احدث المقالات
Home > الحدث > الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء السابع)

الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء السابع)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

د. علاقة أهل العزبة بالحاج المنيسي رجل الإقطاع (تتمة):

كان هذا ما يريح الحاج المنيسي، ويجعله متيقنا بأن تفكير هؤلاء الفلاحين قاصر، ولا يرقى إلى مستوى الثورة عليه أو الاستحواذ على الأرض التي يزرعونها ويعملون فيها بالتأجير. هذا بالإضافة إلىسيطرة الايديولوجية الدينية الزائفة على عقولهم فكان كلما “حدث في العزبة شيء، حرق زرع، تقليع قطن، ذبح جاموسة، موت أحدهم، جفاف الترعة، فيضان زائد عن الحد من النيل. كل هذا في اعتقادهم له سبب واحد، عدم إقامة المسجد الكبير، المقام العالي، ولي الله صاحب البركات’’.

ولكن بالرغم من ثقة المنيسي في هؤلاء الفلاحين المقهورين فإنه كان يبدي مخاوفه من التأميم. كما أنه كان يظهر بمظهر الإنسان المتواضع فيجلس مع الجماعة بشرب معهم الشاي، وهم فرحون مزهوون بمن يمتص الدماء، ويوهن السواعد.

 لقد كان المنسي قدرهم المرسوم، وسلطانهم الخادع وجلادهم الماكر، يتوعد عبدالستار إن هو أفشی سر إجهاض الجنين من بطن صابرين التي اغتصبها ابنه صفوت، واستولى على أرض سامح المنيسي والد أبي الغيط، وأشعر الآخرين بالهوان والهزيمة في حين كانوا يتحلون بالصبر هذا الصبر الذي” يعد نوعا من الخضوع للناس وللعالم الخارجي وللأشياء. هذا الصبر قریب من الكسل والاغراق في الأحلام والانتظار بلا  نشاط “.

يبدو من خلال هذه العلاقة التي تحكم الحاج المنيسي وسكان العزبة، أن القعيد لم يهتم بتحليلها أو الحكم عليها، بل تركها في طابعها العادي والبسيط وكأنه اواقع معیش ومرسوم لا يناقش.

والجدير بالإشارة أن مقتل صابرین کان له الأثر الكبير فيتغيير مجرى الحياة بهذه العزبة، والعلاقة بالحاج المنيسي. فبعد حضور رجال السلطة للتحقيق خرج سكان العزبة من دائرة المتداول والحياة الرتيبة وأدركوا أن في العالم المجاور لهم أشياء كثيرة كانت علاقتهم بها مقطوعة وغامضة. فبعد قتل صابرین دخلوا في علاقات جديدة مع واقعهم اليومي، بل لقد تطورت إلى مستوى لم يكن أحد يتصور وصولهم إليه. “فشملت نظرتهم إلى الأرض، والعزبة، والحاج هبة الله، “موقفهم من أنفسهم هم كبشر، كأفراد، يجمع بينهم وبين الحاج أنهم بشر، آدمیون، حددت موقفهم من الحياة والموت، الأماني المرجوة الزراعة مناصفة: الاتحاد الاشتراكي، العمدة، مصر، الحرب”.

لقد أصبح رجال العزبة يبالون بواقعهم يحلمون بحياة جديدة، بأرض جديدة بأشياء أخرى يحسون بها ولكن لا تنطلق ألسنتهم بها، لقد أصبحوا يفكرون ويناقشون فيما بينهم، “ولا ينصرف كل منهم إلى حال سبيله إلا وقد بدأ يشعر بشيء ما جدید یغزو تفكيره، مذاق متفرد يعتور نفسه نشوة غيرعادية يحس هديرها في أعماقه وكانت تلك بداية كل البدايات.

بدأ، إذن، امتلاك الوعي من خلال هذه الحيرة والقلق، وإن كانت العزبة ستبقى على هذه الوضعية سنين طويلة والحاج هبة الله معجزتها فإنه استخلق في أعماق القلوب ذلك الجبل المعتم الذي تسیل منه الأحلام كأنها مياه الينابيع..

وهنا نصل مع يوسف القعيد إلى موقفه من كل ما يجري في العزبة، أنه يبدو غیر متشكك في المستقبل وينبع تفاؤله من السؤال الذي ردد على ألسنة الفلاحين مرات عديدة:

– طيب وإيه العمل؟ بعد مقتل صابرين الذي يأتي متزامنا مع الخامس من حزيران 1967.. تاريخ  هزيمة العرب ….؟؟؟

نعم، سؤال طرحه بلا خوف في كل الأمكنة من لدن أهل العزبة، وطرحه کان طرحا صحيحا وفي هذا غاية كل إبداع جاد وهادف، كما نبه إلى ذلك الكاتب الروسي  تشيكوف بأن “حل المشكلة ليس إجباريا على الفنان وإنما واجبه الأساسي هو العرض الصحيح للمشكلة “.

ولم يكتف القعيد بطرح السؤال وإنما وقف في خندق الجماهير الشعبية مزهوا بآمالها، محترقا بآلامها، رافضا لمستغليها غیر متشكك في مستقبلها… ويظهر ذلك جليا من خلال ما جاء في نهاية الرواية حين بدأ كل واحد منهم يهمس لنفسه:” قد يكون الغد الصباح الباكر، أفضل من اليوم، من غير شك’’ .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.