احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: ثقافة تبيض السخافة

الافتتاحية: ثقافة تبيض السخافة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

الثقافة بالمغرب لا يفصح عن واقعها إلا الصور المقززة التي تفرزها القنوات والمهرجانات والمسابقات الغنائية.. ولا يرضى عن هذا الواقع إلا أصحاب الرساميل الذين يبحثون عن الر بح ولو كان على حساب الثقافة المغربية، فالجميع حكومة وشعبا ورموزا يتحدث عن العصر الذهبي للثقافة المغربية، والجميع يحكي عن القوة الناعمة، التي هي أخطر وأهم أسلحة الشعوب المتحضرة منذ مئات السنين.. والكل يتحدث عن حالة التجريف الثقافي التي حدثت لنا في السنوات الماضية، أمام أسباب وظواهر نعرفها، كان أهمها وأخطرها إهمال الثقافة الحقيقية وتهميش دور المثقفين وإفساد منظومة التعليم والإعلام، كلها أسباب نعرفها ولكن الجديد الآن  هو أن الدولة بدأت تدرك عن وعي مخاطر إهمال الثقافة المغربية واثر ذلك على دور المغرب في محيطها المغاربي والمتوسطي.

إذا أردنا أن نعرف ونشخص الحالة التي وصل إليها واقعنا الثقافي، علينا أن ندرس الأسباب لكي نصل إلى الظواهر، وهي واضحة أمامنا في كل شيء، ابتداء بفوضى الإعلام وانتهاء بالحالة المتردية التي وصل إليها الفن المغربي في كل مجالاته.. حين تقارن فقط في مجال الغناء وتتذكر يوم أن كان المغاربة يسمعون القمر الأحمر، وراحلة.. وماذا يسمعون الآن، وتجد أمامك من يغني بكلمات بذيئة.. وتجد الشاشات مكدسة بهذه الألوان الهابطة من الفن الرديء.. وتبحث عن نعيمة سميح أو عبد الوهاب الدكالي.. فى قناة واحدة مغربية فلا تجد لها أثر..

إن أخطر ما نواجهه الآن في أزمة الثقافة، أننا نعرف الأسباب وكل مسؤول تولى منصبا في هذا البلد كان يعرف حجم الكارثة، وأننا نمضي في سرداب طويل مظلم حتى وصلنا إلى ما نحن فيه.. إن الجميع يعلم الأزمة الحقيقية للتعليم ابتداء بالمناهج وانتهاء بحالة الفوضى التي يعيشها هذا القطاع الخطير.. إن الجميع يعلم أسباب انحدار الإعلام المغربي وكيف تستخدم هذه القوة الحضارية في إفساد العقول وتغييب الشعب.. وكلنا يعلم حالة الانفلات التي تعيشها لغة الشارع المغربي، وكيف انعكس ذلك كله على الغناء كلاما وأداء، وعلى السينما أفلاما وعلى المسلسلات التي أطاحت بكل القيم والأخلاق.. حتى قضايا الدين انحرفنا بها إلى حوارات سوقية وألفاظ جارحة وتحليلات ساذجة وشاذة لا تتناسب مع قدسية الدين منهجا وأسلوبا وطريقا إلى الله.

حين تتحدث عن قضايا متداخلة الأطراف من حيث المسؤولية مثل الخطاب الديني وقضايا التعليم والتجريف الثقافي ولغة الحوار والفن الهابط وانحدار الذوق العام، أليست هذه القضايا تحتاج إلى تنسيق وتكامل بين مؤسسات الدولة؟ ماذا تفيد البرامج والنظريات أمام تطبيقات خاطئة هل ينفصل الخطاب الديني في لغته ومناهجه عن دور الجامعات في التعليم، ودور الإعلام في الحوار والتوجيه، ودور الجمعيات في الترشيد.. ولهذا فإن التنسيق بين المؤسسات الثقافية في الدولة ضرورة أساسية من أجل ثقافة جادة وفكر واع مستنير..أما منطق التوسع في المؤسسات الخرسانية والمباني والمهرجانات والمسابقات العقيمة، فقد وصلت بنا إلى ما نحن فيه الآن من حالة التجريف الثقافي التي نعيشها.

نأتي إلى قضية أخرى وهي قضايا الإبداع الفكري والفني والثقافي وهي تتطلب من الدولة ومؤسساتها الثقافية توفير المناخ المناسب لخلق مواهب إبداعية حقيقية، يأتي هنا دور الجامعات بل والمدارس وأجهزة الإعلام ودور المسارح ومعاهد الفنون وقبل هذا كله إيجاد الوسائل التي تعيد الجمهور إلى الأنشطة الثقافية منذ توقف النشاط الثقافي في كل مجالاته على إقامة المهرجانات وإقامة المباني، أصيب الإبداع المغربي بحالة عقم طالت.. وحين تصور البعض أن سياسة الصراعات بين السياسيين والمسؤولين حول مسؤولياتهم، انفصل الإبداع عن الشارع والدولة وأصبحت هناك حالة من الجفاء بل والإهمال بين الدولة ومبدعيها.. إن الإبداع يقوم على محاور أساسية فيها المبدع والجمهور والوسائل التي توفرها الدولة للمبدعين، ولهذا فسدت أحوال السينما حين تحولت إلى تجارة رخيصة تقوم على العري والإسفاف، وتراجع الغناء حين تسللت إليه أصوات غوغائية ليس لها في الغناء أي حظ، وانحدرت الفنون الأخرى أمام هبوط الذوق العام وسيطرة السطحية على المناخ الفكري والثقافي.. هل كان أحد يتصور أن تصل لغة الحوار في الإعلام والثقافة وبين رجال الدين إلى هذا المستوى وهم يناقشون القضايا الكبرى للوطن، هل كان أحد يتصور أن يتطاول شخص ما، مهما كان علمه وحجمه على رموز دينية لها مكانتها في ضمير ووجدان الناس. إن حالة الانحطاط التي وصلت إليها لغة الحوار في كل المجالات السياسية والدينية والفكرية وصلت بالثقافة المغربية إلى أسوأ حالاتها ومراحلها..

هناك أمراض كثيرة يعاني منها المناخ الثقافي في المغرب في كل جوانبه إبداعا وجمهورا ولغة وحوارا.. لا يمكن أن نفصل قضية إصلاح الخطاب الديني عن لغة الحوار، ولا يمكن أن نناقش قضايا الإبداع بعيدا عن مصادره من المبدعين، ولا يمكن أن نناقش قضايا الحريات بعيدا عن المناخ السياسي، حيث لا فكر ولا أحزاب ولا قضايا.. إن الدولة تخصص الملايين كل عام في ميزانيتها للثقافة والتعليم والإعلام والشباب، فهل وصلت هذه الأموال إلى مستحقيها وهل تركت لنا عقولا أفضل وسلوكا أرفع ولغة تحافظ على قيم المجتمع وأخلاقياته..؟ هناك جزء كبير من هذه الأموال ضاع في المنشآت والمباني وجزء آخر ضاع في الحفلات والتسالي وجزء ثالث ضاع على المرتبات والمكافآت والليالي الخضراء والحمراء في سراديب المكاتب والمؤسسات، وبقي العقل المغربي يعاني كل أمراض السطحية والتخلف والبلاهة.

حتى الآن مازالت قضية الثقافة على هامش حياتنا رموزا ودورا ومسئولية ومكانة رغم انها أعظم ما لدينا وأعرق ما فينا.. يجب ان تأخذ الثقافة مكانها ومكانتها في فكر وخيال الدولة المغربية بعد ان غابت زمنا طويلا عن عقول سبقت لم تؤمن بها ولم تحافظ عليها وتركتنا نجني الثمار المرة في التخلف والتجريف والإرهاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.