احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر:ما فائدة تقارير المجلس الأعلى للحسابات إذا لم تسترجع خزينة الدولة الأموال العمومية المنهوبة؟

الخط الاحمر:ما فائدة تقارير المجلس الأعلى للحسابات إذا لم تسترجع خزينة الدولة الأموال العمومية المنهوبة؟

زهر الدين طيبي:

قدم المجلس الأعلى للحسابات قبل أيام، تقريره السنوي برسم سنة 2018، والذي تضمن نتائج مراقبة قضاته لتسيير عدد من المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، وكشف كما هو الشأن في كل سنة، عن الكثير من الاختلالات التي مست جميع القطاعات، من تدبير بعض الكليات على مستوى قطاع التعليم العالي، إلى مالية بعض الوزارات وشركات التلفزيون العمومي، مرورا ببعض المندوبيات السامية كالتي تخص السجون والمقاومة وأعضاء جيش التحرير، وصولا إلى مجموعة من الجماعات الترابية، وانتهاء بالأحزاب السياسية. وتواجه مالية الدولة صعوبات أخرى، تتجلى أساسا، حسب التقرير، في عدم التحكم في ارتفاع ديون الخزينة والتي بلغت عند متم 2018 ما قدره 722.6 مليار درهم، بنسبة ارتفاع تناهز 4,4 % مقارنة مع سنة 2017، ومقارنة بالناتج الداخلي الخام، فقد ناهز عجز الميزانية نسبة 3.7 % مسجلا ارتفاعا بحوالي 0.2 نقطة مأوية مقارنة مع سنة 2017 وتغييرا لمنحاه التنازلي، كما تضاعف جاري دين الخزينة أكثر من مرتين ما بين سنتي 2009 و2018 بمعدل ارتفاع سنوي نسبته 8.6 %.

وبحسب التقرير الجديد، أحالت النيابة العامة لدى المحاكم المالية 114 متابعا على المحاكم في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. وتوصلت النيابة العامة بالمجلس، خلال 2018، بعشرة تقارير تتضمن أفعالا من شأنها أن تندرج ضمن المخالفات المستوجبة للمتابعة في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. كما أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات على رئاسة النيابة العامة ثمانية ملفات تتعلق بأفعال مسؤولين قد تستوجب عقوبة جنائية، وقد تمت الإحالة وفق ما ينص عليه القانون، من أجل تعميق البحث مع المتورطين فيها واتخاذ العقوبات التي يقرها القانون بشأنها.

وبالتزامن مع نشر التقرير السنوي الذي أصدره المجلس الأعلى للحسابات، ورصد فيه خروقات كثيرة ترتبط بالتدبير المالي، على مستوى بعض الهيئات الترابية وكذا بعض المؤسسات العمومية، وثمانية ملفات رصدت بها تجاوزات تفرض الإحالة على أقسام جرائم الأموال بعد البث فيها من طرف رئاسة النيابة العامة، يعود السؤال العريض الذي يطرح دائما، ما فائدة تقارير المجلس الأعلى للحسابات إذا لم تسترجع خزينة الدولة الأموال العمومية المنهوبة، وتمت معاقبة المسؤولين المتورطين؟

المؤكد أن التقرير الأخير، كسابقيه، وقف على غياب الحكامة والشفافية في تدبير الكثير من الصفقات العمومية وتنفيذ الميزانية، تورط فيها بعض المسؤولين الكبار وبعض الوزراء، كما تضمن التقرير توثيقا لمجموعة من الاختلالات المالية بمؤسسات عمومية وجماعات ترابية وقطاعات حكومية ومشاريع مختلفة، لهذا لابد من ربط المسؤولية بالمحاسبة وتطبيق القانون ومتابعة المتورطين مع ضرورة استرجاع الأموال العمومية حتى نعيد الثقة في المؤسسات والمصداقية لتقارير الهيئات الدستورية والمفتشيات على مستوى الوزارات. ما فائدة الكشف عن حالات فساد وتبديد وهدر واختلاس لأموال عمومية وتوظيف لمراكز القرار العمومي لخدمة مصالح شخصية، في غياب المتابعة؟ وكيف يمكن للمواطن البسيط أن يثق في المؤسسات وهو يرى المتورطين أحرارا، يعيثون في المال العام؟

ما من شك أنه في ظل هذه الوضعية، التي تتسم بضعف تنزيل المساءلة وآليات الرقابة، وعدم استرجاع الأموال المنهوبة، تجد بعض الشبكات في مناصب المسؤولية، المكان الخصب لممارسة الريع والزبونية والإثراء غير المشروع على مستوى بعض الإدارات والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، محليا وجهويا ووطنيا.

كل هذه المعطيات الواردة في التقرير تفيد غياب حكامة جيدة على مستوى كل وظائف الدولة من تخطيط وبرمجة وتنفيذ ومراقبة وتقييم للبرامج والعمليات التي تنجزها الأجهزة العمومية. وبالنظر لكل هذه الاختلالات يبقى من حق المواطن البسيط التساؤل، وماذا بعد كل هذه التقارير التي لم تستثن أي قطاع؟ ولماذا لا يتم تفعيل المتابعات القضائية ضد المخالفين والمفسدين؟ وهل يكفي التصريح بالممتلكات لوقف اغتناء السياسيين؟ وما مدى قدرة آلية التصريح بالممتلكات للوقوف في وجه الغنى غير المشروع للوزراء والبرلمانيين وكبار المسؤولين؟ ألم يحن الوقت لمساءلة بعض الموظفين الحاليين والسابقين في مختلف الإدارات والجهات عن الاغتناء الفاحش والسريع وعن ثراءهم الغامض؟ من أين لبعض الموظفين من أصحاب الدخل المتوسط أوالهزيل كل هذه العقارات والحسابات البنكية الكثيرة الأرقام بين عشية وضحاها؟

للأسف يمكن الجزم أن مع الكشف عن كل تقرير سنوي جديد للمجلس الأعلى للحسابات، يبدو وكأن مسلسل الفساد واستغلال النفوذ والمنصب بالمؤسسات العمومية ومختلف الجماعات الترابية بالمغرب، لازال مستمرا، من الرشوة والاختلاسات واستغلال المنصب وتحميل مؤسسات الدولة نفقات إضافية، إلى التلاعب في الصفقات العمومية. ومع توالي الإشارات الملكية لتخليق الحياة العامة، وفي أفق التعديل الحكومي المرتقب قبل الدخول السياسي، ينتظر المواطنون أن يطيح التوجه الجديد الذي بات يعتمده المجلس الأعلى للحسابات، بالعديد من المسؤولين عن المؤسسات العمومية، ورؤساء الجماعات الترابية الذين لا يكترثون لا بالقانون ولا بالمحاسبة، وسلكوا طرق النهب والاختلاس ومراكمة الثروات على حساب المصلحة العامة للوطن.

لقد حان الوقت لنقول بصوت مسموع: كفانا إفلاتا من العقاب، كفانا نهبا للمال العام، وكفانا تسامحا مع الاختلالات والجرائم المالية. ألم يحن الوقت لإعمال الشفافية في الصفقات واحترام القانون؟ إلى متى يستمر استغلال النفوذ والمناصب للإثراء الفاحش؟

وإذا كان الزلزال الملكي، قد أطاح بوزراء ومسؤولين كبار في هياكل الدولة، فإنه لابد من تفعيل القانون مع مدراء المؤسسات العمومية ورؤساء الجامعات متى ثبت تورطهم في مخالفة القانون، وكذلك الشأن مع المنتخبين الذين تعودوا صرف الملايير للحصول على مناصب حساسة في الجماعات الترابية تمكنهم من الريع السياسي، وتسمح لهم بالنهب والاختلاس والتلاعب والصفقات، وما على الجهات المعنية إلا تفعيل القانون في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا وأن حجم الخروقات والتجاوزات التي وقف عليها قضاة المحاكم المالية، أثناء عمليات الافتحاص، “خطير جدا”.

المؤكد أن كلفة الفساد باهظة بالمغرب وتقدر بأكثر من خمسين مليار درهم سنويا، وإذا ما تم تطبيق القانون، وهو ما ينتظره كل المواطنين، فإن خزينة الدولة سوف تسترجع الكثير من الأموال المنهوبة كما أن السجون ستكتظ حتما بالعديد من المسؤولين ورؤساء الجماعات، والمهندسين، والموظفين في أقسام الجبايات والصفقات العمومية، والذين تحولوا بقدرة قادر من فقراء أو مواطنين عاديين إلى أثرياء جدد.

واليوم ونحن نستشرف التعديل الحكومي، يبقى السؤال الأهم، هل هؤلاء الذين شملتهم مختلف تقارير جطو، سواء الوزراء أو غيرهم من المسؤولين الكبار المعينين وغيرهم، يندرجون ضمن لائحة المسؤولين الذين يُفترض أن يتم تغييرهم؟

المؤكد أنه حان الوقت لوضع حد لظاهرة الاغتناء بالسياسة التي يبصم عليها العديد من المسؤولين وليس الوزراء فقط، عن طريق استغلال مناصبهم العمومية لأغراض شخصية.

إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي إخضاع الوزارء بشكل دوري لعملية افتحاص محايدة للتأكد من حسن تدبير المال العام، والوقوف في وجه الاغتناء غير المباشر للمسؤولين، وقبل ذلك يقتضي التدقيق في الذمة المالية للمرشحين للاستوزار قبل تعيينهم في مناصبهم، كما يجب أن يشمل التصريح بالممتلكات الأقارب من أصول وفروع وزوجة. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يجب أن يقتصر على هذه الفئات، حيث يجب التحري والتدقيق في كل التراخيص التي تشرف عليها لجن الاستثمار والوكالات الحضرية والعمالات والولايات ومجالس المنتخبين. لأنه لا يعقل أن يحتكر بعض الموظفين في مختلف الجهات والذين لا تربطهم بالوطنية أية روابط، كل هذه الامتيازات ويراكموا الثروات على حساب دافعي الضرائب، بهذه السرعة وبلا حسيب أو رقيب وبطرق مشبوهة تعتمد أساليب الغش والمراوغة والتهرب الضريبي والتملص من التزامات الدولة.

لقد آن الأوان لوقف استمرار الفساد ونزيف المال والعقار الذي بات يهدد مستقبل التنمية والاقتصاد بوطننا. نتمنى أن يكون التعديل الجديد مناسبة لطي صفحة الكثير من الاختلالات، لأن الوطن أكبر من كل حزب وأهم من كل مسؤول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.