Home > الحدث > هل تمسح ”حفيظة فالكو” دموع المغرب العميق؟؟؟

هل تمسح ”حفيظة فالكو” دموع المغرب العميق؟؟؟

* سعيد سونا

لا عطر بعد عروس وقطعت حفيظة قول كل خطيب… نعم الجملة صحيحة كما كان يقول المرحوم جمال خاشقجي، فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فمهما ولغت ألسنتنا في اللغو المنمق، لن يرسو يختنا على شاطئ الإنصاف والواقع، فهذا الأخير لا يرتفع، فالفصاحة لاتصنع من الحديد ذهبا، والبلاغة لاتجعل من الماء لبنا. فماذا يفعل الحرف أمام سطوة الظرف؟ إذن حان وقت أذان المجد حسب توقيت بوعرفة وما جاورها، ودقت أجراس المقولة التي عشقتها الطفلة المدللة للمغرب العميق… مللت عشق السفوح أريد عيش الجبل، لأن من البر ما قد يكون عقوقا، فطاعة التواكل دون طرح الأسئلة المقلقة، والإمعان في الشرود في الهموم ، جعل ساكنة المغرب العميق، يختارون الهزيمة كعقيدة مقدسة تكفيهم شر مقارعة الخطوب، دون إدراك على أن على هاته الأرض ما يستحق الغضب

قصة الأيقونة السرمدية ”حفيظة فالكو” تروى ولا تطوى، لأنها تحمل ما بين أضلعها كل أركان الأسطورة الملحمية التي تحكى للأجيال القادمة، والأكلة الدسمة بكل التوابل التي يشتهيها التاريخ، حتى جعلت رؤوسنا تدور مرتين من فرط الصفعة التي تلقاها الجميع في شمس جلية، أعادت للرقعة البائسة إقليم فكيك، بصرها في كبد نهار صريح، بعدما استأنست بظل المشاركة في التصفيق للآخرين بإعجاب بدل قلب المشهد!

لقد كانت حفيظة سجينة لمدن الهامش من بوعرفة الى وجدة، وقرى الفقر من تندرارة مرورا بعين الشعير ووصولا لتالسينت، ضف إلى ذلك فكيك الجريحة، ومداشر العهد الحجري، والسفوح الباردة، التي لا أمل لها حتى في الحلم، ولا سبيل لهم لاستفزاز الأيام القادمة، فاليوم عندهم لا يختلف عن شقيقه القادم، حتى نال الهم من ندوب جمالهم، وأطفأ التعب بريق عيونهم… توالت السنون العجاف فتسلل الشك القاتل إلى قلب حفيظة الملائكي، وظن المؤمنون بهاته العبقرية المتفردة، أن اليأس تسلطن على قلب الأيقونة وبنى لنفسه بيتا سميك الجدران، ليسهل لنفسه عملية الإستبداد بها… وكلما أرادت أن تتمرد على عقيدة المؤلفة قلوبهم بطشا بأبناء المغرب العميق، اصطدمت بفيلق متراص الصفوف، من معاول الهدم التي تقول لها عبثا: تسمري في مكانك… حتى تمكن منها الشك ووسوس لها شيطان المركز أنها مجرد كذبة صدقت نفسها وصدقها الناس، إلا القليلون وهم محسوبون على رؤوس الأصابع من أبناء بوعرفة البررة ورجل الدولة عزيز خودة

فلم يبق لنا في هاته المقالة المتواضعة، المهداة لصغيرتي حفيظة، ولكل من نالت منهم الأفاعي الرقطاء، في كل شبر من المغرب العميق ومن إقليم فكيك خصوصا… إلا النبش في نقي عظم حفيظة، بإلحاح المعتزين بالانتماء لهذا الإقليم القارة

حفيظة آه وألف آه … لأول مرة في مساري المهني أكتب مقالا بدموعي، فهل ستعانق دموعي رفعة اللحظة، وهل سأقوى على مسك مشاعري وأعصابي… أكيد لن أستطيع … ما فعلته فينا هاته المجرمة الوديعة، يتفوق على لسان كل خطيب… بتقاسيم وجهها الملائكي، وبقلبها الذي يتوق للانفجار عطاء، وبجسمها الرشيق، وابتسامتها الطفولية، التي لم تتقهقر أمام كل الأحزان، التي حاولت أن تشوش على مسار سيدة عظيمة، تستعد لوضع إسمها بين صفوف عمالقة الأمة العربية، بفنها النبيل الذي يخاطب السمو وكل المعاني الجميلة… في تمثل ونسخة كربونية، للمعطى الزمكاني “الزمان والمكان” اذا ما قمنا بتفتيش دفاتر العظام… من أم كلثوم إلى عبد الحليم… إلى كل من انطلقوا من القهر الى القمر… فكلهم كانوا فقراء، أبناء عائلات محافظة متدينة، من أوساط شعبية، وهكذا كان ديدن كل فلتات الزمان في جميع المجالات… فعلا “إن الإبداع ابن الهامش” كما يقول سارتر… فهاته العلائق الربانية هي جينات تسكن هؤلاء، تنتظر فقط اللحظة المناسبة للانقضاض على المجد، وتكسير كل الطابوهات مهما كان سمكها… إن هذا الاستدعاء المكثف لآهات المغرب العميق، ليس إغراقا وعشقا للمظلومية، بقدر ما هو انتصار للحقيقة المغيبة، والتي تقول أن بطن إقليم فكيك حبلى بطاقات بشرية، جعلت المغرب يكابر بها المشرق، وفي مقدمتها المفكر الفجيجي سيدي محمد عابد الجابري… إقليم فكيك وهو من هو … إقليم الخير والخيرات… الإقليم القارة… إقليم الفحول الذين فتحوا صدورهم لرصاص المستعمر، وساهموا في بناء الدولة المغربية الحديثة… أفما حان الوقت لكي تلتفت الدولة التفاتة قوية لهاته القطعة العامرة، بساكنتها المتجلدة بصبر يهد الجبال، دون أن نكلمكم عن قارة فكيك الثرية بثرواتها الطبيعية، وقادرة على طرد الفقر من جسدها… بل والمساهمة في بناء المغرب الذي ننشده جميعا… الآن أصبحت حفيظة فخر المغرب الكبير والتي قادت انقلابا أبيض في غفلة من الجميع… بعدما كانت تنتظر من ينصفها من ألم الظلم والنسيان… لكنها كانت تقابل بالإهانات والصد من كل الجهات. ورغم ذلك تبقى ابنة مدينة بوعرفة منبث قبائل بني كيل التاريخية… كريمة بصفحها الجميل… وكأن لسانها يقول:

                        بلادي وإن جارت علي عزيزة        وأهلي وإن ضنوا علي كرام

إن المنبث الطيب لحفيظة، المعروفة بانتمائها لعائلة محترمة ومحافظة، رغم انها فقدت والدها في سن مبكرة، وجدت بالمقابل دفء الإخوة والأخوات، في تلك اللمة حول عروسة المنزل السيدة والدتها، الذي تشرف هذا العبد الفقير لربه بتقبيل رأسها الشامخ البطولي الذي هزم كل الأمراض التي تكالبت عليها، بإيمان عميق وسعادة صادقة بأبناء بررة… والتي لاتزال ترافق حفيظة بدعواتها الربانية التي ستمسح دموعنا بها، ودموع كل المغرب العميق. يا إلهي كم تعبنا من سطوة الحزن! فهل دقت ساعة السعادة؟ فتبا لسعادة بدون مال… لهذا تحلم الأيقونة ببذل كل جهدها في معالجة والدتها وتحقيق كل أحلامها وأحلام عائلتها… كيف لا وحكيم العرب إمامنا الشافعي قال:

                           إن الدراهم في المجالس كلها … تكسو الرجال مهابة وجلالاً

                          فهي اللسان لمن أراد فصاحةً … وهي السلاح لمن أراد قتالاً

حفيظة كما تقول المقولة “إلغي من حياتك مبدأ المقارنات، يجب أن تؤمن بأن ما نراه في أحدهم هو ليس كل ما يملكه، فالحياة تأخذ منه كما تأخذ منك، ثق بنفسك وقدس روحك و إمض بالحياة مفتخرة بذاتك، وتأكدي أن هنالك أشخاص ينظرون إليك ولو أمكن، لأصبحوا أنت“.

أعلم أن رأسك أصابته حمى التفكير، تفكرين في ما حدث،. وماذا سيحدث،. وما قد يحدث، تفكرين في الأشياء التي لن تحدث، وماذا سيحدث لو حدثت فعلا؟ كل هذا مباح في سوق الاحلام … اذن لا تدعي الفرصة تقول لك يوما، حلمك تبخر لقد مر من هنا. لم تعودي في ملك نفسك، حلمنا في رقبتك… دموعنا لن تكفكف حتى تعودين باللقب الغالي… حينذاك سيحتفل بك ملك البلاد المساند الأول للفن والفنانين، وستنفجر بيوت المغاربة بفرح جنوني. أما مدينة بوعرفة فهي مطالبة بتسمية أكبر شوارعها باسم ”حفيظة فالكو”، فخر المدينة الكبير .

حفيظة مفاجأة برنامج ”the voice”… أعلنت منذ البداية ولاءها للمدرسة الطربية، وكانت البداية برائعة الموسيقار محمد عبد الوهاب “من عذبك”، فتألقت في إطراب الناس بها من جديد، بصوت سهل ممتنع، يقفل الجمل الموسيقية بألمعية، بدون ميوعة في العرب ” les vebration ” لأن الوقت حان لتريح شفتيها، فاستدارت الكراسي الأربعة، والدهشة تعلو محيا الجميع. كيف لهذا الصوت التي تحدى الظروف والأهوال والمسافات أن يقلب الطاولة على الجميع ويخترق قلوب الحيارى بمغرب المعجزات؟ نعم إنها ابنة مدينة بوعرفة المفتخرة بمسقط رأسها… قالوا: لماذا اختارت محمد حماقي بدلا من سميرة سعيد؟ لكن حفيظة تريد أن يكون اللقب مغربيا… فكل المغاربة تمترسوا إلى جانب فخر المغرب سميرة، وهو الأمر الذي سيجعل مشهد المواجهات مغربيا خالصا، وبالتالي سيقلص من حظوظ المغرب في نيل اللقب. إنه تكتيك الدواهي ياسادة..!

رغم أنها اقتربت من عقدها الثالث، لازالت حفيظة طفلة يدللها الجميع، فملامحها تشي بوجه واضح مكشوف بدون مواربة ولا تكلف أو تصنع. عفوية إلى حد النخاع وهي الخصلة التي ستصنع الفارق في باقي الفيلم الذي يراه الناس ملونا، ونراه نحن أبيض وأسود قادما على صهوة جواده من الزمن الجميل، حيث قيم الفن الخالد الذي تقطع وتحترب مع مفردات الضحالة، وتتوشح بإجماع التوقير، ولو أن البعض يقول غير ذلك، نجد أنفسنا مضطرين للهمس في أذنه قائلين: أما العيون التي في طرفها حول فتنحرف لسقمها زوايا النظر!!!

هيا حفيظة لاتلتفتين من حولك رددي معي فقد قواك الله بالشفاء من عوادي الزمن “لو كان عندي عشرة أسهم لرميتكم بتسعة ولا زدت العاشرة فيكم لأنكم غيرتم الملة وانقلبتم على الأولين”. حسبك انك تركت المعاني تغوص في تخوم الروح والفكر، فلم تهزك الزعازع. ولهذا أنصفك حكم عدل ورب فضل، فبفضله لن تعودي مقمحة كسيفة آسيفة، فاقضي وترك، لقد دقت ساعة المجد، بعدما جاهدت الترك، مخافة الانزلاق في درك سحيق من الشقاء.

مادامت حفيظة تمتلك حسن النية وسلامة المقصد، وبعدما توقد جسدها بشهوة النصر، لن يقف في طريقها أحد… فهي الآن تعد العدة لتردم كل الكليشيهات. من قال أن ألسنة المغاربة عصية عن الفصحى، وأنهم قوم مغتربين لغويا… رغم أن مراد بوريقي وحمزة لبيض ومدمرتهم حفيظة خريجو المدرسة الطربية، وكبدوا المشارق هزائم لا تنسى في عقر دارهم. هكذا قالوا المناطقة الذين يدورون حيث يدور الحق

حفيظة المكابدة المصابرة بنفس عميق، جاهدت الترك، لم يبق الكثير، لأن إلحاحك فظيع في عدم العودة إلى ذلك الدرك السحيق من الشقاء، فاعلمي أنه لا يستطاع المجد بسلامة الجسد. لازال التعب في طريقك. عضي بالنواجد على اللقب فقد صمم هاته السنة خصيصا لك، الفرصة فرصتك أرجوك لاتتواضعي

ومن كان له رأي آخر نهدي له هاته الاقصوصة العميقة، والتي نختم بها هاته المقالة المكتوبة بالدموع:

كان ”نيلسون مانديلا” يدرس الحقوق في الجامعة وكان أحد أساتذته و اسمه ”بيتر” يكرهه بشدة! وفي أحد الأيام كان الأستاذ ”بيتر” يتناول طعام الغذاء في مقصف الجامعة، فاقترب منه ”نيلسون مانديلا” حاملاً طعامه وجلس بقربه.

قال له الأستاذ ”بيتر”: يبدو أنك لا تفهم يا سيد ”مانديلا” أن الخنزير والطير لا يجلسان معاً ليأكلا الطعام!

نظر إليه ”مانديلا” و أجابه بكل هدوء:

لا تقلق أيها الأستاذ فسأطير بعيداً عنك”، ثم ذهب و جلس على طاولة أخرى..

* سعيد سونا: باحث في الفكر المعاصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.