احدث المقالات
Home > الحدث > الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الخامس)

الريف في الرواية العربية من خلال رواية “أخبار عزبة المنيسي” ليوسف القعيد (الجزء الخامس)

بقلم الدكتور إسماعيل فيلالي

ب ـ علاقة الإنسان بالأرض:

إن علاقة الإنسان بالأرض هي علاقة تلازمية نابعة من الوجدان الإنساني الذي كرس نفسه لخدمتها وارتبطبه ارتباطا وثيقا مادام أنها المصدر الأساسي لقوته، وعلامة استمراره، ودوام بقائه، والأرض نفسها لاتكون لها قيمة بدون الإنسان الفلاح الذي يرتبط بها ويخدمها ويعيش من أجلها،إن العلاقة بينهما علاقة تاريخية واقتصادية ونفسية كما أن هذه العلاقة تختلف بين بني البشر، فالفلاح البسيط يحب الأرض لأنها مصدر عيشه، أما الإقطاعي فإن علاقته بها هي علاقة نفعية واستغلالية، انطلاقا من هذا تعاملت الرواية العربية مع علاقة الإنسان بالأرض، وأثبتت أن الإنسان / الفلاح يسترخص کل شيء من أجل البقاء والاستمرار في أرضه، دافع عنها بكل ما يملك في عهد الاستعمار، وقاوم من أجلها، ورفض الاقطاع الذي يستغله وينهب خيرات أرضه. وهذا ما سنحاول الوقوف عنده في روایة “أخبار عزبة المنيسي”.

الأرض في الرواية هي أرض الخصوبة والعطاء تشمل على مائة وتسعين فدانا من أخصب الأراضي في الناحية، يملكها الحاج المنيسي وأخوه الذي يعمل بالقاهرة، هذه الأرض يقوم استغلالها عن طريق تأجير الفلاحين أو اشتراكهم، وفي جميع هذه الحالات فهم ينتسبون بشكل أو بآخر، إلى الأرض، وهم يظلون فيها رغم تبدل الملاك…” . إن هؤلاء الفلاحين البسطاء هم الذين حولوا هذه الأرض إلى عزبة منتجة، وبالرغم من أنهم لا يملكون فيها أي شيء، فإنهم متعلقون بها، يعملون فيها طول النهار. يذهبون في الصباح الباكر إلى الحقول يحرثون الأرض ويقلبونها استعدادا للزراعة الجديدة.

إن هذا الارتباط بالأرض قد يبدو تحصیل حاصل، فمادام أن الإنسان، يستفيد من هذه الأرض فإنه يحبها ولا يستطيع مغادرتها، إلا أن الإنسان الفلاح يشعر أكثر من هذا الارتباط الموضوعي والنفعي، إنه يتحول إلى علاقة حميمية يشعر فيها الفلاح بعطش الأرض وحاجته اإلى الماء. ونكشف هذا من خلال حوار عبد الستار مع ابنه الزناتي .

– ” أنت حاترو يالأرض النهارذ هیا زناتي”

– أرضنا عطشی یا أبي… المياه كل مياه العالم لا تروي جفاف أرضنا، أقسم لك”.

كما أن عبد الستار حارس العزبة بالليل أصبح جزءا من هذه الأرض، حتی أنه يذوب فيها وقت يستلقي فوقها، ويشعر أنه اله وحده دون غیره، حيث يفرد قدميه على آخرهما يتحسس بباطن يديه الخشنة، الأرض من تحته تستريح زرقة السماء في عينيه، تکتسب معنی جدیدا، ولكنه يعمل حتى المساء”. ان عشق الأرض والارتباط بها كانت تشعر به حتی صابرين وهي تعيش فترات الاحتضار من خلال حنينها للحقول، والكلمات التي كانت تغنيها لقطع الظلال المتناثرة في وقت الظهيرة… ودون أن نجازف في القول إن هذا الحنين هو شعور يتجاوز هذه القطعة التي تعيش فيها صابرین إلى أرض مصر كلها .. حب هذه الأرض كان يحمله الزناتي أيضا، فهو حينما سمع البكاء والعويل وأدرك أن صابرين ماتت مسمومة بیده فكر “أن يهرب، أن يجري، ولكنه وجد نفسه يعود إلى العزبة، يقتر بمنها “. إن الزناتي لن يهرب، ولنيبتعد عن هذه الأرض التي احتضنته لأعوام شبرا واحدا،حتى ولو كان يعلم أنه سيسجن وسيعاقب علی جريمته. والده عبد الستار فكر بعد الدفن والتحقيق، في أن يرحل عن العزبة، إلاأنه لم يستطع مغادرتها، لقد كانت تربطه بهذه الأرض / العزبة علاقة ودودة. فحت ىالثمن الذي قبضه مقابل بكارة صابرين، أحب الناس إليه، وشرفه الذي باعه، وتنازله عن كبريائه ما كان ليتم لولا رغبته في المحافظة على حياته في العزبة. إن   هذه الصورة التلازمية بين الإنسان والأرض لم يجسدها عبدالستار وابنه وابنته،بل كل الناس في العزبة أصبحوا يهتمون بعد مقتل صابرین بالأرض والبيوت إحساسا منهم بأن الأرض أرضهم وإن كانوا أجراء فيهافقط. وقد ترجموا هذا الشعور في أن “كل رجل سيهمس لنفسه، وهو يدرك حقيقة ما يحدث، وهو يتحسس معاني الأشياء ویلوکها في ذهنه وهو يشم رائحة الخصوبة والأرض والشجر والماء …”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.