Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: وجدة.. غربة مدينة

الافتتاحية: وجدة.. غربة مدينة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

خصصت جريدة الصباح في أحد أعدادها من الأسبوع المنصرم ملفا خاصا عن مدينة وجدة وما تعيشه من تراجع ملحوظ على جميع المستويات، سواء على مستوى التراجع الاقتصادي والتنموي، أو على مستوى ترهل البنيات التحتية وخدمات المؤسسات المنتخبة وعلى رأسها جماعة وجدة. إن الملف المذكور الذي لم يتجاوز الصفحة الواحدة، أعطى صورة سوداوية عن المدينة، ولعل الصورة الحقيقية الأكثر قتامة هي تلك التي يصورها المواطن الوجدي في أحاديثه العابرة وفي جلسات المقاهي التي هي الأخرى لم تسلم من الكساد وقلة الرواج كما كانت سالفا.

لقد تضافرت مجموعة من العوامل التي أدت إلى هذا الواقع المؤلم، تتقاطع كلها في غياب حس الانتماء للمدينة وتغليب المصالح الشخصية على مصلحة المدينة والجهة، وكانت أولى بوادر هذا الوضع تشكيلة المجلس البلدي للمدينة بتلوينها الحالي التي كانت تحمل منذ بداية تشكيل المكتب المسير جينات الموت، ولعل رفض الميزانيات لمرات متكررة وتغيير الأحزاب السياسية لمواقعها من الموالاة إلى المعارضة يقيم الدليل على هذا الطرح، ناهيك عن الغياب التام لمؤسسة الوالي الذي أصبح حضوره كغيابه ولم يقم بأي دور يذكر سوى الظهور في بعض المناسبات الثقافية، حتى بدأ المواطن الوجدي يحن إلى تلك الفترة الذهبية التي كان فيها الوالي السابق السيد محمد امهيدية يخلق المشاريع ويبدع في التنسيق مع المجالس المنتخبة وينصت للشركاء، ويتحسس مواجع السكان، إنه بالفعل والي من طينة خاصة لم نحس بخسارة تنقيله  إلا بعد هذا المستوى البئيس الذي وصلت إليه مدينة زيري بن عطية.

إن مدينة وجدة في هذه اللحظات الفارقة والصعبة تحتاج إلى مشاعر أعمق في التجرد وإنكار الذات كما تحتاج إلى صدق النوايا والاستماتة في الدفاع عن القناعات، بحيث تصبح مصالح الوطن فوق كل الاعتبارات. وعندما يصل بنا القطار إلى نفق مظلم ونحن في رحلة سفر فلا ينبغي أن نتوقف مهما كانت الأسباب والدوافع، ولا ينبغي الاستعانة على دفع الظلام بأضواء الهواتف النقالة، بل ينبغي الاستمرار في المسير إلى أن يتم الخروج من النفق ومعانقة أنوار السماء من جديد، ومن هنا فإنني أعتقد أن وجدة اليوم في حاجة إلى قرارات حاسمة خصوصا في مجال تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل خصوصا بعد الركود الذي لم يعد خافيا على أحد كان باحثا أو مهتما ، حتى لا يتوقف بنا القطار ونجد مدينتنا أمام تحديات تتجاوز قدراتها على المواجهة ويضيع منا العمر والجهد دون أن نصل إلى شيء.

متأكدون أن سياسة جلب الاستثمارات تعد من أهم الآليات التي أصبحت تنحوها الدولة المغربية خاصة في ظل راهنية احتدام المنافسة بين الاقتصاديات المختلفة المتقدمة منها و النامية، و يمكن أن يكون الاستثمار استثمارا للرأسمال، أو استثمارا للشغل أو غيره، وترتبط مرونة أي نظام بمدى تفعيل التدابير التحفيزية الممنوحة للمستثمرين. فالمستثمر لن يقبل على أي مغامرة استثمارية في جهة ما، إلا إذا كان متيقنا من الضمانات والتشجيعات التي تمنحها هذه الجهة وتنفرد بها دون سواها، لذلك فإن اللعب على وتر الانتماء للمدينة لجلب المستثمرين المقيمين بالخارج والمنحدرين من مختلف مدنها وقراها لن تأتي بأي نتائج، ما دام البعد الجغرافي عن المركز قائما والتحفيزات الضريبية الخاصة بالجهة منعدمة، وما دامت مراكز التسويق بعيدة… ولو كان الانتماء للجهة كافيا لجلب استثمار أبنائها لما فر منها المستثمرون السابقون الذين رحلوا إلى البيضاء وأكادير ومدن أخرى تغنيهم من تكاليف إضافية مرتبطة باللوجستيك وارتفاع سعر البنزين بالجهة مقارنة بمختلف الجهات..

لقد عانت مدينة وجدة منذ استقلال المغرب من قرارات مجحفة كرست مقولة “المغرب غير النافع” كعقيدة عصية التخلص من مدلولاتها لدى المسؤولين وصناع القرار، وظل اقتصادها يعتمد على الاقتصاد غير المهيكل ويشكو الاعتلالات والأسقام التي لا يمكن تجاوزها إلا بقرارات جريئة وصائبة وبنوايا صادقة لإخراج الجهة من غرفة الإنعاش، فجاءت المبادرة الملكية لتنمية أقاليم الجهة الشرقية التي أعلن عن خطوطها العريضة صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بوجدة يوم 18 مارس 2003، فوضع هذا الخطاب كل الزيارات الملكية السابقة واللاحقة في سياقها الاستراتيجي والتنموي. وما أن مرت بضعة سنوات على هذا الخطاب حتى بدأ يحس مواطنو هذه الجهة بالنقلة النوعية التي أعادت الروح لمدن هذه الجهة بفضل ما تم انجازه برعاية ملكية سامية، قد نتذكر كلية الطب والمستشفى الجامعي وحسناته على سكان المنطقة، وقد نتذكر الطريق السيار وجدة فاس وما ساهم به من ربح الوقت وضمان الراحة والسلامة الطرقية، وقد نتذكر مطار وجدة أنكاد، والمحطة السياحية بالسعيدية ومحطة مارتشيكا ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، وقد نتذكر الخط السككي الناظور تاوريرت، فضلا عن عشرات المشاريع المهيكلة، كما قد نقف عند جهود الوالي محمد امهيدية في إبداع مشاريع جديدة تهم المجال ألطرقي والبيئي والسياحي…  لكن مع كل هذه الجهود لا زال استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل بعيد المنال بالشكل الذي يطمح إليه كل غيور على جهته، ولا يمكن التخلص من هذا الواقع المرير إلا بتضافر الجهود وصدق النوايا والقطع مع القرارات الارتجالية والإجراءات التي تتحكم فيها الحسابات الشخصية أو الحزبية أو المصالح العائلية ..  لذلك كان على المسؤولين الجهويين والمحليين أن يضعوا نصب أعينهم هذا الجهد الملكي الكبير ليحافظوا على رصيده الهام من المنجزات والحفاظ عليها والاسترشاد بالتوجيهات الواردة في الخطاب الملكي ليوم 18 مارس 2003، فيا من أوصلتم الجهة الشرقية ومدينة وجدة على الخصوص إلى هذا الحضيض استحيوا فقط من جهود صاحب الجلالة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.