احدث المقالات
Home > الحدث > الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الثامن)

الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الثامن)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

العلاقات الاجتماعية بين سكان العزبة:

الروایة مجتمع مصغر أو مقطع من مجتمع”. إنها نسيج من العلاقات مشابه تماما لنسيج العلاقات الاجتماعية في الواقع، وهي تحاول أن تقدم تفسيرات جمالية وموضوعية لهذا النسيج من العلاقات ولكنها تحتاج إلى الدقة حتى تظهر هذه العلاقات الاجتماعية في الخطاب الروائي أكثر صدقا لأن الرواية في آخر المطاف هي واقع حقيقي مختزل ومضاف إليه الفن و “لأن التصوير الصادق للحركة الاجتماعية هو رؤية للحركة الانسانية في اتجاه حرکتها هو امتلاك معرفي للواقع. إن الامتلاك المعرفي للواقع هو المستوى الأعمق والأشمل لامتلاك الراهن، إنه جوهر الراهن ودلالته وتفسيره”. والحقيقة، أننا بامتلاك هذه المعرفة للواقع نصل إلى كون أن الأدب ليس متعة وإنما هو علم ومعرفة نصل من خلاله إلی جوهر وروح اليومي المعيش. ومحمد یوسف القعيد واحد من الروائيين الذين التصقوا بالواقع المعيش، والحياة الاجتماعية لسكان الريف المحرومین. وهذا ما دفعه للتعبير عن هذا الخلل الكامن في هذا الواقع، وأن يصور علاقة شخصياته الاجتماعية تصویرا صادقا.

ففي روايته “أخبار عزبة المنيسي” تبدو حياة الفلاحين هادئة تسودها علاقات طيبة وتلاحم وتعاطف فيما بينهم، ولم يبرز على امتداد الروایة أي نزاع بين أفراد الجماعة، على العكس كلما تطورت الأحداث كلما تماسكت الجماعة وتطور تفكيرها. ومن أسباب هذا التماسك بین سكان العزبة أنهم لا يتفاوتون طبقيا، فكلهم من طبقة كادحة تعمل في فدانين المنيسي مناصفة أو بالتأجير إنهم يعيشون بخیر قليل، لكن بآمال عراض. تنشرح صدورهم في أيام جني القطن حيث الانتعاش في كل شيء. وتكثر الأفراح والليالي الملاح وتتغير أغذيتهم “يأكلون السردين واللحوم، وأحيانا تخرج الفتيات الصغار يحملن صواني من النحاس اللامع فوقها أوان يتصاعد منها البخار، فيها كما يقول الأنفار، المحمر والمشمر، يشربون الشاي ثلاث أدوار كاملة يدخنون الجوزة، يغيرون مياهها الصفراء أكثر من مرة من مياه المصرف”. كما أنه في موسم جني القطن تنفذ كل الوعود تبنى المنازل وتقام الأعراس، تتحول العزبة مع هذا الموسم إلى فرح نادر لا يحدث إلا مرة واحدة كل عام. ومن هذا ازدادت علاقة أهل العزبة صفاء لا يشوبها شائب، لكن فجأة خدشها أبو الغيط حين غادر العزبة إلى دميسنا للعمل هناك من أجل أن يوفر مهر خطيبته صابرين لقد خرج أبو الغيط يحمل زوادته وحزنه على فراق أهل العزبة الذين خرجوا لتوديعه في أسى وشوق كبير. “فخرجت أصواتهم مستطيلة، مسطحة:

مع السلامة يا أبا الغيط

غمست عيونهم في الدموع

تروح و ترجع لنا بالسلامة

 أياديهم تلوح في الفضاء اللانهائي، وكان الحزن منطفئا في الصدور. كانوا ملتحمين في السراء والضراء، لا يتشاجرون على المياه أو حدود الفدادين كما نعرف عادة عند الفلاحين، إلا أن هذا الهدوء والاتزان الذي يسود علاقاتهم نابع من كونهم يعملون في أرض لا يملكونها، بل مالكها الوحيد هو الحاج هبة الله المنيسي.

كان هذا هو الإطار العام الذي يحكم العلاقة الاجتماعية بين سكان العزبة؛ إلا أنه ثمة علاقة فرعية أخرى ساهمت بشكل أو بآخر في بلورة هذه العلاقات وأنتجت فكرا آخر لدى أهل العزبة، إنها علاقة أبي الغيط بصابرين، فبعد أن عقد القران عليها رحل ليعمل مع مقاول الانفار بجانكليس ليوفر المبلغ المؤجل من الصداق وقبل عودته تغتصب صابرين من لدن صفوت المنيسي من دون رأفة، فلم تدرك مدى بشاعة فعلتها حتى فكرت في أبي الغيط وليلة الدخلة، تغيب بعد ذلك صابرين عن سرایا العزبة، تكبر الحقيقة / الفضيحة في بطنها فيجهض الجنين ويعرف الزناتي الحقيقة، ولا يرضى بالفضيحة الشنعاء فيغسل عرضه بقتل صابرين فيأخذ التحقيق مجراه مع عبد الستار وصفوت والزناتي الذي عوقب بالسجن.

وبعد هذه الحادثة تعاطف سكان العزبة مع عبد الستار وحزنوا على مقتل صابرين و “أحس كل فرد أن المصيبة تمسه شخصيا بشكل مباشر” ، فقام كل واحد من أفراد الجماعة بمهمة لتهييء مراسيم الجنازة، سي عبده الحلاق أحضر تصريح الدفن من دمیسنا و”الكلاف” أحضر من هناك امرأة لتغسيل صابرين وأربعة شبان أحضروا النعش، وأرسل أحدهم تليغرافا إلى أبي الغيط يخبره فيه بوفاة صابرین وخيم الحزن على العزبة فامتلأ وسط الدار بالنسوة يلبسن السواد يبكين، وجلس الرجال على المعاطب كلهم حزنا وأسى وألم لفراق صابرين التي كانت تملأ الحقول بحيويتها ونشاطها وغنائها….

هكذا يتضح لنا أن ما يجمع سكان العزبة أكثر ما يفرقهم، تجمعهم وحدة الوضعية المأساوية والهموم المشتركة، والاستغلال البشع من لدن شخص واحد هو الحاج المنيسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.