Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: نخب حزبية تفتقد لرؤية واضحة في صناعة القرار

الخط الاحمر: نخب حزبية تفتقد لرؤية واضحة في صناعة القرار

زهر الدين طيبي: كيف يمكن قراءة الاستقبال الملكي لرئيس الحكومي بعد تأخر تنزيل التوجيهات الملكية؟ ولماذا تستمر وتيرة العمل الحكومي بطيئة في تنفيذ وتنزيل الإجراءات والمبادرات الملكية؟

لقد أشار الخطاب الملكي في عيد العرش إلى ضرورة تجويد عمل الحكومة عن طريق ضخ دماء جديدة وحثها على إيجاد مجموعة من الكفاءات، التي تستطيع تدبير الشأن العام، وتعمل على تنفيذ مختلف المبادرات الملكية كالنموذج التنموي الجديد والأوراش الكبرى التي تم تدشينها، ولكن يبدو أننا نسير بسرعتين متباعدتين بين المبادرات والتوجيهات الملكية من جهة، وتنزيل هذه المبادرات على أرض الواقع، من جهة ثانية. ما من شك أن الاستقبال الملكي لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني، يحمل عدة رسائل ترتبط بالأداء الحكومي وتنبه الحكومة ورئيسها سعد الدين العثماني إلى “بطء” اشتغالها في بعض الملفات، بل يمكن اعتبارها محاولة جديدة من المؤسسة الملكية لتأطير العمل الحكومي وتسريع وتيرته في سياق الدفع بالحكومة لتنفيذ وتنزيل الإجراءات والمبادرات الملكية، خاصة ما يرتبط بالحمولة التي جاء بها خطاب العرش الأخير.

صحيح أن الاستفسار الملكي لرئيس الحكومة هدفه الإسراع في إخراج التعديل الحكومي، خصوصا وأنه من المفروض أن تتشكل الحكومة قبل الدخول السياسي، ولكن ليس هذا فقط، إذ حسب بلاغ الديوان الملكي، فإن هذا الاستفسار يرتبط بالتوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش والتي طالبت رئيس الحكومة برفع اقتراحات لرئيس الدولة بخصوص تجديد وإغناء مناصب المسؤولية، سواء على مستوى الحكومة أو الإدارة.

حتما كما هو الأمرأثناء تشكيل كل الحكومات، هناك تجاذبات بين رؤساء أحزاب الأغلبية، خصوصا في ظل الحديث عن تقليص عدد الحقائب الوزارية بالثلث، وهو ما كان السبب في هذا التأخر في إخراج الحكومة الجديدة وكان وراء هذا البطء في التعديل، ولكن هناك أيضا التصور الجديد للهندسة الحكومية التي سوف تعتمد على سياسة الأقطاب وتحذف كتابات الدولة، وهو ما يصعب مأمورية رئيس الحكومة.

لقد رفع الاستقبال الملكي لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني، من درجة الضغط على زعماء أحزاب الأغلبية الحكومية، بما فيها العثماني الذي بدأ يكشف بعض التفاصيل حول الحكومة المرتقبة، نافيا وجود أي تأخير أو بلوكاج حكومي جديد. رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، قال في الملتقى الجهوي النسائي لحزب العدالة والتنمية بالدار البيضاء، بعد الاستقبال الملكي إنه “لا وجود لأي (بلوكاج) لمشاورات تعديل الحكومة، مؤكداً أن ما يروج بهذا الخصوص مجرد دعاية”. وكشف أن المرحلة الأولى من مشاورات التعديل الحكومي المرتقب انتهت وهي “المرحلة الخاصة بإعداد هيكلة جديدة يراعى فيها تقليص عدد أعضاء الحكومة، و-أضاف بأن-تدبير هذه المرحلة الأولى كان تدبيرا سليما وتم في وقته، والآن سندخل إلى المرحلة الثانية بعد عودتي من أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كلفني جلالة الملك بحضور أشغالها”. انتهى كلام رئيس الحكومة.

وأوضح سعدالدين العثماني أن المرحلة الثانية هي ” المرحلة التي ستقدم فيها الأحزاب ما عندها من كفاءات، واستدركقائلا، المقصود هنا كفاءات داخل الأحزاب وليس خارجها، فجلالة الملك تحدث عن كفاءات داخل الأحزاب وليس عكس ما ذهب إليه البعض”، نافيا بذلك ما قيل حول إمكانية الاستعانة بالتقنوقراط في “حكومة الكفاءات” المرتقبة. فالأحزاب حسبرئيسالحكومةمطالبة بتقديم ما لديها من كفاءات وأطر، هذا هو المطلوب من الأحزاب السياسية، أي أن تكون بحسبهفضاء لجذب الأطر التي تخدم البلد، وتساهم في رفع إيقاع تدبير الشأن العام في المرحلة المقبلة.من هنا يمكنقراءةهذاالتصريحبلجوء بعض الأحزاب لصباغةبعضالكفاءاتبألوانحزبية، للحفاظ ولو شكلا على حكومة سياسية، لأنه لا يمكن الحديث عن جذب الكفاءات في ظرف شهرين.

الاستقبال الملكي لرئيس الحكومة رفع أيضا من الضغط الذي تعيش تحت وقعه أحزاب الأغلبية الحكومية التي أصبحت بين فكي ملقط، فهي مطالبة بالحفاظ على مكاسبها ووضعها داخل الحكومة، من جهة، وأيضا مطالبة بالقبول بتخفيض عدد الحقائب، من جهة ثانية. ولعل هذا ما جعل بعض الزعماء الراغبين في تحسين مواقع أحزابهم في الحكومة المقبلة، مثل ادريس لشكر، يخرجون مباشرة للإعلام بتصريحات نارية ضد خصومهم في الحكومة، وإن كانوا متحالفين فيها، حيث هاجم الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، واصفا إياه بـ”التلميذ النجيب” لرئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران، مشددا على أن الاتحاديين لن ينسوا أن أقرب حزب لهم لم يدعمهم في انتخابات رئاسة مجلس النواب.

المؤكد أن الخروج العنيف لزعيم الاتحاديين ضد رفيقه في اليسار زعيم التقدم والاشتراكية، يندرج ضمن سياق الضغط من أجل المكاسب، حيث طالب ادريس لشكر رئيس الحكومة بتخفيض عدد الأحزاب المشكلة للحكومة، للاستفادة من حقائب غريمه وتحسين وضع حزبه داخل التشكيلة المرتقبة، زاعما أن حزبه كله كفاءات، وأنه سوف يتصدر الانتخابات المقبلة. وتلك حكاية أخرى سنعود لها في حينها.

طبعا، منذ خطاب العرش الأخير، عاد الحديث بقوة عن الكفاءات والاستحقاق، سواء ما يرتبط بالتعديل الحكومي، أو ما يتعلق بالأحزاب والمؤسسات العمومية، وهنا لابد من القول بأن الحديث عن الكفاءات هو حديث عام لا يخص البحث عنها داخل الأحزاب فقط، ولكن خارجها أيضا، صحيح بأن الأحزاب السياسية تتوفر على مجموعة من الكفاءات، ولكن جلها يبقى بعيدا عن القرار، ولا يظهر في القيادة إما لكونه يعارض التوجهات العامة للزعامة وإما لكونه لا يحظى بالقرب أو القرابة مع الزعيم، لهذا ظلت التجربة الحزبية في اقتراح أسماء الوزراء وكبار المسؤولين والشخصيات المعينة في المؤسسات الدستورية محدودة، وارتبطت بأسماء عائلات دون سواها ولم تستطع أن تقدم إجابات موضوعية وشافية للأسئلة المجتمعية على مستوى التنمية والمخططات وتطوير الخدمات الاجتماعية حتى تخلف آثارا مباشرة على المواطن.

المؤكد أن الدعوة الملكية لتجديد النخب بالكفاءات واعتماد معيار الاستحقاق، هي دعوة تحيل على البحث عن كل الكفاءات المغربية داخل وخارج الوطن دون تمييز ودون شرط الانتماء الحزبي. كما أن الدعوة الملكية لثورة ثلاثية الأبعاد على مستوى القطاع العام تهم النجاعة والتبسيط والتخليق، هي دعوة لجيل جديد من الإصلاحات والمخططات الكبرى التي تحتاج حتما لدماء جديدة وأفكار متميزة لا يمكن أن تكون مع نفس النخب، على اعتبار أن لكل جيل رجالاته ونخبه، والمغرب لا يعدم الكفاءات ورحم المرأة المغربية ليس عاقرا حتى تستمر نفس الوجوه والأسماء في مراكز القرار الاقتصادي والسياسي، وهو ما عبر عنه الملك صراحة عندما قال: “لكننا نريد أن نوفر أسباب النجاح لهذه المرحلة الجديدة، بعقليات جديدة، قادرة على الارتقاء بمستوى العمل، وعلى تحقيق التحول الجوهري الذي نريده“.

إن الإعلان الملكي عن إحداث لجنة خاصة بوضع نموذج تنموي جديد للمملكة، هي دعوة إلى مرحلة جديدة للحد من التفاوتات الصارخة في الوطن، إن على المستوى المجالي، أو على مستوى التوزيع العادل للثروات، على اعتبار أنه رغم الإنجازات الكثيرة التي تحققت، فإنها لم تشمل بما يكفي جميع فئات المجتمع مادام بعض المواطنين لا يلمسون آثار المشاريع المنجزة “في تحسين ظروف عيشهم وتلبية حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية والحد من الفوارق الاجتماعية“.

وإذا كان المغرب يتجه نحو مشروع تنموي جديد ومخططات كبرى مواكبة له وجيل جديد من الإصلاحات، فمن المؤكد أن هذه الطموحات المشروعة لن يكتب لها النجاح بنخب حزبية ضعيفة باتت تفتقد لرؤية واضحة في صناعة القرار، والتي لا زالت تدبر القضايا المصيرية الكبرى للوطن بمنطق الامتيازات والحسابات السياسية الضيقة، بعيدا عن التوجيهات الملكية. لقد سئم المواطن المغربي هذه الرداءة، الناتجة عن إقصاء الكفاءات، خاصة وأن رحم الأمهات المغربيات لم ينجب غير نفس الأسماء لتحمل كل المسؤوليات الحزبية والسياسية والاستراتيجية، لهذا لا بد من دماء جديدة بطاقات إبداعية تعطي نفسا متجددا للمؤسسات ومختلف القطاعات الحيوية خدمة لمصلحة هذا الوطن الذي نعتز جميعا بالانتماء إليه.

في الخلاصة، يمكن القول إن الحديث عن الكفاءات على مستوى الحكومة والإدارة، لا يجب أن يكون عذرا لكل هذا التأخير، تجنبا لهدر الزمن السياسي، لأننا لسنا أمام وضع يفترض تشكيل حكومة سياسية بكل المقاييس، بقدر ما نحن في حاجة لحكومة كفاءات تقود المرحلة، كما ليس مطلوبا في ظل هذه الظرفية الدقيقة، أن تكون هناك توافقات سياسية بالمنطق الحزبي، الذي يقتسم الحقائب الوزارية كما يقتسم الغنيمة، كما كان الأمر خلال تشكيل الحكومة الحالية بعد الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2016، لكون التشكيلة الحكومية المنتظرة، عليها أن تراعي الفعالية المرتبطة بطبيعة المهام الوزارية، قصد تنزيل السياسات العمومية والأوراش التي يمكن أن يكون لها الأثر الملموس على حياة المعيش اليومي للمواطن المغربي البسيط.

نتمنى ونحن على بعد أقل من أسبوعين من افتتاح السنة التشريعية، أن يتم التسريع في إخراج الحكومة وتنفيذ التوجيهات الملكية في القريب العاجل، تفاديا لكل الانعكاسات السلبية التي قد تؤثر على اقتصاد الوطن الذي يعاني أصلا من ضيق كبير، على اعتبار أنه لا يمكن الاستمرار في هذا الوضع مع كل ما ينتج عن هدر الزمن السياسي من انعكاسات تتمثل أساسا في قلق الفاعلين السياسيين وعدم استقرار المسؤولين في هذه الفترة الانتقالية التي طالت، والتي سيكون لها حتما تأثير على دواليب الاقتصاد الوطني. لهذا لابد من الإسراع في إخراج الحكومة وضخ دماء جديدة على مستوى الإدارة وبعض المؤسسات العمومية لتجاوز الهوة الموجودة بين الأداء الحكومي وتنزيل السياسات العمومية الناجعة، التي يمكنها أن تجيب وبشكل استعجالي على الأسئلة، التي وردت في الخطاب الملكي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.