احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: حكومة جديدة بطعم غياب الانسجام والضرب تحت الحزام

الخط الأحمر: حكومة جديدة بطعم غياب الانسجام والضرب تحت الحزام

يكتبها الدكتور: زهر الدين طيبي

دعا الملك في خطابه في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة، من الولاية التشريعية العاشرة، أعضاء مجلسي البرلمان، الى الانخراط في المرحلة الجديدة بعيدا عن الصراعات الفارغة، وتضييع الوقت والطاقات. وفي ظل هذه الدعوة الملكية لانطلاق مرحلة جديدة تبدأ من الآن وتجعل من هذه السنة التشريعية سنة تتميز بروح المسؤولية والعمل الجاد، على اعتبار أنها تأتي في منتصف الولاية الحالية، وأنها لا تزال بعيدة زمنيا عن فترة الخلافات، التي تطبع عادة الانتخابات، ما يفرض استثمارها في النهوض بالأمانة التي يتحملها البرلمانيون، بتكليف من المواطنين، من أجل التنافس الإيجابي على خدمة مصالحهم، والدفاع عن قضايا الوطن، يبدو واضحا أن الأحزاب المشكلة للحكومة لم تلتقط هذه الإشارات، وعوض الانكباب على تنزيل المشاريع الكفيلة بتجاوز الإشكالات التي جعلت السياسات العمومية في عهد النسخة الأولى من الحكومة التي ترأسها سعد الدين العثماني، لا تنعكس على كل فئات المجتمع، لا زالت الأحزاب مستمرة في استنزاف طاقاتها في التلاسن والصراعات الجانبية التي لا تفيد، لا البلاد، ولا العباد. لقد كان الخطاب الملكي واضحا في افتتاح السنة التشريعية، في الجمعة الثاني من هذا الشهر، حيث أكد على ضرورة العمل على إدراج هذه السنة التشريعية في إطار المرحلة الجديدة، التي حدد مقوماتها خطاب العرش الأخير، وقال الملك في هذا السياق:” إذا كنا قد ركزنا على أهم التحديات والرهانات الاقتصادية والتنموية، لهذه المرحلة، فإن الطبقة السياسية، حكومة وبرلمانا وأحزابا سياسية، بصفة خاصة، مسؤولون، عن توفير شروط النجاح لها”.مضيفا بأن المرحلة الجديدة تبدأ من الآن، وتتطلب انخراط الجميع، بالمزيد من الثقة والتعاون ، والوحدة والتعبئة واليقظة، بعيدا عن الصراعات الفارغة، وتضييع الوقت والطاقات .
لكن يبدو أننا أخطأنا التقدير عندما تمنينا ألا تعود الأحزاب المشكلة للأغلبية لسباقها الانتخابي وتنسى أولويات العمل الحكومي، لأننا ببساطة نسينا أن نيل المطالب لا يكون بالتمني، كما أننا لم نخطئ عندما قلنا بعد تعيين الحكومة الجديدة إنه لا يجب رفع سقف الانتظارات كثيرا، وإنه لا يجب التسرع في إصدار الأحكام. ولم يمر حتى أسبوع على تعيين الحكومة حتى عادت حليمة لعادتها القديمة، وبعد ثلاثة أيام فقط على إعلان الحكومة، هاجم رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، في لقاء حزبي، حزب التجمع الوطني للأحرار، فيما يخص استوزار الطاقات الشابة في الحكومة المعدلة، قائلا بأن بعض الأحزاب وعدت بأن تقدم نخبا شابة في التعديل ولم تفعل، في إشارة واضحة لحزب التجمع الوطني للأحرار. وتوقّف العثماني في كلمته خلال افتتاح الملتقى الوطني للكتاب المجاليين لحزبه، عند استوزار الكاتب الوطني لشبيبة حزب العدالة والتنمية، محمد أمكراز، قائلا: “أن يصبح أمكراز وزيراً، فهذه أعجوبة الزمان، ولم يكن أحداً يتوقع هذا الأمر”، مضيفاً: “البيجيدي دائماً ما يصنع المفاجئات، ونحن معتزون أن يصير أمكراز وزيراً وهو مدعوم من جلالة الملك، ونحن نريد أن نعطي رسالة بأنّ الشباب له مستقبل في العمل السّياسي”.
ولم يمر سوى يوم واحد على تصريحات العثماني، حتى جاء الرد، حيث سارع عزيز أخنوش الذي حضر نشاطا حزبيا بألمانيا إلى مهاجمة العثماني بشكل مباشر إذ قال أمام حشد غفير:”شكون هاد الوزير المعين اللي عندو الثقة ديال سيدنا، واش هاد السيد بوحدو اللي عندو الثقة د سيدنا ولا الحكومة كولها؟ خاصو يجاوبنا السي العتماني؟”. وأضاف أخنوش في مؤتمر الشبيبة التجمعية بألمانيا، بأن حزبه سهل المأمورية على رئيس الحكومة، مضيفا أن كلام رئيس الحكومة حول إقصاء الحزب للشباب غير صحيح كي لا يقول إنه أمر سلبي. وفي رد مباشر على تصريحات رئيس الحكمة، قال رئيس حزب “الحمامة” عزيز أخنوش ” الإنسان إيلا تكلم ما يديرش بي وبحزبي السياسة وحنا حلفاء”. وفي نفس اللقاء، هاجم يوسف شيري رئيس الفيدرالية الوطنية للشبيبة التجمعية، رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، حيث قال “إن جلالة الملك في افتتاح السنة التشريعية، الجمعة الماضي، دعا جميع الأحزاب السياسية إلى بداية مرحلة جديدة بعيدة عن الصراعات السياسية، وللأسف في اليوم الموالي مباشرة، يهاجم رئيس الحكومة حزب التجمع الوطني للأحرار، وشبيبته”. واعتبر القيادي في حزب التجمع أن “هجوم العثماني على الأحزاب السياسية، وحزب التجمع الوطني للأحرار، بعد خطاب الملك الذي دعا إلى تجاوز الصراعات دليل على أنه لم يستوعب بعد حمولة الخطاب. بدوره وفي نفس السياق، هاجم أخنوش العثماني بقوة حيث قال في لقاء فرانكفورت: ” الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان داز عشية الجمعة و السبت صباحاً أطلق رئيس الحكومة تلك التصريحات وهو بذلك يشوش على الخطاب الملكي .. بالله عليكم هل الأمر معقول” واعتبر أخنوش أن الخرجات غير المحسوبة للعثماني وبعض قيادات العدالة والتنمية من شأنها أن تضر بالحكومة وقد تتسبب في تفجير الأغلبية المكونة لها.
المؤكد أننا لن نستطيع إعادة الثقة في المؤسسات والحكومة الجديدة، في ظل استمرار هذا العبث السياسي الذي يضع ضمن أولوياته، الحسابات الانتخابية ومعادلة الربح والخسارة في الانتخابات المقررة سنة 2021، عوض الاهتمام بتنزيل الإصلاحات، ومتابعة القرارات، وتنفيذ المشاريع، التي هي من اختصاص الجهازين التنفيذي والتشريعي، بالدرجة الأولى.
لقد سبق أن أكدنا مرارا، على أن الحكومة لا زالت غير قادرة على تنزيل المبادرات الملكية على أرض الواقع بالسرعة والنجاعة المطلوبتين، وهو ما سيؤدي مرة أخرى إلى هدر الزمن السياسي والتشريعي في الصراعات الحزبية التي تعمق مشكل غياب الانسجام بين مكونات الحكومة، ما ينعكس سلبا على المواطن والوطن. لقد كان الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان واضحا، إذ أكد أن الحكومة مطالبة بوضع مخططات مضبوطة، تضمن التحضير الجيد، والتنفيذ الدقيق، والتتبع المستمر، لمختلف القرارات والمشاريع، سواء على المستوى الوطني، أو الجهوي أو المحلي. وأما البرلمان، فقد منحه الدستور صلاحيات واسعة، في مجال التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، ما يجعله مسؤولا عن جودة القوانين، التي تؤطر تنفيذ المشاريع والقرارات، على أرض الواقع، وجعلها تعكس نبض المجتمع، وتلبي تطلعات وانشغالات المواطنين، من جهة، وتسهر على متابعة ما تقوم به الحكومة، في كل ما يخص تدبير الشأن العام، في مختلف المجالات، ومراعاة مدى استجابته للانشغالات الحقيقية للمواطنين من جهة ثانية. للأسف يمكن الجزم أن الانتظارات الكبيرة للمواطنين سوف تبقى معلقة إلى ما بعد السجالات بين أحزاب الأغلبية، ولا يمكن انتظار الكثير من هذه الحكومة ولا حتى أن تقوم بتنزيل المبادرات المأمولة على أرض الواقع ما دامت مستمرة في غياب الانسجام والضرب تحت الحزام.
نتمنى أن تنصرف الحكومة والبرلمان لخدمة مصالح الوطن عوض الاهتمام منذ الآن بالانتخابات المقبلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.