احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الأسلوب في المجموعة القصصية “مجرد سؤال” لرشيدة القدميري

الأسلوب في المجموعة القصصية “مجرد سؤال” لرشيدة القدميري

د. محمد حماس: باحث في التاريخ والتراث

لا شك أن القصة ضرب من السرد الأدبي تحوفه الكثير من المتعة والتشويق، وبالتالي يبقى محببا لدى المتلقي بمختلف مستوياته، وقد عمدت القصة منذ نشأتها لتوظيف الخيال في نسج الوقائع والأحداث لتحقق الحبكة القصصية المنشودة، ولو أنها اتخذت أشكالا وألوانا تنوعت مفاهيميا بين الحكاية والأقصوصة والقصة القصيرة وغيرها، حتى استقام كل ضرب منها بخصوصيات حددتها العلوم المهتمة بجماليات السرد، لهذا نجد القصة وظفت الأسطورة والخرافة،لتتطور فيما بعد وتتعدد تيماتها، ليتم تسخير مواضيعها لما هو ديني أو تاريخي أو سياسي … وبمعنى آخر، فالقصة شأنها شأن الألوان الأدبية الأخرى، ارتبطت بالواقع، إذا أن كاتب القصة غالبا ما يعتمد على أحداث ووقائع عاشها أو التقطها من محيطه وما سجلت ذاكرته، وبالتالي فالواقعية وسمت الكتابة القصصية كما وسمتها الرومانسية لفترات متتالية لتصل لما هي عليه الآن، حيث تجمع بين الواقعي والرومنسي ..

ويقصد بالأسلوب الكيفية التي يعتمدها الكاتب لترتيب أحداث القصة وسردها،معتبرين القصة ضربا من السرد تحضر فيه ذات السارد أو أناه بقوة، من خلال الشخوص والأحداث التي يتم توظيفها في قالب جمالي، من صور ومعاني وبيان، وهو ما ذهب إليه الشكلانيون، باعتبار أن السارد ينطلق من موضوع قصصي معين ليشكله وفق تصور معين تحكمه جملة من القواعد والقوالب الفنية والخصوصيات، مفعمة بالأحاسيس والمشاعر. والسرد هنا نعرضه بالمفهوم الذي أقره تودوروف المفعم بالعالم العجائبي الفانطاستيكي، وبفضل السرد تنتظم أحداث القصة أو الرواية باعتبارهما حكيا ..

ويمكن الحديث عن الأسلوب عبر ثلاثة مستويات، أولها،من خلال المتكلم الباث للخطاب اللغوي،وبالتالي ف”الأسلوبهوالكاشفعنفكرصاحبه،ونفسيته ويعكس طبائع الشخص(حسب أفلاطون)، ويرى (بوفون) أن الأسلوب هو الإنسان نفسه، أما (جوته) فيرى أن الأسلوب هو مبدأ التركيب النشط والرفيع الذي يتمكن بها لكاتبُ النفاد إلى الشكل الداخلي للغت هو الكشف عنه”(1)

ثم المستوى الثاني، يتعلق بالمتلقي للخطاب اللغوي، بحيث يسعى هذا الخطاب للتأثير في هذا المتلقي (حسب ستاندال) وجعله يتفاعل معه.

وثالثا الخطاب نفسه، والذي يقوم على معجم لغوي، ويكون من اختيار الكاتب فيخرج بالعبارة منحالةالحياداللغوي،إلىخطابمتميزبنفسه(حسب ماروزو)(2).

كل هذا، ناهيك عن أشكال السرد، بين مسترسل ومتقطع وتناوبي لا يتسع المجال للتفصيل فيها هنا باعتبار المناسبة. وقد دعا (جيرارجنيت)فيخطابه (1972)،إلىالتمييزفيالسردبينالحكي، الذي هو ترتيب الأحداث،وبين القص الذي هو تتالي هذه الأحداث فعليا في النص، والرامي للإقناع العاطفي(3)

من هنا فإنتحديدأسلوبالكاتبيتطلببالضرورةتحديداللغةالموظفةداخلالخطابالسردي، إذ تتعدد الأساليب بحسب موضوعاتها بين البساطة والاعتدال والسمو،وبالتالي لابد من التمييز بينها، لأن كلا منها يليق بلون ما، ويبقى القص أو الأدب عامة أشد احتياجا للأسلوب السامي لما يتطلبه من توظيف جمالي لتحقيق متعة القراءة لدا المتلقي أو لذة النص كما عبر عنه رولان بارت(4).

هكذا يضطلع الأسلوب بوظيفة مركزية تؤسس للخطاب السردي أو الشعري، إذ يختار الكاتب المبدع معجما لغويا يعكس هذا الدور.

بعد هذا التقديم المقتضب، والذي توخينا من ورائه ولوج مدارج المجموعة القصصية التي بين أيدينا، للكاتبة رشيدة القدميري، والموسومة بـ “مجرد سؤال”، نخلص لما يلي:

يقع الكتاب في 95 صفحة من الحجم المتوسط، منشورات أنفو برانت بفاس، الطبعة الأولى 2016، تضم المجموعة 11 نصا قصصيا متفاوتا من حيث الطول. يزين غلاف الكتاب لوحة للفنان عبد المجيد بطالي.

وغير بعيد عن عتبات الكتاب، يمكن الإشارة إلى اشتباك الألوان التي تؤثث الغلاف، بين داكنة ومفتوحة، تتراوح بين ريش طائر وماء جاري وعين وألوان زاهية وأزهار ودمع منهمر … تعكس عوالم النصوص وطبيعتها المفعمة بالحزن والأسى مثل “.. لوحة من الربيع أتت على خضرتها … قتامة الخريف … شاحبة تلك الأحلام شحوب خد ندبته الأحزان …” (قفا الغلاف)، صورة للكاتبة يبدو أنها اختارتها لتتماشى منسجمة الألوان بين غلاف الكتاب ولباسها. ويبقى العنوان “مجرد سؤال”، جملة مبتورة تفيد الإخبار بقدر ما هي سؤال، حيث يغيب المبتدأ ويبقى الخبر مضافا لما بعده، فالعنوان هنا وإن بدا خاليا من جمالية السرد إلا أنه ينم عن طبيعة الخطاب السردي التي ستتضح من خلال النصوص الأحد عشر، وهو خطاب مباشر، حيث يلاحق العنوان ختم جميع النصوص.

ثم على مستوى عدد النصوص، فلا أعتقد أن رقم أحد عشر جاء صدفة، وإن لم تفكر فيه الكاتبة بقدر يمكن ملاحظة أنه وتري وأنه ذو دلالة تعكس حالة القهر والظلم، خاصة من ذوي القربى، في إحالة لقصة يوسف والإخوة والجب والذئب والقميص والدم الكذب وزوجة العزيز .. ويعزز هذا التأويل الوقوف عند عناوين النصوص التي جاءت جميعها بأسماء أعلام، عدا النص الأخير الذي يشكل فضاء تداول هذه الشخصيات وذاك المكان المفعم بالذكريات. كما أن النصوص جميعها غير مؤرخة ومكانها غير محدد، وبالتالي يغيب الزمكان كعتبة داخل المجموعة القصصية، ومرد ذلك، ربما، لأن النصوص صالحة لكل زمان.

ثم الإهداء الذي تعلوه نبرة حزن قوية وألم وحنين لمسقط الرأس .. ربما هي ذكريات ترتبط بمسقط رأس الكاتبة بفضاء القصر الكبير، والتي يمكن اختزالها في الهجر والفراق والرحيل والأحلام الجافة والحياة العارية ووجع الصباحات الباردة (ص3)، لدرجة تصف الكاتبة نفسها أنها كائن يعيش في زمن الخطأ (ص4).

تتناول نصوص المجموعة القصصية عددا من القضايا،تنضوي تحت تيمة واحد هي وضع المرأة داخل الأسرة والمجتمع وصراعها مع الذات والأطراف الخارجية، فهناك الزواج التقليدي الذي يلغي رأي الفتاة، باعتبارها المعني الأول بالقرار، وفي الغالب يتم حرمانها من فتى أحلامها وإجهاض تطلعاتها ..“صرخة كتمتها من ليلة زفافها، لكنها كانت خير مسكن لحالتها …”(ص6)، وبهذا يتم تبخيس المرأة وتشييؤها، وتصبح الطفولة مغتصبة، مما يولد حقدا دفينا للرجل المتسلط المتغطرس المتجبر، وهذا هو المنحى الذي تسير فيه الكاتبة، حيث تتحول حياة المرأة إلى وحدة واغتراب دائمين مهما تقدم بها العمر، قد تتزوج وتنج وتحب، لكن جروح الماضي لن تندمل، لهذا نلاحظ النهايات الحزينة لجميع النصوص التي جاءت قوية مشحونة بقضايا المجتمع، تحضر فيها الذات المكلومة بالمحن والألم والعذابات .. هي نصوص تشكل صرخة في وجه واقع التسلط والحرمان و”الحكرة” .. لهذا جاءت عبارة عن تساؤلات لا تنتظر جوابا، لأنها تحمل كل الأجوبة في مضامينها، فكان الأسلوب المختار ضرورة تعكس طبيعة مواضيع هذه النصوص وحضور الكاتبة بذاك النفس الشعري في لحظات عدة لإضفاء جمالية على النصوص الأحد عشر، لأن الكاتبة شاعرة كرست الصور الشعرية لتمرير العديد من المعاني، ومع كل ذلك نعود ونقول إن الخطاب المباشر جعل الأسلوب يتجه نحو البساطة،فيرتفع الإيقاع الداخلي للنصوص تارة وينخفض أخرى، وهذا الأمر هو الذي اقتضى اختيار معجم خاص جعل النصوص تبدو وكأنها مقاطع أو فصول داخل عمل روائي سير ذاتي، ويتضح ذلك من خلال عدة مؤشرات، منها النص الأخير “قصر الذكريات” الذي أفرغت فيه الكاتبة ما بداخلها من حنين يشدها للماضي الجميل ببساطته، حيث الفقراء البسطاء والتآزر واللمة العائلية والحميمية ودفئ المشاعر .. تستحضر شريط الصور بنوستالجيا جميلة .. وحسب اعتقادنا يمكن اعتبار نص “قصر الذكريات”أجمل نصوص المجموعة، لأنه يشكل الفضاء الواسع الذي لا تشوبه شائبة الفوارق الاجتماعية ويعمه الصدق، فهذا الجار “… الحاج الحسين يتصدق منذ الساعات الأولى للصباح بالابتسامات على جيرانه ..”(ص84)، ثم الجزار السكير الذي يضرب زوجته، والجدة حسناء، والجارة فاطمة …، فتعكف الكاتبة على استعراض العديد من الأمكنة تلمس فيها الصدق والعفوية .. حي الفرفارة وطريق لعرايش والبيت القديم ولمحمدية وسوق الحنة والشريعة وباب الوادودوار العسكر ولمناكيب ودار الدخان وحي الديوان ولخردين وسكرينية ..، وجميعها فضاءات تؤثث ذاكرة الكاتبة بكل ما تختزنه وتختزله من وقائع وذكريات، ضمنتها بشكل جميل داخل نص “قصر الذكريات” على شكل نص زجلي تبكي من خلاله الزمن الذي تغير وتغير أناسه.

تستعمل معجما عاميا في جل النصوص، كما تتسم النصوص كلها بسمة الخطاب المباشر، فيرتفع إيقاع الأسلوب من عادي مباشر سعيا وراء التواتر في إرسال الرسائل للمتلقي المفترض أو القابع في لاوعي المرسل، إلى شاعري بلغة جميلة حبلى بعدد من الصور الرائعة.

ــــــــــــ

الهوامش:

  • عدنانبنزريل،النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق،اتحاد الكتاب العرب،ص. 43، دمشق، 2000
  • مقوّمات السرد القصصي، الملتقى الدوري لنادي القصة (الوردية، 25-27 نوفمبر 2016) org
  • Figures III, Gérard Genette
  • رولان بارت، لذة النص، ترجمة فؤاد صفا والحسين سحبان. 2001

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.