احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: نخب متميزة

الافتتاحية: نخب متميزة

بقلم: عبد المنعم سبعي:

في محطات متباينة من التاريخ السياسي المغربي الحديث وما أكثرها، طرح سؤال تميز نخب الجهة الشرقية على المحك، سواء من حيث التميز في الأداء أو التميز في المواقف، ورغم أنه يبدو جليا تضارب تقييم المتتبعين للكثير من الأحداث المتميزة للشأن السياسي بالجهة الشرقية بسبب اختلاف إيديولوجي أو ثقافي، فإن بعض نخب الجهة الشرقية أبانت في بعض لحظات الجدل السياسي والفكري عن تفرد بقيمة خاصة ونادرة. ولمقاربة هذا التميز بنمذجة من صلب الممارسة، يكفي الوقوف على موقف الأستاذ مصطفى بنحمزة الذي اعتذر عن حقيبة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي اقترحت عليه أثناء تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران في نسختها الأولى، وهو اعتذار فسر بالزهد في المناصب في وقت تتصارع فيه أسماء وعائلات لنيل شرف الاستوزار، كما أن النقاء الذي طبع الحياة العملية للمرحوم عبد العزيز مزيان بلفقيه طيلة تقلده المناصب العليا والمهام الكبرى رشحته لأن يوصف من طرف المتتبعين السياسيين بالوطني الصادق ورجل الدولة الكبير الذي لم تتلطخ مسيرته بالخيانات، والسيدة زليخة الناصري بقيت بحيوية الشباب في ملامسة أعقد الملفات المرتبطة بالفقر والتنمية البشرية إلى أن وافتها المنية نهاية سنة 2015، وعلال السي ناصر غادر الديوان الملكي بنقاء المتصوف وحكمة الفيلسوف… إنها نماذج من نخب الجهة الشرقية وصفحات مشرقة من سجل النخب المغربية، فهل هو تميز نابع عن ثقافة سياسية خاصة بأبناء الجهة الشرقية، أم الحظ وحده هو الذي ساهم في إبراز هذه الملاحظات الاستثناءات في مسيرة النخب في المغرب؟

متيقنون أن الكثير ممن يندرجون ضمن مفهوم نخب الجهة الشرقية، قد احتلوا مواقعهم من خلال المحطات الانتخابية التي عرفها مغرب ما بعد الاستقلال، ولم يعد خافيا على أحد من الدارسين ذلك التكتيك الذي كانت تنهجه وزارة الداخلية خصوصا على عهد إدريس البصري لإفساد المشهد الحزبي عند بداية كل استحقاقـ، وكيفية تحويل الأحزاب السياسية إلى “باركينغ” حقيقي أو سوق يمكن الإدارة من الحصول على حاجياتها من اليد العاملة السياسية التي باستطاعتها إضعاف الخصم وتجريده من تمثيلية قوية وسط المجتمع ولم يكن ذلك الخصم سوى الأحزاب اليسارية والوطنية وعلى رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولم تكن مدينة وجدة خصوصا والجهة الشرقية على وجه العموم بدعا من هذا الواقع ولا استثناء عارضا من هذه الخطة المخزنية البصرية، لذلك سترى مجموعة من النخب الشرقية  النور في هذه الأجواء السياسية العكرة، وستلعب دورا رياديا في عملية تفريخ الأحزاب وخلق كائنات سياسية إدارية تلعب دور الجبهة المتقدمة للمخزن داخل الجماعات المنتخبة أو السلطة التشريعية.

في اعتقادنا أن سطوع نجم العديد من النخب السياسية التي ظهرت بالجهة الشرقية منذ سبعينيات القرن الماضي إلى أواخر تسعينياته جاء استجابة غير مشروطة لهذه الخريطة المتحكم فيها من طرف وزارة الداخلية، وتتويجا لبعضهم فقد كانت جائزتهم أن وصلوا إلى البرلمان بطريقة ممنوحة مع الثلث غير المباشر قبل العمل بنظام الغرفتين.

إن الذين يعرفون أسرار السياسة المغربية مقتنعون بدور السلطة السياسية والداخلية في تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار انطلاقا من 140 نائبا حرا لإعادة التوازن للمشهد السياسي الذي عرف توترات حادة خصوصا بعد فشل الحكم في استقطاب الحركة الوطنية إلى العمل الحكومي، وفي هذه المرحلة ستكون الجهة الشرقية حاضرة بقوة فرئيس هذا الحزب الجديد محسوب جغرافيا على مدينة وجدة، وأكثر معاونيه وكاتمي أسراره ينحدرون من الجهة ذاتها، وما أن حاول هذا الحزب كسب استقلاليته من خلال بعض المواقف المعروفة، حتى شرعت الداخلية في محاولة قص أجنحة التجمع الوطني للأحرار، ففي سنة 1983 سينشق الحزب الوطني الديمقراطي وستكون نخب الجهة الشرقية ضمن المنشقين وعلى رأسهم السيد موسى السعدي، وفي سنة 1984 سينشق حزب الاتحاد الدستوري ولن يتخلف العديد من نخب الجهة من معانقة هذا الحزب ومن بين هؤلاء السيد علال بولويز..

لا مندوحة من الاعتراف بأن ثمة شخصيات محسوبة جغرافيا على الجهة الشرقية عرفت في مسيراتها بالضعف في الأداء أو بالانخراط في مسلسلات من الخيانات والاغتناء بالمال الحرام، أو بالترحال السياسي بين الأحزاب الإدارية، كما لا يساورنا شك في أن بعض هذه الشخصيات وبعد حياة سياسية مذللة ستعرف أن مغرب الأمس ليس هو مغرب اليوم وأن عسل الأمس سيصبح مرا، لذلك ستسعى إلى تحريك الشجرة من اجل إسقاط آخر ثمارها وبقيت كذلك إلى سقوط آخر ثمرة التي جرتهم إلى مزبلة التاريخ.

هذه المصاحبة الحليمة للأحزاب المفرخة من طرف نخب الجهة الشرقية وفي أغلب فصولها توحي بانطباع عام مفاده أن  كل النخب المغربية تتقاسم نفس النبع ، لكن لمجرد انحدار احمد عصمان من الجهة الشرقية ولعبه لتلك الأدوار المتميزة في مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، وذيوع جدية بعض المنتخبين في التعامل مع قضايا محلية ووطنية، تعطي لهذه الالتفاتة الخاصة بنخب الجهة قيمتها، وتبرز أهميتها في كونها محاولة لسبر خلجات نفوس هذه النخب ورحلة في أقاليمها المظلمة والمنيرة على السواء. فأين اختفت مثل هذه النماذج من حياتنا السياسية؟ هل سنعثر على بقايا جينات التميز في بعض المنتخبين من المحطات المقبلة؟ ربما فالخير لن ينقطع من أبناء هذه الجهة.

Zone contenant les pièces jointes

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.