احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: ليلة الاستقبال الملكي للعثماني

الافتتاحية: ليلة الاستقبال الملكي للعثماني

بقلم عبد المنعم سبعي:

كان الاستقبال الملكي الأخير لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني الأسبوع الماضي، الحدث الأكثر تداولا وتحليلا نظرا لرمزيته وظرفيته ولتداعياته المرتقبة، فهو يأتي بعدما أعلن جلالة الملك في خطاب العرش عن مجموعة من القرارات والتوجيهات التي لا تحتمل التأجيل أو التأويل. وأولى هذه القرارات تجديد وإغناء مناصب المسؤولية سواء على مستوى الحكومة أو الإدارة، فضلا عن النموذج التنموي الجديد. ولم تكن هذه القرارات الملكية لتأتي لولا النظر الثاقب لجلالته الذي وقف عند المنجزات خلال عقدين من الزمن كما وقف عند النقائص والمثبطات. فقد عاش المغاربة ظروفا صعبة وقاسية، ما بين أحلام التغيير وقيود الارتباك وعدم الاستقرار وانفجار الفضائح تلو الفضائح. فما بين أمان اقتصادي غاب وحلم في التغيير تراجع، عاش المغاربة تجارب كثيرة في هذه السنوات إلا أن الشيء المؤكد وسط هذا الكم من الإحباطات أن هناك أشياء كثيرة تغيرت في الواقع المغربي والإنسان المغربي وفي صورته أمام باقي العالم .. هناك سلبيات طفحت على وجه الشارع فى الممارسات والسلوكيات والقيم، وهى نتيجة طبيعية للفقر والجهل والتخلف، أشياء تركتها المساحيق الذائبة التي كانت توضع على وجه الاقتصاد الوطني وكانت تزكيها القرارات اللاشعبية للحكومتين السابقة والحالية، وازداد هذا الإحساس لدى ساكنة وجدة والجهة الشرقية بشكل كبير خصوصا حين كان يعتقد أن اقتصاد الحدود هو الحل لسكان هذه المناطق الحدودية، وحين وضع المسؤولون على وجه المجتمع قشرة مزيفة من المهرجانات والعلاقات والحلول الكاذبة وإن بقي القاع متخلفا ومريضا.ولم تعد وعود حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة سوى طيف خاله العطشان ماء. لذلك جاء الخطاب الملكي لعيد العرش الماضي بتلك النبرة وذلك الحزم.

فالاستقبال الملكي لرئيس الحكومة، الأسبوع الماضي اعتبر بمثابة تنبيه سياسي إلى سعد الدين العثماني بشأن التأخر في إخراج التعديل الوزاري إلى الوجود، خصوصا أن توجيهات جلالة الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش، لضخ دماء جديدة في الحكومة والإدارات، مر عليها ما يقارب الشهرين، وطيلة هذه الفترة، لم يعقد سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية رئيس الحكومة، إلا لقاء واحدا فقط مع قادة الأحزاب السياسية المشكلة للأغلبية، ولم يشرع بعدُ في نقاش تفاصيل التعديل الوزاري وتلقي اقتراحات الأسماء الوزارية مع حلفائه، على الرغم من اقتراب موعد افتتاح الدورة البرلمانية في العاشر من أكتوبر المقبل. وتتعلق هذه التوجيهات الملكية أساساً برفع رئيس الحكومة إلى الملك محمد السادس اقتراحات بخصوص تجديد وإغناء مناصب المسؤولية، سواء على مستوى الحكومة أو الإدارة.

المؤكد أن السياسة أضحت فنا يجوز فيه كل شيء، وان شعار السياسة وممارستها أخلاق غائب في سياقنا الوطني لأن سياسيينا استباحوا كل شيء وأجازوا لأنفسهم الحديث في كل شيء وإقحام كل شيء في خطاباتهم السياسية وهدفهم في ذلك زعزعة توازن وقوة خصومهم السياسيين ومحاولة كسب ثقة المغاربة. وكمثال حي على ذلك اجترار هؤلاء السياسيين لشعار « مصلحة الوطن العليا » لتبرير موقف سياسي ما، بغض النظر عن الجدوى منه والنبش في الحياة الخاصة للغير ونهش الأعراض وبالتالي الابتعاد عن هموم وانتظارات المغاربة.

لقد أصبحت لعنة الانقسامات واحدة من أخطر القضايا الخلافية في الشارع المغربي حتى وصلت إلى الأسرة والعمل والفكر والسلوك..أصبح من الصعب جدا أن يتفق الناس على شيء وانتشر الوباء بيننا حتى وصل الى طريق مسدود اختلطت فيه الأوراق والأشياء والرؤى.. أصبح من السهل أن تجد أكثر من تفسير لأشياء ليس لها غير وجه واحد، وأصبح من الصعب أن تجد قياسا لأفكار ومواقف لا تحتمل الصخب والجدل والخلاف.. أوشك المغاربة الآن أن يختلفوا على ظهور الشمس ومواعيد الصلاة والحيرة ما بين ثوابت لم نختلف عليها، وثوابت أخرى استجدت ولا مكان لها في كل الأعراف.. من يتحدث الآن باسم الوطن..هل هم رجال الدين..أم رجال الفكر..أم أهل الفن أم تجار السياسة..إن الفرق كبير جدا بين الوطنية والسياسة فليس كل سياسي بالضرورة وطنيا..وليس من الضروري على كل من احترف السياسة أن يتاجر في الوطن.. الوطن شيء والسياسة شيء آخر.. إن الوطنية تعنى قبل كل شيء الولاء والانتماء والتضحية من اجل الوطن أما السياسة فلها لغة أخرى وحسابات مختلفة تبدأ بالمصالح وتنتهي بالارتزاق وما بين الاثنين يمكن أن تهدد القيم وتفسد الأخلاق..
إن الوطنية لا ترتبط بالنخب سواء كانت سياسية أو فكرية أو دينية لأنها تتجاوز كل هذه الآفاق إن فيها الفكر والدين والسياسة وفيها ما هو أعمق وهو تراب الوطن والأرض التي يعيش عليها الإنسان وهى اكبر وأقدم واعرق الحقائق في تاريخ البشر..والأرض ليست قطعة من تراب إنها الزمن والعمر والحياة والماضي والحاضر والمستقبل..إن الشارع المغربي الآن يكاد أن ينسى أول دروس الوطنية وكنا نتعلمها في الأسرة والمدرسة والكتاب والمسجد والملعب وحين اختلفنا حول مفهوم الوطن ومعنى الوطنية انقسمت الأسرة على نفسها فهذا سلفي وهذا إخواني وهذا وطني وهذا رجعى..لقد اختفت صورة الوطن بمعناها القديم وبدأت الأشياء تصغر في عيوننا حتى وجدنا أنفسنا ندين بالولاء لفريق أو جماعة أو عصابة أومصلحة..
وفى ظل هذه الانقسامات تسربت في حياتنا أمراض السياسة وصراعات الساسة وأصبحت السياسة هي التي تحرك الفكر والسلوك والأهداف والمصالح رغم أن الوطن هو الذي كان دائما يجمعنا في السراء والضراء وفى تاريخنا فترات كثيرة توحدت فيها أحلامنا ورؤانا تحت راية الوطنية ولكن السياسة بوجهها البغيض حملتنا إلى مناطق أخرى استنزفت قدراتنا وشردت صفوفنا وتركتنا فريسة للضياع .
لا يمكن لإنسان عاقل أن يطالب مجتمعا يعيش في عالم فقد كل مشاعر الإنسانية بأن يتخلى عن السياسة ولكن هناك فرق كبير بين سياسة تبنى الأوطان وتدفعها لمستقبل أفضل وسياسة فرقت كل شيء حتى أبناء الأسرة الواحدة حين تتحول السياسة إلى تجارة باسم الدين ونهب لثروات الشعوب وتقسيم الأوطان إلى جماعات وشلل فهي وباء يدمر كل شيء..وهذا ما يحدث في المغرب الآن.. لم يكن المغرب في يوم من الأيام بهذه الدرجة من الانقسامات ولم يكن شعبه بهذه الدرجة من الكراهية وهذا ما أخذناه من صراعات السياسة ومعاركها الفاشلة.

لننتظر ما ستسفر عنه التعديلات المرتقبة وما ستبدعه الحكومة فيما تبقى من عمرها لعلنا نتلمس نوايا صادقة لبناء الوطن والبحث عن رفعته ورفاهية شعبه، وإلى ذلكم الحين يبقى المواطن البسيط يتلوى من آلام الانكسارات ومرارة الخيبات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.