احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > Le harcèlement scolaire، أو المضايقة المدرسية .. الركن المغيب في مقاربة العنف بالوسط المدرسي المغربي ..(ج3)

Le harcèlement scolaire، أو المضايقة المدرسية .. الركن المغيب في مقاربة العنف بالوسط المدرسي المغربي ..(ج3)

وجدة: ذ. محمد حماس (باحث في التاريخ والثرات)

• تبقى وزارة التربية الوطنية المغربية في منأى عن النبش في المضايقة المدرسية .. بل هي تخلط بين العنف بالوسط المدرسي وتغفل عن ظاهرة المضايقة المدرسية والتي هي أخطر وأعمق تأثيرا .. وحتى العنف داخل المؤسسة التعليمية لا تتم مقاربته وفق رؤية ذات عمق تربوي، إذ لا يعدو الأمر بضع تقارير يتم تعبئتها وفق تراتبية السلم الإداري أو مكالمات هاتفي إخبارية، ليقف الأمر عند هذا الحد .. أما المضايقات ذات الطابع اليومي والتي تستمر عبارة عن آثار نفسية، خاصة بين المراهقين بالإعداديات، في الأشد خطورة، لأنها جرح قد لا يندمل مع مر السنين، بسبب غياب الجهات المعنية باحتواء الظاهرة وعالجتها في بداياتها، على مستوى المؤسسة والأسرة .. كثيرة هي الأعطاب التي أضحى المتعلم فريسة لها أمام غياب دور حقيقي حضن دافئ للأسرة، مقابل استفحال الاستعمال السلبي لوسائل التكنولوجيا الحديثة …
 أي رؤية للوزارة الوصية
نحتاج في البداية للتساؤل: هل تتوفر الوزارة الوصية على قطاع التعليم على رؤية واضحة ودقيقة تجاه العنف داخل المؤسسة التعليمية، أي العنف الذي نورده في هذه الورقة، والموسوم ب”البلطجة المدرسية”؟؟
رصدت وزارة التربية الوطنية، خلال الموسم الدراسي 2013-2014، حوالي 24000 حالة عنف مدرسي، منهت 69% من حالات العنف داخل المؤسسات التعليمية، و31% في محيط هذه المؤسسات .. جلها بجهات الشاوية ورديغة ومكناس وتافيلالت. هذه الأرقام لا علاقة لها بالمضايقة التي نحن بصدد الحديث عنها، لأنه، وكما أوضحنا سلفا، هناد فرق واسع بين العنف في الوسط المدرسي والمضايقة، هذه الأخيرة تقوم على المضايقة النفسية المتكررة بشكل دائم يكاد يكون يوميا، حيث تكون الضحية مستهدفة بعينها والمعتدي متنمرا واضحا، عكس العنف الذي يكون عبارة عن مشاجرات عابرة بين التلاميذ أو تلميذ تجاه أستاذ أو العكس، الشيء الذي يجعل ما تشتغل عليه وزارة التربية الوطنية، وهو عمل يدخل في صميم المقاربة الأمنية ومن اختصاص الشرطة، إذ ينحصر دور الإدارة التربوية بتحرير محضر لواقعة العنف وإخبار الجهات المعنية حسب تراتبية السلم الإداري التي تكتفي بعملية تسجيل وإحصاء الحالات داخل ما تسميه “مراكز العنف” التي يتم تكليف موظفين بتتبعها عبر الهاتف، أو تكليف لجنة من هيئة التفتيش التربوي بالزيارة الميدانية لمكان النازلة وإنجاز محضر لا يختلف عن سابقيه للدوائر المسؤولة، وقد يتطور الأمر ليصل إلى المحاكم بين الطرفين المتنازعين لينتهي دور المؤسسة التعليمية عند هذا الحد، حيث تغيب المقاربة التربوية، وهي الأهم ..
لا أتفق مع ما يسمى عبثا “المجلس التأديبي”، لأنه لم يكن في يوم من الأيام مجالا لعلاج ما يحدث من خلل داخل المؤسسة التعليمية، في علاقة التلميذ بزميله أو أستاذه أو بجماعة القسم عامة. ثم تفقت عبقرية الوزارة الوصية، في السنوات الأخيرة، عن بدعة التأديب بواسطة البستنة وقضاء بعض الوقت في مكتبة المؤسسة، وهي نظرة مبهمة لا تنم عن بعد نظر لؤية تربوية سليمة، تقوم على أسس علمية .. من هنا، وفي ذات السياق، يمكن الحديث عن مواجهة المضايقة المدرسية التي تحمل وجها من العنف، وأقول أنه الوجه المتقدم للعنف بالوسط المدرسي. فهناك العديد من الدول دخلت حملة متقدمة لمواجهة ظاهرة المضايقات داخل المؤسسات التعليمية، منها فرنسا، وهيأت لهذه العملية شروط النجاح، ولو أن نتائجها تبقى محدودة غير مقنعة، إلا أن الجميل في الأمر هو العناية الفائقة التي توليها دول أخرى لهذه العملية وغيرها، الشيء الذي من شأنه الحد منها وإن لم تنجح في اجتثاثها، لأنها تراهن على السلامة النفسية للأطفال شباب الغد.
نتساءل أيضا، عن الدراسات المنجزة من طرف وزارة التربية الوطنية المغربية عن ظاهرة المضايقة المدرسية، Le harcèlement scolaire؟؟ وعن مدى اهتمامها بالظاهرة، لأنه عند الاطلاع على الوثائق الرسمية وما يسمى “مشاريع” الوزارة، لأن هذه الأخيرة لا تتوفر على رؤية واضحة أو تحمل هما للمدرسة عمومية كانت أو خصوصية، لا نعثر على أثر لدراسة أو وثيقة من هذا القبيل، عدا المراسلات التي توصي بتأسيس مراكز لمحاربة العنف بالوسط المدرسي، وهي كما أسلفنا، عملية فارغة من أي محتوى تربوي … عدا ما نعثر عليه من نتف ل”دراسات”، لا سند قوي لها ولا عمق ولا مقومات، أنجزتها UNESCO، وهي تخلط بشكل واضح بين العنف المدرسي وبين المضايقة المدرسية.

إن المضايقات المدرسية مضاعفاتها خطيرة، هي مثل القنبلة الموقوتة التي سيحملها ضحية هذه المضايقة معه إلى حين تنفجر في وسط ما وفي ظروف مختلفة عن الوسط المدرسي. لأنه يتوجب الانتباه إلى أن المضايقات يمكن أن تكون لها مضاعفات خطيرة، اجتماعية وجسدية ونفسية على المدى الطويل، تكون بداياتها بالتغيب والانقطاع عن الدراسة. كما يمكن أن تؤدي المضايقات إلى مشاكل في الذاكرة والتركيز وصعوبات التفكير.
الآن، وفي زمننا الحاضر، يصعب في كثير من الأحيان فهم المعاناة الشديدة للأفراد، يمكن وصفها بمعاناة أخلاقية، تحتقن وتتفاقم وقد تؤدي للانتحار، ومنها قضاء أكبر الوقت قرب الإنترنيت، فيقع الضحية فريسة ما يمكن تسميته التسلط أو الترامي على خصوصياته وحريته من طرف الغير، الشيء الذي سيؤدي إلى مزيد من الانطواء وفقدان الثقة بالنفس، والإحباط أو الاكتئاب، وقد ينجم عنه تحول نحو شخصية عدوانية، ناهيك عن والتسرب المدرسي أو التسرب من المدرسة Décrochage scolaire..déscolarisation.

 ما السبيل للتخلص من المضايقة المدرسية
تتطلب محاربة البلطجة، أو المضايقة المدرسية توعية التلاميذ بداية من المقررات الدراسية، والتي يجب أن تتضمن العديد من الفقرات والنصوص والكتابات وغيرها مما يمكنه المساعدة على توضيح الظاهرة وشخصية المعتدي، فلا تصبح من الطابوهات tabou، إذ يتوجب التشجيع على الخوض في موضوع الظاهرة والإلمام بجوانبها والتعرض لنماذج وحالات، بغرض التدخل والرد على تلك الحالات، أو تكوين فريق من التلاميذ يتولى هذه العملية يؤطرهم أحد أو مجموعة من أساتذتهم. من هنا يجب وضع برامج للوقاية تهتم بالتشجيع على مواجهة المشكلة بدلاً من تجاهلها.
لابد من الاعتراف بوجود الظاهرة من طرف الجهات الرسمية جمعيات الآباء وكل المشتغلين بالحقل التعليمي التربوي، لتتضافر جهود الجميع من أجل الحد من الظاهرة، من خلال وضع برنامج محكم يخضع لمعايير وشروط البيداغوجيا والسكولوجيا والسوسيولوجيا، يأتي في مستهلها التوعية بخطورة الظاهرة وانعكاساتها السلبية على الناشئة، عبر عقد لقاءات وندوات للتوعية بالظاهرة، وإنجاز ملصقات وأفلام سينمائية قصيرة وعروض مسرحية ورسوم متحركة لهذا الغرض، ثم سن قوانين ذات حمولة تربوية كبيرة للحد من الظاهرة، وتفعيل دور خلية الاستماع والتتبع داخل المؤسسة وإحاطتها بالسرية التامة وعدم إفشاء أسرار الضحايا، إذ يتم عقد جلسات استماع لفائدة المعتدين والضحايا على حد سواء، ليأتي بعدها التعاون مع أسرة كل من الضحية والمعتدي، والتشجيع على مصاحبة الطبيب النفساني المختص، وعلى مستوى آخر يجب مواجهة والتبليغ عن المعتدي لدى الإدارة أو الأستاذ لردعه قبل فوات الأوان، ووضع خط أخضر للتبليغ وطلب المساعدة، لأنه لابد من التصدي للظاهرة، فالصمت عن هذا الفعل هو تواطؤ وموقف سلبي، فالمعتدي يستمد قوته من صمت الآخرين، وأولهم صمت الضحية، الذي قد يكثر من الغياب بشكل ملحوظ، l’absentéisme، فيجب التنبه دواعي الغياب والاستماع للضحية بدل مطالبته بالتبرير الإداري لغيابه، وهذا يحدث بشكل ملحوظ بين اليافعين بالسلك الإعدادي. لهذا لابد من سياسة واضحة معلنة للوقوف ضد ظاهرة والحد منها…

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.