احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > سلطة تجار الدين كالوقوع في الحب أو التأثير المغناطيسي .. أو حين يبيع أهل الدين الوهم للعامة ..

سلطة تجار الدين كالوقوع في الحب أو التأثير المغناطيسي .. أو حين يبيع أهل الدين الوهم للعامة ..

ذ. محمد حماس: باحث في التاريخ والتراث

… وبعيدا عن أي قراءة مغرضة لهذا المقال، أو توضيح ما جاء به الدين الإسلامي، عكس الديانات الأخرى، من دعوة للمساواة والعدالة الاجتماعية والإقرار بقيم الكرامة والعدل والتكافل والحق في العيش الكريم … لكن يبدو أن كل هذا ظل حبيس دفتي المصحف، وتم استغلال الدين، في غالب الأزمنة، للسلطة والتسلط وإضفاء الكثير من الشرعية على الاستغلال والاستعباد وطمس حقوق الناس واستنزاف خيرات البلاد والعباد، وتاريخ المسلمين يعج بالخلافات والحروب فيما بينهم حول السلطة والمال .. فالذي يمتلك خيوط اللعبة يحكم .. فلا أثر لحقيقة الدين وسط كل هذا الذي نرى ونسمع .. لا أحاول تبرير موقفي هنا، لكن هو استطراد بعيدا عن المزايدات ورفعا لكل لبس أو إلباس للحق بالباطل .. فأنا لا أثق مطلقا في من يتولى الحكم وسط جبة الدين ..
◊ الكنيسة في أروبا .. العصر الوسيط والتسلط ..
لست ممن يسقطون تجارب وتاريخ شعوب أخرى، على مجتمعات مختلفة، ومنها المغرب، لكن فقط لأن الشيء بالشيء يذكر، أستحضر تسلط الكنيسة التي بسطت نفوذها على المجتمع الأوروبي وأخلت نفق الفقر والتخلف والعبودية عبر سلطة الدين والفكر الغيبي، فأضحى رجال الكنيسة يتحكمون في دواليب الاقتصاد، ويعدون أنفاس الأفراد والجماعات، ويتحكمون في أبسط تفاصيل الحياة، لدرجة أن المرء لا يمكنه أن يستحم بالماء دون إذن من الكنيسة. ويعتبر Aurelius Ambrosius saint (340-397م)، من أكبر المنظرين المسيحية، حيث جعلها أكبر من الدولة، بل هي أقوى حتى من سلطة الأمبراطور. ثم بعده القديس أوغسطين Augustinus (354-430م)، صاحب المؤلفات الكثيرة، منها ” اعترافات القديس أوغسطينوس” و”مدينة الله” و” الايمان بأمور لا ترى” … وغيرها من المؤلفات التي تغرق الناس في طاعة الكنيسة، أو بالأحرى التسليم بقوة رجال الكنيسة وتجار الدين.
هيمنة الكنيسة لقرون واستعبدت الناس، إذ لا سلطة تعلو فوق سلطة وتجبر وطغيان أهل الكنيسة، فاستباحوا الأراضي والممتلكات والأعراض، فأضحت الكنيسة قوة إقطاعية لها من النفوذ ملا لا حد له، ولها الجيش الذي يحمي ممتلكاتها.
لا غرابة في الأمر إذن، لأن التاريخ يحمل لنا من أنباء تجبر أهل المعابد والأديرة وتجار الدين، والزوايا والأضرحة … وما ألحقوه من ضرر بعامة الناس، متكئين على المكر والخديعة واستعلاء الباطل. فأنشأوا قطعانا، بالمفهوم الذي نظر له كل من تروتر ولوبون وفرويد وغيرهم، وكأن تجار الدين وحدهم المستفيدون من التاريخ.
يصف المؤرخ والفيلسوف وايل ديورانت Will Durant صاحب موسوعة “قصة الحضارة”، طغيان وتسلط الكنيسة من خلال استباحتها لخيرات البلاد والعباد، “أصبحت الكنيسة أكبر ملاَّك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان “دير فلدا” مثلاً، يمتلك (15000) قصر صغير، وكان دير “سانت جول” يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان “الكوين فيتور” (أحد رجال الدين) سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية … وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي”. “وكانت أملاكها الزمنية -أي: المادية- وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدراً للجدل والعنف بين الأباطرة والباباوات” (1). ناهيك عن الوقف بدعوى تدبير شأن الأديرة والكنائس وأجور العاملين بها، ثم إعداد العدة للحروب الصليبية، لدرجة أن أحد رجالها “ويكفل” أقر بأن الكنيسة تستحوذ على ثلث أراضي أنجلترا، وهذا الواقع يطال مخلف بلدان أوروبا، والجبايات الضخمة، والعطايا والهدايا، وصولا إلى وضاعة صكوك الغفران التي أكدت السلطة التي بلغت مقاصدها الكنيسة للتحكم في رقاب الناس الذين تحولوا إلى قطيع يتملكهم الخوف والخنوع والعبودية، فتضخمت ثروات ومداخيل رجال الكنيسة درجة الخيال.
كان العلم والفلسفة العدو الأساس الذي تخشاه الكنيسة، لهذا ما فتئت تكفر كل من تجرأ على التشكيك مزاعمها وسلوك رجالها، فكانت التهم جاهزة ضد العلماء للفتك والتنكيل بهم. فأغلقوا مدارس الفلسفة والعلوم، كما هو الحال على عهد الدولة البيزنطية بالإسكندرية وغيرها من البقاع التي امتدت وتوغلت فيها يد الكنيسة، فنتج عن ذلك تدهور كبير طال جميع المستويات، خاصة الاقتصادية والاجتماعية، فانتشرت الأمراض، ومنها الطاعون الذي فتك بأرواح الملايين، فكانت بداية ما عرف في التاريخ بعصر الظلام الذي يؤرخ له مع مستهل سنة 525م تقريبا.
لم تكن الكنيسة تسمح للأشخاص حتى بالتفكير واستعمال العقل. ثم بعد ذلك، وبعد توافق، نشب صراع مصلحي بين الكنيسة والحاكم، لأن هذا الخير تبدى ان لا سلطان له وأن يخضع لنفوذ الكنيسة، وأن رجال الكنيسة لا حكم له عليه، الذي يقزمه أمام الرعية .. الكنيسة ظلت تستحوذ على كل شيء، وشكلت مصدر تهديد للملك .. إن تضارب المصالح والتنافس على مواقع السلطة ..
◊ كيف تخلصت أوروبا من تسلط الكنيسة ورجال أو بالأحرى تجار الدين؟؟
يطول الحديث عن المآسي التي ضربت عمق المجتمع الأوروبي بسبب الكنيسة التي راكمت الثروات واستعبدت البشر، وغفلت عن العلم والفلسفة التي من دونها لا يمكن أن تتقد الأمم أو تعرف الركب الحضاري.
الأمثلة كثيرة في تاريخ الشعوب، وهو تاريخ لم ندرسه في مدارسنا العمومية، فالتاريخ دروس وعبر وتقلب بين حضارات من سبقونا للاستفادة والمعرفة، تلكم هي أهمية التاريخ، هكذا تمكنت هذه الشعوب من النجاة وكي صفحة الظلام والتخلف.
كانت حركة التنوير إيذانا بتشكل مرحلة جديدة وعصر جديد هو ما عرف بعصر النهضة Renaissance في أوروبا امتد لقرن من الزمن، بين منتصفي القرنين 14 و15م، حيث انتفض التجار الذي شكلوا طبقة بورجوازية متعلمة ثارت ضد الكنيسة، وظهر مفكرون في تلك الفترة منهم ميكيافيللي Nicolas Machiavel …
يبقى الحديث عن التجربة الأوروبية لتسلط رجال الدين وغطرستهم، واسعا في حاجة للنبش أكثر في خبايا، لأن الكنيسة لا تزال قائمة متسلطة بأشكال مختلفة، إذ يكفي النظر لبناءاتها وممتلكاتها، وتأثيرها في مراكز القرار، وكيف يسجد القطيع الديني لبابا الفاتيكان، واستمرار الاعتراف للكاهن se confesser، والتعميد Baptême، وما يحظى به رجال الكنيسة حيما حلوا وارتحلوا …
أما بالنسبة للمسلمين، فاستغلال الدين أبشع وأكبر، لأن الأمر يتعلق بالإسلام، الذي لا يقبل دين سواه، فنتساءل ما قدمه رجال الدين والقيمين عليه لعامة المسلمين غير المواعظ التي لا تقدم ولا تؤخر، بل تزيد المرء تضبيعا وجهالة، لأنه إذا استثنينا زمن العلماء المسلمين الذين جادلوا واجتهدوا في تفسير كتاب الله وقربوا معانيه من المسلمين، ولم تكن لهم رغبة في مال ولا سلطة أو سلطان، إنما الأمر كله حبا في الله وفي الدين السمح … أما الطرقية والدعوية وتجارة الوهم وسلب الإرادة والقضاء على الاجتهاد أو التفكير السليم، والسعي للغنى والاغتناء باسم الدين، فلا أعتقد أن الأمر في الدين الإسلامي من شيء غير البهتان والنفاق واستعلاء الباطل …
◊ أول تجربة للمرجية الدينية بالحكم في المغرب
لست أدري إن كانت نظرتنا، كأفراد مجتمع، تتفق حول مفهوم واحد للكفاءة؟ أو أن الأمر لا يعدو كلمة طائشة يتم تداولها بين أفراد هذا المجتمع، كل حسب قدرات إدراكه وفهمه؟ لكن مهما يكن من أمر فالكلمة لها دلالة واحدة لا غير، compétence، وهي القدرة على الأداء والتدبير والإنجاز، وفق رصيد معرفي وخبرة وتجربة، راكمها المعني بالأمر عبر سنوات من المثابرة والجدية، لتكوين شخصية قادرة على المواجهة واتخاذ القرارات المناسبة، وهو شخص له بعد نظر وحكمة وتبصر، وهي مميزات لا يتمتع بها كل الناس. هذه المميزات لابد لها من أخلاق، لأنها لن تمضي في الطريق الصحيح من دون أخلاق. لأن الكفاءة كما أوردناها، لن تستقيم دون وازع أخلاقي، لأن الأخلاق وحدها كفيلة بكبح جماح العديد من النواقص الكامنة في شخصية الفرد، منها الأنانية والانتهازية والافتراء والوصولية وحب المال والغدر والغش، وغيرها من الصفات المذمومة التي قد يحجبها الشخص خلف معطف الكفاءة.

المقابل لهذه الخصال القبيحة هو المبادئ والثوابت، والفكر الحداثي المتنور، القابل للحوار. ذلك الذي يؤمن بالاختلاف والرأي الآخر .. الذي يعي تمام الوعي أن انتخابه تكليف لحماية ورعاية وتدبير الشأن المحلي أو الشأن العام .. شأن من انتدبوه .. لكن مفهوم الانتداب، في بلد كالمغرب، أضحى محط تهافت المتهافتين نحو أرائك المسؤولية، لأنهم يرونها وتيرة، ومصدرا للثراء، والانتقال من حال الفقر لحال الثراء على حساب مصالح وآمال وتطلعات أفرد الشعب. فكان أن ظل المغرب يعيش على إيقاع اللعبة الديموقراطية التي يطالها التلاعب والتدليس من طرف دار المخزن، من خلال التوجيه والاستفراد بقوائم الهيئة الناخبة وصناعتها، حيث استمر الوضع لردح من الزمن بطغمة تيقنوقراطية تحكمها ام الوزارات، ولا تزال، ثم انتخابات وفق صناديق غير شفافة فصلت تفصيلا، حيث تتناطح بعض الأحزاب التي لا تحمل من الحزبية والسياسة غير الإسم، وصولا إلى حلقة الاقتراع والعزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية بسبب يأس الهيئة الناخبة، إذ خاب أملها بشكل كبير بعد تجربة التناوب وتبخر حلم اليسار، ليتجلى حزب بمرجعية دينية، ولو أني لا أومن مطلقا بوجود حزب بهذه المرجعية، لأنه لا وصاية في العقيدة، وعن أي كفاءة يتغامزون، فالدين ليس حكرا على أحد، ولا صلة بين السياسة والدين، فكل من أراد السياسة بالدين فإنما هو يغالط ويفتري، واقع الحال نفسه يناقض هذا الأمر .. النتيجة تدهور على مختلف المستويات واستتباب الجهل والقضاء على المدرسة العمومية لأن إصلاحها كفيل بنشر المعرفة ومحاربة الظلام وتجار الدين، وقد تفاقمت المديونية، وتدهور حال الثقافة، لأن رجل الدين عدو الفكر والمعرفة، وفي المقابل تنتشر الأضرحة والزوايا والرقاة والدجالون والمشعوذون، ويتفشى التفكير السلبي لأن المجتمع تحول إلى قطيع ديني، من منظور الفيلسوف تروتر في كتابه غريزة القطيع في الحرب والسلم Wilfred Trotter, Instincts of the Herd in Peace and War … المهم عاش المغرب التجربة، فكانت النتيجة كما هي بائنة للأعمى قبل البصير، ولله الحمد من قبل ومن بعد وسبحان الله عما يصفون ..
الهوامش
1) سفر بن عبد الرحمن الحوالي، العلمانية، نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، دار الهجرة، مستندا على كتاب وايل ديورانت Will Durant، موسوعة “قصة الحضارة”، ج14، ص. 245.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.