احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: الجهة الشرقية تشكو عللها للواحد القهار

الافتتاحية: الجهة الشرقية تشكو عللها للواحد القهار

بقلم: عبد المنعم سبعي:

ما تعيشه مدينة وجدة والجهة الشرقية من جمود اقتصادي وتراجع على كافة الأصعدة، يدفع بنا حتما مساءلة المنتخبين والمسؤولين عما قدموه للمدينة والجهة من عمر تدبيرهم للشأن المحلي والجهوي بهذه المنطقة، ما هي جهودهم في الحفاظ على ما دشنه وأشرف عليه صاحب الجلالة؟ ألم يوفر صاحب الجلالة بمشاريعه العملاقة أرضية خصبة لإقلاع اقتصادي مهم وتنمية لا تقبل القهقرة والتراجع؟ ألم يكن حري بمسؤولينا إبداع أشكال من التدخلات  واختيار أنجع المدخلات؟ أين شعار ستراسبورغ المغرب العربي؟ أين وعود تحويل شاطئ السعيدية إلى قبلة سياحية مهمة؟ كل شيء تراجع وتبخر وبقيت الجهة تشكو عللها للواحد القهار، مادام مسؤولوها فضلوا الانزواء جانبا كأنهم عينوا بهذه المنطقة لإطفاء كل جذوة أمل أو الإجهاز على كل حلم جميل.

إن الجهة الشرقية في هذه اللحظات الفارقة والصعبة تحتاج إلى مشاعر أعمق في التجرد وإنكار الذات كما تحتاج إلى صدق النوايا والاستماتة في الدفاع عن القناعات، بحيث تصبح مصالح الوطن فوق كل الاعتبارات. وعندما يصل بنا القطار إلى نفق مظلم ونحن في رحلة سفر فلا ينبغي أن نتوقف مهما كانت الأسباب والدوافع، ولا ينبغي الاستعانة على دفع الظلام بأضواء الهواتف النقالة، بل ينبغي الاستمرار في المسير إلى أن يتم الخروج من النفق ومعانقة أنوار السماء من جديد، ومن هنا فإنني أعتقد أن جهة الشرق اليوم في حاجة إلى قرارات حاسمة خصوصا في مجال تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل خصوصا بعد الركود الذي لم يعد خافيا على أحد كان باحثا أو مهتما ، حتى لا يتوقف بنا القطار ونجد جهتنا أمام تحديات تتجاوز قدراتها على المواجهة ويضيع منا العمر والجهد دون أن نصل إلى شيء.

متأكدون أن سياسة جلب الاستثمارات تعد من أهم الآليات التي أصبحت تنحوها الدولة المغربية خاصة في ظل راهنية احتدام المنافسة بين الاقتصاديات المختلفة المتقدمة منها و النامية، و يمكن أن يكون الاستثمار استثمارا للرأسمال، أو استثمارا للشغل أو غيره، وترتبط مرونة أي نظام بمدى تفعيل التدابير التحفيزية الممنوحة للمستثمرين. فالمستثمر لن يقبل على أي مغامرة استثمارية في جهة ما، إلا إذا كان متيقنا من الضمانات والتشجيعات التي تمنحها هذه الجهة وتنفرد بها دون سواها، لذلك فإن اللعب على وتر الانتماء للجهة لجلب المستثمرين المقيمين بالخارج والمنحدرين من مختلف مدنها وقراها لن تأتي بأي نتائج، ما دام البعد الجغرافي عن المركز قائما والتحفيزات الضريبية الخاصة بالجهة منعدمة، وما دامت مراكز التسويق بعيدة… ولو كان الانتماء للجهة كافيا لجلب استثمار أبنائها لما فر منها المستثمرون السابقون الذين رحلوا إلى البيضاء وأكادير ومدن أخرى تغنيهم من تكاليف إضافية مرتبطة باللوجستيك وارتفاع سعر البنزين بالجهة مقارنة بمختلف الجهات..

لقد عانت الجهة الشرقية منذ استقلال المغرب من قرارات مجحفة كرست مقولة “المغرب غير النافع” كعقيدة عصية التخلص من مدلولاتها لدى المسؤولين وصناع القرار، وظل اقتصادها يعتمد على الاقتصاد غير المهيكل ويشكو الاعتلالات والأسقام التي لا يمكن تجاوزها إلا بقرارات جريئة وصائبة وبنوايا صادقة لإخراج الجهة من غرفة الإنعاش، فجاءت المبادرة الملكية لتنمية أقاليم الجهة الشرقية التي أعلن عن خطوطها العريضة صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بوجدة يوم 18 مارس 2003، فوضع هذا الخطاب كل الزيارات الملكية السابقة واللاحقة في سياقها الاستراتيجي والتنموي. لقد تضمنت الخطة الملكية مقاربة تنموية مندمجة، هدفها إعطاء دفعة قوية للحركة التنموية بهذه الأقاليم المحسوبة جغرافيا على الجهة الشرقية وكانت هذه الخطة الملكية مرافعة تنموية بامتياز واجتماعية بامتياز وجريئة أكثر لأنها عبرت بقوة عن المنظور السديد الذي يختزل كل آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتراصة. ولاشك أن هذه المبادرة كانت وصفة الحدس في قراءة اقتصاد جهة حدودية تلبدت مساراته فيما مضى من العقود بالمسكنات التي ما عادت ذات جدوى ولا فائدة. ولا شك أيضا أنها مبادرة انطلقت من رصد موضوعي وواقعي لحال التنمية بالجهة وانتهت إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد المنطقة بالتجهيزات والبنيات الأساسية .
وبعد مرور بضعة سنوات على هذا الخطاب التاريخي، بدأ يحس مواطنو هذه الجهة بالنقلة النوعية التي أعادت الروح لمدن هذه الجهة بفضل ما تم انجازه برعاية ملكية سامية، قد نتذكر كلية الطب والمستشفى الجامعي وحسناته على سكان المنطقة، وقد نتذكر الطريق السيار وجدة فاس وما ساهم به من ربح الوقت وضمان الراحة والسلامة الطرقية، وقد نتذكر مطار وجدة أنكاد، والمحطة السياحية بالسعيدية ومحطة مارتشيكا ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، وقد نتذكر الخط السككي الناظور تاوريرت، فضلا عن عشرات المشاريع المهيكلة، كما قد نقف عند جهود الوالي محمد امهيدية في إبداع مشاريع جديدة تهم المجال ألطرقي والبيئي والسياحي…  لكن مع كل هذه الجهود لا زال استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل بعيد المنال بالشكل الذي يطمح إليه كل غيور على جهته، ولا يمكن التخلص من هذا الواقع المرير إلا بتضافر الجهود وصدق النوايا والقطع مع القرارات الارتجالية والإجراءات التي تتحكم فيها الحسابات الشخصية أو الحزبية أو المصالح العائلية ..  لذلك كان على المسؤولين الجهويين والاقليميين أن يضعوا نصب أعينهم هذا الجهد الملكي الكبير ليحافظوا على رصيده الهام من المنجزات والحفاظ عليها والاسترشاد بالتوجيهات الواردة في الخطاب الملكي ليوم 18 مارس 2003، فيا من أوصلتم الجهة الشرقية ومدينة وجدة على الخصوص إلى هذا الحضيض استحيوا فقط من جهود صاحب الجلالة.

مجمعون على أن للجهة الشرقية وضعا اقتصاديا وسياسيا وجغرافيا مختلفا عن باقي الجهات، وأنها تدفع ضريبة موقعها المجاور لدولة شقيقة لا تعرف سوى معاكسة مصالح وطننا، ولعل أقل ما ينبغي التفكير فيه وتسطيره ضمن الأولويات هو تمتيع مدن المناطق الحدودية بامتيازات ضريبية وتشجيعات عقارية لصالح الاستثمار… إن المطلوب وسط هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان هذه المناطق أن نحدد المعنى الحقيقي للتنمية، فلم تعد إثقال كاهل مؤسسات ومستثمري هذه الجهة بمزيد من الضرائب والمراجعات، ولم تعد محصورة في إبداع الملتقيات والأيام الدراسية، وإنما أصبحت تتعداها لتصل إلى ضمان الكرامة والعيش الهنيء لمواطني هذه الجهة، وإلا سيرمى ممثلو الإدارة الترابية وعلى رأسهم الوالي والكاتب العام والمنتخب والبرلماني ورؤساء الجماعات الترابية بهذه الجهة بالتقصير وسوء التدبير، لأن التقصير الحقيقي هو أن يضعك صاحب الجلالة أو يختارك المواطنون في موقع المسؤولية ثم تفرط فيها وتبتعد عن هموم الجهة وسكانها، التقصير الحقيقي أن تستأمن على عزة مدينة أوجهة أو قرية وتخون أمانة المنصب وتجمع حولك عصابة من المرتزقة بينما أهل الخبرة والكفاءة والوطنية بعيدون عن كل شيء.  التقصير الحقيقي أن تترك مجموعة من الأشباح يسيطرون على زمام الأمور ويستغلون كل شيء لتحقيق مصالحهم… هذا هو التقصير الحقيقي.

إن الاهتمام الحقيقي بموضوع جلب الاستثمار بالجهة الشرقية يفرض على السياسيين والمنتخبين والبرلمانيين والفاعلين الجمعويين العمل من أجل إقناع المسؤولين المركزيين بضرورة تمتيع الجهة بمحفزات  تشريعية تتمثل في مجموعة من الامتيازات الضريبية، وضمان تحويل رؤوس الأموال، وإعفاء الجهة من بعض الضرائب لتعويض المستثمرين بها عن بعض التكاليف الزائدة التي تنجم عن بعد الجهة عن المركز والزيادة في ثمن المحروقات، إضافة إلى عوامل أخرى كالاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي، وتكوين أجهزة مكلفة بمتابعة ملفات الاستثمار، وهذه المحفزات التشريعية لم تعد في العصر الحالي العامل الوحيد  لجذب الاستثمارات، بل لا بد من تضافر عوامل أخرى لا تقل شأنا عنها، من قبيل وجود ضمانات قضائية وتحفيزات عقارية بعيدا عن المضاربات واقتصاد الريع. ومادامت اللقاءات والدراسات والمشاورات لا تلامس هذا الموضوع من هذه الزاوية لا يسعنا إلا أن نقول: “استحيوا على الأقل من هذه الأصوات المبحوحة  “.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.