احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: حكومة الكفاءة الغائبة والنموذج التنموي الجديد‎

الخط الاحمر: حكومة الكفاءة الغائبة والنموذج التنموي الجديد‎

زهر الدين طيبي: هل فعلا حقق العثماني في نسخة حكومته الثانية مطالب المغاربة في تنزيل سياسات عمومية مناسبة وفعالة؟ هل يمكن اعتبار الحكومة الجديدة حكومة كفاءات؟ وماذا عن وتيرة الإنجازات المستمرة في البطء وكيف يمكن تنزيل الأوراش المفتوحة في ظل استمرار الصراعات حول الاختصاصات؟

رغم مرور حوالي أربعة أشهر على خطاب العرش الذي كلف فيه الملك رئيس الحكومة برفع، مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى على أساس الكفاءة والاستحقاق، لازال المواطنون ينتظرون تجديد مناصب المسؤولية الإدارية بعد تشكيل الحكومة الجديدة.

لقد كان الدخول السياسي في الجمعة الثانية من أكتوبر الماضي، وقبله بيومين تم الإعلان عن الحكومة الجديدة، ولا زلنا في انتظار اقتراحات رئيس الحكومة، لتغيير كبار المسؤولين تنفيذا للتوجيهات الملكية التي حملها خطاب العرش الأخير، وما من شك أن المواطنين يترقبون ما سوف يقدم لهم رئيس الحكومة كمستجدات في هذا الجانب، وكلهم أمل بأن تكون الكفاءات الحقيقية موجودة ضمن مناصب المسؤولية التي سوف يتم تجديدها، بعدما لم تقنعهم لمسات الفريق الحكومي والحكومة التي وصفت بأنها حكومة كفاءات حتى الآن، حيث لا جديد على أرض الواقع يوحي بأن الحكومة الجديدة تتجه نحو تغيير الوضع والدفع في اتجاه الخروج من الاحتقان الاجتماعي. صحيح بأنه لم يمض وقت طويل على تعيين الحكومة الجديدة، ولكن التعديل الذي قال عنه رئيس الحكومة بأنه كان مطلبا للمواطنين وتم التفاعل معه رسميا، لم يؤت ثماره، فهل كل ما كنا ننتظره هو تقليص عدد الوزارات ودمج القطاعات دون نجاعة تذكر؟ أو ربما كل ما انتظره المواطن هو تبادل المجاملات والثناء على نجاحات الوزراء المغادرين على رأس قطاعاتهم؟ فمتى كان رئيس الحكومة يقترح تغيير الفريق الناجح؟ وإذا كان العكس هو الصحيح، لماذا لم تقدم الحكومة حتى الآن تقييما لحصيلة الوزراء المغادرين، على الأقل في إطار الشفافية وتجاوز هذه العثرات من طرف الفريق الجديد؟

الواقعأنآمالالمواطنينتبخرت مع التعديل الحكومي الذي انتظروه طويلا، معتقدين أنهم سيحصلون أخيرا على حكومة الكفاءات التي ستسرع من وتيرة الإنجازات، وتبدع في تقديممبادراتوتبدأفي تنزيلسياساتعموميةكفيلةبملامسةمطالبالفئاتالتيلمتستفد من الأوراش المفتوحة.

ما ينتظره المواطن المغربي البسيط ليس هو التغيير أو التقليص من أجل التغيير دون فعالية، بل الإبداع في اقتراح مبادرات تقنعه بأن قطار الإصلاح الحقيقي قد انطلق، وأن الكفاءة المطلوبة سوف تنعكس قيمتها المضافة على المعيش اليومي لكل البسطاء من عامة الشعب. أين نحن بعد أكثر من شهر من الكفاءات الموعودة، والانسجام والتقائية البرامج؟ وماذا تغير بعد دخول الكفاءات؟ لا زلنا لحد الساعة ننتظر لمسات الوزراء الجدد كما لا زلنا نترقب تلك الكفاءة التي أرهقنا رئيس الحكومة بترديدها، ولم نر غير التيه والتنقل بين مقار وزارات مترامية الأطراف، قصد توقيع الملفات المتراكمة إذا ما توفر الوزير على صلاحية التوقيع ومنحته رئاسة الحكومة الاختصاصات المخولة له.

إن ما صرح به رئيس الحكومة بعد تشكيل النسخة الجديدة، وتقليص عدد الوزراء والتفاؤل المفرط بخصوص مستقبل الحكومة التي وعدنا بأنها ستعمل خلال الفترة المقبلة على تحسين الوضع السياسي والاجتماعي في الحدود الممكنة، كان مجرد بيع للوهم، كشف الواقع حقيقته. لا نريد زرع اليأس، كما لا نريد أن نكون عدميين، ولكن هل بهذا التعديل الحكومي الذي لا تبدو معالم الكفاءة والتغيير فيه، ينتظر سعد الدين العثماني تحقيق التنمية الدائمة في أفق النموذج التنموي الجديد؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فإن رئيس الحكومة ينتظر تحقيق المعجزات في زمن غير زمانها.

يمكن الجزم انطلاقا مما سبق أن المواطن لا زال يأمل بأن تكون الكفاءات الحقيقية موجودة ضمن مناصب المسؤولية الإدارية التي سوف يتم تجديدها. وفي انتظار هذه التغييرات التي ينتظر أن تشمل مجموعة من المسؤولين السياسيين والإداريين، بدأت من الجانب الآخر تظهر معالم اللجنة الخاصة المكلفة بوضع النموذج التنموي الجديد، بعد الاستقبال الملكي الثلاثاء الماضي لشكيب بنموسى وتكليفه برئاسة هذه اللجنة في انتظار معرفة باقي أعضائها واستكمال هياكلها، حيث ستكون مدعوة لاقتراح مجموعة من الأفكار والآليات الملائمة، للانتقال نحو نموذج جديد يحمل تصورات تتجاوز مرحلة التشخيص والتقييم، وتقدم مجموعة من الأفكار الاستباقية والاستشرافية التي تكون قابلة للتفعيل والتنفيذ والتتبع، وتتضمن مجموعة من المقاربات الكفيلة بجعل المغاربة كطرف في هذه المعادلة التنموية، يتملكون النموذج التنموي الجديد، وينخرطون جماعيا في مسلسل إنجاحه.

المؤكد أن تزايد الطلب الاجتماعي في المغرب أصبح يفرض مراجعة النموذج التنموي المعتمد، وذلك بوضع نموذج جديد يواجه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا تلك التي ترتبط بالشباب من أجل استقراره عبر توفير التعليم والصحة والشغل. ولا يمكن أن يتحقق نجاح أي نموذج تنموي إلا بشفافية القرار العمومي، عبر إشراك جميع الهيئات والمؤسسات لوضع سياسة عمومية فعالة يكون أثرها ظاهرا وملموسا في حياة المواطنين.

وإذا كانت عناوين المرحلة القادمة هي تجديد النخب واستقطاب الكفاءات، فإن الرهان الأكثر أهمية، الذي سيرسم معالم المغرب على المدى القريب جدا والمتوسط، سوف يهم أساسا بلورة هذا النموذج التنموي الجديد الذي يفترض أن يقوم على جيل جديد من الإصلاحات، إلا أن المعول عليه في أفق بلورة عقد اجتماعي جديد ينخرط فيه الجميع، هو فتح نقاش عمومي ديمقراطي ومثمر بشأن تقييم عمل كافة الفاعلين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، باشراك وازن لمختلف الأحزاب السياسية باعتبارها معنية بالموضوع، ولأنها من بين الفاعلين الرئيسيين في تجميع المطالب الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية والسياسية. ما من شك أنه بالاستقبال الملكي للسفير ووزير الداخلية السابق شكيب بنموسى وتكليفه برئاسة اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، نكون قد دخلنا السرعة القصوى لتقديم مقترحات كفيلة بالانتقال نحو نموذج تنموي مغربي جديد، بعدما استنفد النموذج الحالي كل إمكانياته ولم يعد قادرا على الاستجابة لمطالب المجتمع المتزايدة، حيث بتعيين رئيس لهذه اللجنة نكون قد شرعنا في العد العكسي، لتشكيل اللجنة ومعرفة أعضائها، ودخلنا فعليا مرحلة تنزيل ما ورد في خطاب العرش الأخير من دعوة إلى مرحلة جديدة وجيل جديد من الإصلاحات للحد “من التفاوتات الصارخة في المملكة”، على اعتبار أن الإنجازات الكثيرة التي تحققت لم تشمل بما يكفي جميع فئات المجتمع مادام بعض المواطنين لا يلمسون آثار المشاريع المنجزة “في تحسين ظروف عيشهم وتلبية حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية والحد من الفوارق الاجتماعية“.

المؤكد أن هذه اللجنة التي أعلن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش عن تشكيلها، سوف تجد نفسها أمام ضرورة التفكير في اقتراحات لمعادلات تنموية جديدة، تكون ضمن أولوياتها محاربة الفقر التي أصبحت اليوم، مطلبا ملحا واستعجاليا لما ينجم عن الفقر من اختلالات نفسية وامراض اجتماعية، وما يشكله من عوائق تحول دون التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة.

حتما لا يمكن بين عشية وضحاها القضاء على التفاوتات المجالية بين الجهات وبين الأقاليم داخل نفس الجهة، ولا بين المدن والقرى، كما لا يجب انتظار القضاء على الفقر بالمغرب ولا على الفساد، صحيحأنهتم فيإطارالحكامةورفعشعاراتالعدالةالاجتماعية ومحاربة الفساد، إعداد مجموعة من الاستراتيجيات القطاعية، وتمتنزيلمجموعةمنالهيئات للانكباب علىمختلفالمشاكلالتيتعيقالنموببلادنا، كما تم إنجاز مجموعة منالتقاريرالدوريةالتيتقدمهاهيئاتالحكامةوهيئاتالرقابةعلىالمالالعام، ومنهاتقاريروتوصياتالمجلسالأعلىللحسابات، ولكنها كلها لم تحقق الغاية المطلوبة.

لهذا سوف يكون على اللجنة فتح نقاش عمومي لتقديم اقتراحات عملية وقابلة للتحقيق، تسمح بتنزيل سياسات عمومية تكون قادرة على تحقيق تعميم التعليم بالجودة المطلوبة، وتوفير الرعاية الصحية والعمل اللائق وتحقيق تكافؤ الفرص والتقليص من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى إطلاق أوراش استثمارية كبرى واعتماد جيل جديد من الإصلاحات الاقتصادية المهيكلة من أجل تثبيت نمو اقتصادي يكون دائما ومستقرا، يقوم على خلق الثروة وتوفير فرص الشغل، ولا يمكن تحقيق كل ذلك دون التفكير في الإمكانيات والموارد المالية اللازمة لتحقيق هذه الاقتراحات من قبيل مراجعة النظام الضريبي لتحقيق العدالة الجبائية، ومحاربة كل أشكال لفساد وتجريم الثراء الفاحش وغير المشروع في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة، وفشلت حكومتا العدالة والتنمية في القضاء على النسب المرتفعة للفقر، إذ لا يعقل ان يعيش في مغرب اليوم أكثر من 4 ملايين ونصف من الساكنة التي تعاني من الفقر المدقع حسب إحصائيات 2014، وحوالي 3 ملايين من السكان يعانون من غياب المدارس والطرق، والملايير تنهب جهارا من المال العام دون حسيب أو رقيب في قطاع التعليم والصحة وفي تدبير الجهات والجماعات الترابية، كما في كل القطاعات الأخرى. والتهرب الضريبي يخلق عاما بعد عام ثقوبا كبيرة في خزينة الدولة، فهل تنجح اللجنة المرتقبة حيث فشلت الحكومات المتعاقبة؟ ذاك ما نأمله لهذا الوطن الذي نعتز بالانتماء إليه، ونرفض استمرار نهبه من عديمي الضمائر.

إنها مقدمات لترتيب مشهد سياسي واقتصادي جديد، بمنطق جديد، قد يقلب عددا من المعادلات السياسية المعتمدة حاليا. حتما الأيام القليلة القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت.

 

 

 

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.