احدث المقالات
Home > كتاب الحدث > الافتتاحية > إذا كان وراء الوطن عظيم فلا تخش الضياع

إذا كان وراء الوطن عظيم فلا تخش الضياع

بقلم: عبد المنعم سبعي

وقف خطاب العرش لهذه السنة على مجموعة من الاختلالات التي يعرفها المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتبقى مناسبة الذكرى العشرين لتربع صاحب الجلالة على عرش أسلافه مناسبة مهمة في تاريخ المغرب الحديث، لأنها ذكرى تؤشر على حكم صاحب الجلالة لعقدين من الزمن، وهي مدة قابلة لأن تكون محطة تقييمية بامتياز وتقويمية أكثر، لما تم انجازه وبناؤه، ولما تم التقصير فيه، لذلك كانت الصراحة التي عهدت في صاحب الجلالة هي العنوان الأبرز لهذا الخطاب، ولعل الإعراب بتألم جلالته شخصيا ما دامت فئة من المغاربة لا زالت تعاني الفقر والحرمان المادي أحد وجوه هذه الصراحة. ومن ثم سيكون إجراءان أفصح عنهما صاحب الجلالة في هذا الخطاب بمثابة الرجة التي ستعيد الأمر لنصابه، وهما إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي وإغناء وتجديد مناصب المسؤولية. وهذان الإجراءان يضعان الأحزاب السياسية من جديد موضع التساؤل، كما وضع خطاب العرش للسنة الماضية قدرة وجدية الأحزاب السياسية تحت مجهر المساءلة، وطالبها بضرورة العمل على “استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم”، مشددا على أن “قضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها. والهيئات السياسية الجادة، هي التي تقف إلى جانب المواطنين، في السراء والضراء”.

وما بين خطاب العرش للسنة الماضية وخطاب العرش لهذه السنة، يبقى دور الأحزاب السياسية في أي مجتمع ديمقراطي هي المرآة التي تعكس واقع المجتمع وتبرز ملامح الحياة السياسية التي تطبع البلد.

إن خطاب العرش جاء بدعوة ضمنية إلى الأحزاب من أجل أن تقوم بدورها في الوساطة بما تعنيه من تمثيل وتأطير المواطنين كما ينص على ذلك دستور البلاد، لاسيما وأن عددا من الأحداث الاجتماعية، التي شهدتها البلاد لم تلعب فيها الهيآت السياسية أي دور في عملية الوساطة بين المؤسسات والمواطنين. لكن قيام الأحزاب السياسية بأدوارها كاملة يمر من خلال عدد من الإجراءات الواجب القيام بها من طرف فاعلين مؤسساتيين مختلفين، منها “استقطاب نخب جديدة وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي”، فأحزابنا السياسية في حاجة إلى استقطاب نخبة سياسية شابة قادرة على ابتكار الحلول وتقديم البدائل المجتمعية، وليس “نخبة سياسية” لا تقوم سوى بعملية التنفيذ السليم للأوامر، ومنها ثانيا وجوب الاعتراف بأن نسبة كبيرة من أحزابنا لا تتوفر على بنية استقبال صلبة تمكن من إدماج مختلف الطاقات. وهذا ينعكس على الديمقراطية الداخلية وإعمال المساطر. من بين الإشكاليات التي تعيق عمل جزء كبير من الأحزاب السياسية يكمن أساسا في ضعف الديمقراطية الداخلية.ومنها ثالثا ضرورة استقلالية القرار الحزبي وتتجلى في ضرورة رفع اليد عن الفاعل السياسي، من أجل أن يقوم بدوره ووظيفته التي وجد من أجلها.

لا أحد يعرف على أي أساس يتم اختيار الموظفين في مناصبهم ومسؤولياتهم.. وهذه المنطقة بالذات في شؤون بلادنا يدور حولها تساؤلات كثيرة منذ زمان بعيد .. لقد خضعت يوما لمقاييس الثقة والخبرة، وللأسف الشديد أن الثقة جارت كثيرا على الخبرة وكانت النتيجة أن تولى المناصب أشخاص يفتقدون الكفاءة في مواقع كثيرة وكان من نتيجة ذلك أن انسحبت كفاءات وخبرات عديدة.. على الجانب الآخر لعبت العلاقات الشخصية والمصاهرة دوراً كبيرا في دائرة المناصب الكبرى، حتى إن أسماء كثيرة أقامت كل تاريخها الوظيفي على هذه العلاقات وكانت سلمها الوحيد للصعود دون خبرات أو كفاءة، ولا شك أن للأحزاب السياسية دورا مهما في تقسيم الكعكة ونيل نصيبها والفوز بأسهمها، وبقيت دائرة المناصب تدور حول هذه المناطق أهل الثقة والعلاقات الشخصية  والمصاهرة، وكل منطقة منها افتقدت في أحيان كثيرة لعناصر الكفاءة والخبرة وربما الشفافية وسيطرت هذه الأساليب على اختيار المسؤوليات، وتدرجت حتى انتقلت إلى ما هو اقل وأصبح المسؤول الذي جاء من شواطئ العلاقات العائلية والمصاهرة يستخدم نفس الأساليب في اختيار من هم دونه مرتبة ودرجة..
إننا عندما نتحدث عن الفساد بالمغرب نكون أمام مجموعة من البشر لها من القوة والسلطة والنفوذ ما استحلت بها كل شيء لنفسها من الامتيازات والرخص والمقالع.. وحرمت فئات عريضة من حقها في العدالة والحياة الكريمة..

هذا هو زمن غياب صوت الحكمة  الذي يعانى منه مشهدنا السياسي والإداري وهو مشهد ليس بوسعه أمام خطط المفسدين سوى تكريس الفوضى وصيحات الاحتجاج التي أصبحت عنوانا مزيفا لمطالب التغيير والإصلاح باتجاه الديمقراطية ورفض الاستبداد بينما هي في حقيقتها توفر الأسباب والذرائع لاستدعاء الانضباط الغائب بعد أن تحول المشهد العام إلى ما يشبه الرقص المجنون نتيجة تداخل الأمور وتشابك التعاريف وانفتاح الساحة السياسية على مصراعيها لمن تأهل ومن لم يتأهل. لكن وعي صاحب الجلالة بضرورة القطع مع هذه التجاوزات وحرصه على التأسيسلمرحلة جديدة وبلورة سياسة حكيمة تقوم على تحديث عمل الإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قد يجتث مظاهر الفساد من جذوره.

إن صفحات التاريخ تحفل بنماذج من القيادات الحزبية التي اعتمدت البقاء في أعلى هرم الهيئة، وبلقنت الهياكل الحزبية، وتخلت عن المناضلين الشرفاء،  وانتهجت مناهج الظلم وجنحت للارتشاء واتخذت من معاكسة مصالح الوطن عقيدة، فحالها كحال العصابات، لا تصنع أمجادا ولكنها تصنع الكوارث والمصائب، أما المناضل الحزبي الحقيقي فهو الذي يشيد ويبني ويقدم للحياة أجمل ما فيه، ويسخر لخدمة الوطن أعظم ما فيه وهو عقله وقلبه. فلا تحزن أيها المناضل الشريف إذا وجدت حولك أشباحا من المرتزقة الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أجل مصالح زائلة، وإذا كان الحق قد اختفى في زحمة الباطل والظلم، فهو قادر على أن يطل مرة أخرى وتراه شامخا رافعا هامته منتصب القامة يمشي وسط كهان الشعارات ومروجي الأوهام.. لا تحزن إذا اختفت الشمس قليلا خلف سحابة الضلال، لأن البقاء للشمس ولا بقاء للضلال، فالفرق شاسع والبون واسع بين أن تظلم إنسانا وان تظلم وطنا أو مدينة أو ساكنة برمتها وان كانت النتيجة واحدة.. فالفرق كبير بين أن تظلم شريكا وان تحرق مدينة، وبين أن تقترض مبلغا من المال لا ترده لصاحبه وان تنهب ثروة جماعة أو مدينة ثم تتركها ضائعة.. ظلم الأفراد مساحة صغيرة جدا فى حياة البشر، ولكن ظلم الوطن مأساة كبرى تتحملها الأجيال جيلا بعد جيل.. وحين يتصور المسؤول الحزبي  انه يملك كل شيء فى دائرته تسقط عليه اللعنات من كل جانب وتطارده أشباح الكراهية في كل مكان.

وبالرغم من هذا القبح الحزبي لا تحزن إذا وجدت حديقتك الغناء لا تزهر ربما مرت عليها عاصفة قوية أسقطت الزهور وقتلت البراعم قبل أن تكبر وتغدو ثمارا شهية.. سوف يأتي فصل ربيع قادم تعود فيه الثمار وتخضر فيه الأوراق..لا تغضب إذا الزمن أصبح بلا ضمير في كل شيء في السلوك والأخلاق والبشر حين تختل المواسم تبدو الأشجار شاحبة ويبدو الأفق غائما وقد تمطر السماء أشياء سوداء تشبه المطر ولكنها ليست كالمطر..لكن اطمئن، هناك ربيع قادم مع إصرار صاحب الجلالة على تجاوز النقائص السابقة عبر الاجراءات المعلن عنها في خطاب العرش، ومهما انتشرت الخفافيش ليلا، فلا بد أن تسطع شمس النهار،  وحين يكون وراء الوطن عظيم فلا تخش الضياع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.