احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: الحدود المغربية الجزائرية بعيون ألمانية

الافتتاحية: الحدود المغربية الجزائرية بعيون ألمانية

بقلم: عبد المنعم سبعي:

غريب أمر جيراننا الجزائريين، فلا هم تفهموا الآثار الاقتصادية والاجتماعية لفتح الحدود بين البلدين الجارين، ولا هم انصاعوا للمطالب الشعبية التي تنادي كل جمعة بفتح الحدود منذ بدء الحراك الشعبي الجزائري. ولم يعد مطلب فتح الحدود مقتصرا على الفاعلين السياسيين والاقتصاديين من البلدين، وإنما تعداه ليصل إلى متتبعين أجانب، آخر ما تداوله أحد المواقع الإخبارية المغربية ما صرح به السفير الألماني بالرباط “غوتس شميث بريم “من ضرورة تجاوز الخلافات بين المغرب والجزائر، إذ دعا البلدين إلى طي خلافات الماضي والعمل على بناء وحدة مغاربية قوية بالنظر إلى القواسم المشتركة التي توحد بلدان المنطقة.

المثير في تصريح السفير الألماني هو استحضاره أثناء حديثه عن الحدود المغلقة بين البلدين، لجدار برلين، لذلك تمنى وحدة مغاربية “تنهل من تجربة سقوط جدار برلين التي دفعت ليس فقط إلى توحيد جمهورية ألمانيا الاتحادية، وإنما أيضا إلى توحيد جميع أوروبا”، و أشار إلى أن الأحداث التي شهدتها برلين منذ ثلاثين سنة أسهمت في تقوية وتعزيز الأواصر بين بلدان المنطقة وصناعة أوروبا قوية وموحدة.

إن قضية إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر تجاوزت كل الحدود وتجاوزها كل منطق حكيم ويمجها كل ذوق سليم، لقد أخطأت المخابرات الجزائرية في حق شعبي البلدين وثقافتهما وتاريخهما وجغرافيتهما، لابد أن تعترف الجزائر بأنه كلما تبددت بعض الغيوم وكادت أن تعود المياه إلى مجاريها، كلما وقف شعبا البلدين على نهاية الطريق في لحظة فارقة كان يرجى أن تكون بداية جديدة بعد أن تعثرت الخطى في رحلة عبثية مؤلمة، وقد تكون نهاية حلم راود الشعبين.

لم يكن الجوار المغاربي  فى يوم من الأيام يعانى من حالة التمزق والتشرذم  مثل التى نعيشها الآن ..  ولم يبلغ جيراننا الجزائريون في يوم من الأيام من مستوى الحماقات والهذيان مثل الذي بلغوه في السنوات الأخيرة…  إذا تحرك العاهل المغربي لإحدى الدول في إطار جولاته الخارجية خدمة لقيم السلم وتكريسا لمبادئ الدين الإسلامي المتزن، هاجمتنا  حشود المخابرات العسكرية الجزائرية  بالكلام الهابط والحوارات المبتذلة والشتائم الرخيصة ويسوقون للشعب الجزائري أن المغرب يحاول أن يسحب البساط من تحت أقدام المصالح الجزائرية..وإذا  تابعت إحدى القنوات التلفزية  الجزائرية حاصرتك البذاءات قبل  أي شيء  وشاهدت الصحفيين المأجورين يهرولون أمام نشر الأكاذيب وخلق الضبابية على العلاقات المغربية مع باقي شركائه الاستراتيجيين والترويج لصورة سوداوية عن الحياة الاجتماعية بالمغرب … وإذا تصفحت الجرائد الجزائرية قرأت الأخبار عن المغرب الذي يريد تسميم الجزائريين بالحشيش والقنب الهندي وصادفتك القصاصات التي تروج لأطروحة أن المغرب يلهث وراء فتح الحدود للاستفادة من خيرات الجزائر، وتصريحات المستجوبين ممزوجة بالشتائم البذيئة و أسوأ الشعارات وأقبح الألفاظ وإذا حوصر دبلوماسي جزائري بالاستثمار المغربي في القارة السمراء نطق سفها وهلوسة،  لم تكن هذه هى أخلاق الشعبين الجارين فى يوم من الأيام، والحقيقة التي يحاول المسؤولون طمسها والابتعاد عنها، هي تلك القناعة التي تولدت لدى جنرالات الجزائر ممن أفقروا شعب بلد بترولي بحجم الجزائر، من كون أن أي تقارب مع المغرب وأي انفتاح للشعب الجزائري على شقيقه المغربي سيولد الثورات والانتفاضات وسيسقط عنهم تلك المساحيق المنتهية الصلاحية، وما أحداث 1988 ببعيدة عن أذهانهم.

لنعد شيئا إلى الوراء ونقف على ما نصت عليه بعض الدراسات من كون تجديد المطالب المغربية بتسوية قضية تندوف كادت أن تجد الحل مع المفاوضات التي باشرها المغرب والجزائر، والتي أثمرت الاتفاق على الاستغلال المشترك لحديد تندوف والاعتراف بمغربية الصحراء مقابل الاعتراف بجزائرية تندوف، وكانت الجزائر  قد اقتنعت بهذا الاتفاق بعدما اصطدمت بصعوبة استغلال الحديد، وبأنه لا يمكن تجاوز هذه الصعاب إلا بإيجاد منفذ لها عبر المحيط الأطلسي، إلا أنه مع اقتراب حسم النزاع مع اسبانيا لصالح المغرب حول الصحراء أحست الجزائر  أنها خرجت بدون مكاسب، واعتقدت أنها قادرة على تجاوز الممر المغربي لتسويق الحديد، من خلال دعم مشروع دولة صحراوية توفر هذا الممر دون كلفة كبيرة، وهو ما أدى إلى حصول تحول جذري في الموقف الجزائري .

إن الأيادي الممدودة للمغاربة من أجل عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها التاريخية لم تكن في يوم من الأيام من منطلق نقص أو استدراج، إنما كانت النتيجة الطبيعية للحكمة المستمدة من وحدة التاريخ واللغة والدين والنسب، وكانت أيضا أقل الهدايا التي يمكن منحها لشعبين يربطهما أكثر مما يفرقهما، ولعل التحايا المتبادلة يوميا في منطقة بين الجراف بالسعيدية بين العائلات من البلدين التي لا يفصل بينها سوى وادي كيس الذي يشهد على وحدة الشعبين أكثر من سواه.

أمام المغاربة والجزائريين على السواء معركة ضارية ضد حقد المخابرات الجزائرية وسوء أخلاق وقيم القائمين على شؤون بلاد الأمير عبد القادر .. فإذا كان الجوار الجغرافي قد كرس في السابق أجمل ما فينا وهو التعاون والتآزر كما ألفه الشعبان الشقيقان جيلا بعد جيل، حتى ضربنا أروع الأمثلة في التلاحم ورص الصفوف لمواجهة المستعمر الغاشم، فقد كرس اليوم  أسوأ ما فينا وهو تجاهل الشعبين اللذين يتقاسمان الأخوة والمصاهرة والجوار وتجاهل الصيحات الداخلية الداعية إلى فتح الحدود، لكن هل صيحة السفير الألماني قد يكون لها وقع أكثر من صيحات المغاربة والجزائريين أنفسهم؟ ربما يكون ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.