث من مخاطر في حال عدم تولي من يصلح لهذا المنصب. وكان الذي يقع عليه الاختيار يتخوف ويتهرب من تحمل هذه المسؤولية والأمانة الكبرى نظرا لحساسيتها وتعلقها بمعايير الظلم والعدل، وما يمكن أن يعلق في رقبته من حقوق الناس. ولنا في التاريخ الاسلامي  الكثير من العلماء والفقهاء الذين عزفوا عن تولي هذه المسؤولية، بل أكثر من ذلك منهم من تعرض للتعذيب والضرب والسجن لعدم قبوله بتولي منصب القضاء، ومنهم من هاجر خارج بلاده من أجل ألا يتولى مهمة القضاء، وكانوا يصبرون على الأذى ويمتنعون أشد الامتناع عن تولي هذه المسؤولية، وذلك خشية خطورة الوقوع في الخطأ وظلم الناس، إلا أنه مع مرور الزمن أصبح الكثيرون يتجرؤون على هذه المهنة النبيلة، ويتهافتون على توليها، وهذا ليس عيبا في حد ذاته و لكن العيب هو أن هذا التهافت أصبح من أجل حاجة في نفس يعقوب ! والقليل من الناس من يتولى هذه المهنة ويبقى على صدقه ونزاهته وعدله…. ولا أحد من هؤلاء المتهافتين يذكر قول الله سبحانه و تعالى : “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” صدق الله العظيم. وهي الآيات المعلقة فوق رؤوس القضاة في قاعة الجلسات، وكثير من الآيات الكريمة تلح على العدل بين المتقاضين يتم تعليقها عبثا، بخطوط عريضة وكبيرة فوق رؤوس القضاة. ولا أحد يذكر أيضا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: “القضاة ثلاثة : قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار، وقاض قضى بالحق فهو في الجنة “. وفي رواية أخرى : “القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار”. إن هذا الحديث العظيم هو العمدة والركيزة التي لو اعتمدها القضاة لكان خيرا لهم وللأمة، لأن القضاء بالحق والعدل هو أساس الملك، بل هو أساس الحياة…. هذه القاعدة  العظيمة التي جاء بها  القرآن الكريم و حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم لتوجيه القضاء والقضاة  فيها وعيد شديد  للذين لا يحكمون بالعدل، ووعد بالجنة للذي يحكم بالعدل  بما أنزل الله؛ وهذا الأمر هو الذي يزيد من هيبة الموقع الذي يتولاه القاضي… الذي يجب عليه أن يحرص على إصابة الحقِّ،  فالقاضي إذا تحرَّى الحقَّ، واجتهد في أسباب الوصول إليه صار من أهل الحق؛ وأهل العلم والبصائر، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد….

أما القضاة الذين يتحاملون على الأشخاص أو الجماعات بغير حق، فيجلسون على المنصة وأحاسيسهم مضطربة بين ما بين أيديهم من مستندات ووثائق وبين المال الحرام الذي وضع في يد السماسرة إلى حين إصدار الأحكام الجائرة والظالمة، وهذا موضوع سنعود له في كلام مفصل، خاصة بعد إصدار رئيس النيابة العامة لبلاغ يدعو فيه لمحاربة هؤلاء السماسرة الفاسدين، وهذا أمر شديد الخطورة، فإن كان القاضي ضعيف النفس ومال لما يرغب فيه من نعيم الدنيا الفانية، وأصبح متبعا لهواه ولما اشتهت نفسه، وظالما لأناس أبرياء، فان الله لا يتركه بدون قصاص، وحتى الذي يتكاسل  في البحث عن الحقيقة، ولا يبذل المجهود اللازم لكي يصل لذلك، ويتسرع في إصدار الأحكام والأمر ملتبس أمامه فهو ظالم؛ وهؤلاء  جميعا مصيرهم ومأواهم النار يصلونها ولهم عذاب أليم…

إن العيش في وطن كريم يتطلب منا، ليس فقط محاسبة هؤلاء المفسدين لقيم العدالة بإصدار قرارات تأديبية كما يحصل كل سنة، بل يجب السعي لاجتثاث هذا الورم من جذوره، وذلك بالضرب بقوة على أيدي السماسرة والقضاة الذين يتحركون بدون ضمائر، متحررين من جميع مسؤولياتهم الأخلاقية والمهنية، ويعيثون فسادا في ملفات المتقاضين، ويعجبهم الاتجار في الأحكام والتلاعب بالنصوص والمواد القانونية، مقابل رشاو وعربدة ومنافع مادية،  وبذلك يرهقون البلاد والعباد.

إن النهوض بالوطن يبدأ بإصلاح القضاء وإقامة العدل والقضاء على هذا الفساد المستشري في منظومة العدالة، وترسيخ مبادئ التخليق والشفافية والنزاهة لإشاعة الطمأنينة في نفوس المواطنين؛ وأعتقد أن هذا هو المدخل الأساسي لكل نموذج تنموي جديد؛ والباب الحقيقي للاستقرار المجتمعي؛ وبدونه لن تكون الأمور بخير؛ وسيعم  الظلم والفساد مهما كانت قوة البلد وتقدمها.

وأختم  بقصة ‘’ونستون تشرشل’’ البريطاني الذي تساءل بعد الحرب العالمية الثانية عن أحوال البلاد، فقيل له: إن البلد ليس بخير، فسألهم عن أحوال القضاء، فقيل له : إن القضاء بخير، فقال لهم قولته المشهورة : ” لا خوف على البلد”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.